09-28-2014 01:35 AM



من أصعب القضايا السياسية هي التقاربات، و التي يمكن أن تجري بين شخصيتين سياسيتين، تشتغلان بالفكر في أطروحتيهما، و خاصة إذا كانت تلك الشخصيتان ما تزال تثيرا بعض الأسئلة علي مجريات السياسة اليومية، و في هذا المقال أحاول إن أتحاور مع أفكار شخصيتين سياسيتين ما تزالا تتربعان علي هرم السياسة في السودان، و تصنعا الأحداث اليومية و الحراك، و هما الدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي و زعيم حركة الإسلام السياسي في السودان، و السيد ياسر سعيد عرمان الأمين العام للحركة الشعبية و مسؤول العلاقات الخارجية في الجبهة الثورية، و الشخصيتان معروفتان للوسط السياسي، و لعامة الشعب السوداني، من خلال دوريهما السياسي في المجتمع السوداني، و إن كانتا تتعرضان و تختلفان في المرجعيات الفكرية و الثقافية، و لكن ذلك لا يمنع من تناولهما حول قضايا السياسة و الفكر، باعتبار أن بصمتيهما ما تزالان تتواصلا في عريضة السياسة السودانية.
لا أريد أن استدعي التاريخ في هذا المقال، و لكن سوف أركز علي الحاضر الذي يحمل بين أحشائه الجديد المثير، حيث إن الدكتور الترابي يعكف علي مراجعات حقيقية حول قضية الإسلام السياسي، و قد فرضت عليه الأحداث الجارية في البلاد و المنطقة هذه المراجعات، و قد تحدث عنها الدكتور الترابي في جلسات الشباب و الطلاب، باعتبارها القوي الجديدة في المجتمع و التي تقود مسيرة المستقبل، و الملاحظ إن الدكتور الترابي في جلساته مع الزوار، أو المقيمين من الشباب، يفتح الملفات الفكرية للحركة الإسلامية، و علاقة هذه الملفات بالغرب، و في الجانب الأخر، نجد إن السيد عرمان أيضا يقدم مبادرات سياسية في الساحة، يهدف منها تقديم أطروحات تكون مجال حوار أو نقد، و هي أطروحات تتماشي مع معتقداته و أفكاره، و إن كان عرمان يحاول أن يتجاوز تقييم تجربتهم السياسية.
و من المهم جدا، يجب أن نوضح حقيقة عن السيد ياسر عرمان حتى نفهم كيف تفكر الشخصية، حاولت الحركة الإسلامية في صراعها مع الحزب الشيوعي، و من ثم مع الحركة الشعبية، أن تشوه بها صورة الرجل، بعد انضمامه للحركة الشعبية. من المؤكد إن السيد عرمان، عندما كان طالبا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، و هو عضوا في الحزب الشيوعي، استطاع أن يقدم أطروحة فكرية داخل واجهات الحزب " الجبهة الديمقراطية" حول قضية الكفاح المسلح، باعتبارها وسيلة نضالية قد ثبتت جدوها في عدد من الدول التي تبنتها، مثل الصين و كوبا و فيتنام و كوريا الشمالية و كمبوديا و نيكاراجوا و شيلي و غيرها، و هي أطروحة لم يكن يقرها الحزب فكريا، و الذي يعتمد علي الماركسية الليننية و النضال الطبقي، و هذا الخلاف تطور حتى أدي إلي انشقاق في الجبهة الديمقراطية في بداية الثمانينيات، داخل جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وبعد الحوار الذي أجراه الحزب مع هذه المجموعة، بعد خروجها عن الحزب، رجع ياسر عرمان و رفاقه إلي حظيرة الحزب، بعد ما قدموا نقدا ذاتيا، لكن ياسر عرمان لم يكن مقتنعا بالنتيجة، و فتح باب الحوار مرة ثانية حول قضية الكفاح المسلح، هذا المنهج و التفكير هو الذي جعله يهتدي للحركة الشعبية، التي كانت قد تبنت الاشتراكية و الكفاح المسلح في مونفيستو عام 1983، كان طموح ياسر عرمان أن يلعب دور جيفارا في الكفاح المسلح في أمريكا ألاتينية، و خاصة في الثورة الكوبية، و معروف إن الثورة الكوبية المسلحة في بداياتها، لم تكن تتبني الماركسية، و لم يكن لديها خطا فكريا، و بعد انضمام جيفارا لها، هو الذي منحها البرنامج الفكري السياسي، و عرمان لم يذهب للحركة الشعبية هاربا كما تدعي الحركة الإسلامية، أنما ذهب بقناعة فكرية راسخة، هذه اللمحة التاريخية في مسيرة الرجل، كان لابد أن توضح، لمعرفة اتجاهات الشخصية السياسية.
إن الأحداث التي عقبت ثورات الربيع العربي، و التحديات التي واجهتها القوي السياسية التي صعدت للسلطة في عدد من الدول التي نجحت فيها ثورات و انتفاضات الربيع العربي، و الحرب المعلنة ضد الإسلامي السياسي في المنطقة، كانت سببا في أن يراجع الدكتور الترابي منهج و فكر الحركة، لذلك استغل الدكتور لقاءاته مع شباب و طلاب حزب المؤتمر الشعبي و الشباب الزائر في أن يتحدث عن الحركة الإسلامية ليس في السودان بل في المنطقة العربية، و قال يجب أن تراجع برامجها و أطروحاتها الفكرية، و خاصة في قضيتي الحرية و الديمقراطية، و بالتالي يحاول الدكتور التربي طرح القضية وسط الشباب لإيجاد الأصول الفكرية للقضيتين في المرجعية الإسلامية، و هذا باب كان الدكتور الترابي قد ساهم في إغلاقه حتى لا يحدث نوع من التنافس داخل الكتلة التنظيمية، و لكن التجربة السياسية للإنقاذ قد بينت إن الحركة الإسلامية فقيرة جدا من ناحية العناصر التي تشتغل بالفكر، و خاصة تلاميذه الذين ناصبوه العداء و استأثروا بالسلطة، هذا الفقر الفكري في مواجهة تحديات كبيرة كان لابد أن يدفع الدكتور تجاه المراجعة، و أختار فئة محددة لكي يلقي عليها خطابه الجديد الذي سماه " الحركة الإسلامية و مواجهة التحديات الغربية و المجتمعية" و كما وضح إن الحركة الإسلامية لا يمكن أن توجه التحديات المفروضة في الساحة بذات منهجها القديم و بذات الآليات و الوسائل، لابد من المراجعة.
فالمراجعة الفكرية في قضية مثل " الحرية و الديمقراطية" و التي سقطت فيها الحركة الإسلامية من خلال تجربة الإنقاذ، و يصبح طرحها في الهواء الطلق لا يجد أذن صاغية في ظل الواقع السياسي و الاقتصادي و الأخلاقي و الاجتماعي المتردي، و التجارب الأليمة التي تعيشها البلاد، لذلك جعل الحوار أن يكون مع جزءا مؤثرا داخل حزبه، بهدف ثارة الأسئلة عند هذه الفئة، و يخرجهم من عباءة الثقافة القديمة، أن يكون شخصا واحدا مفكرا و البقية منفذة فقط لما يقوله، هذا المنهج هو الذي خلق الضعف الفكري وسط عناصر الحركة الإسلامية، و بالتالي يصبح المنهج الجديد أن تقدم الأفكار ليس من مصدر واحد، أنما تتعدد المصادر، بهدف تنشيط العقلية الإسلامية الراكدة، التي ما تزال تعيش في جلباب الفقيه أحمد بن حنبل، و لكن هل يستطيع الدكتور الترابي أن يعيد تجربة واصل بن عطاء، لكي يحدث تحولا في العقلية الإسلامية، و يجعل للمجهود العقلي مكانة داخل تنظيم الحركة الإسلامية، و الإقرار بنسبة الحقيقة.

و أصبحت قضية المراجعات ثقافة، تبحث عن أصول في الفكر الإسلامي و التوجه الجديد، و في اللقاء الذي أجراه الصحافي فتح الرحمن شبارقة مع الدكتور علي الحاج، القيادي في حزب المؤتمر الشعبي المقيم في ألمانيا، و في سؤال طرحه عليه، ألا تعتقد إن تجربة الإسلام السياسي باتت تحتاج لمراجعة الآن؟ أجاب الدكتور علي الحاج قائلا ( المراجعة لابد منها، إلغاء فالإسلام السياسي هو برنامج "سوفت وير" بلغة الكومبيوتر و مهما تكلمنا عن برنامج إسلامي، أو برنامج إسلاميين، هو في نهاية المطاف اجتهاد بشري قابل للسلب و الإيجاب، و لابد من مراجعته و إعادة مراجعته من وقت لآخر في كل مجتمع. و لابد من إعادة النظر في برنامج الإسلام السياسي و في المنهج نفسه، و كل هذه اجتهادات بشرية تختلف من وقت لأخر، و هي أبعد ما تكون عن القدسية) و قال أيضا ( الإسلام السياسي ما في تراجع عنه، لكن هناك تدارس و تفاكر و تشاور و نقد له) هي نفس اللغة التي أثارها السيد المحبوب عبد السلام في عدد من أوراقه النقدية.
و أيضا كانت جريدة " اليوم التالي قد نشرت خبرا في عددها 20 سبتمبر 2014 يقول ( إن الدكتور الترابي يقود تيارا لتوحيد الحركة الإسلامية علي أسس جديدة ) و ذكرت الجريدة إن هناك ورقة أعدت لتوحيد الحركة الإسلامية و طالبت الورقة بمراجعة الفكر و إعادة تأسيسه و تأصيله علي هدي الدين و طالبت الورقة بمراجعة تحت عنوان " موقف مؤتمر الشعبي و مقدمات و متطلبات الانتقال نحو المستقبل" هذه المراجعات تتم دون نقد التجربة الماضية، و لمعرفة الأسباب التي أدت لفشل التجربة، و أحدثت انشقاقات عديدة في جسم الحركة الإسلامية، و موقف الإسلاميين من قضايا الحرية و الديمقراطية، مما يدل علي أن المراجعات لا تهدف لتغييرات جوهرية، و لا تحدث قطيعة مع المرجعيات القديمة، و إن كان بعض القيادات الإسلامية المقربة للدكتور، تقول إن قضية الحرية و الديمقراطية هي نفسها التي تدفع الدكتور لكي يقوم بهذه المراجعات.
في جانب أخر من المشهد السياسي السوداني، علي قاعدة فكرية مختلفة، يقول السيد ياسر عرمان مسؤول العلاقات الخارجية في الجبهة الثورية و نشر في عدد من الصحف السودانية يقول ( إن الجبهة الثورية تعتزم لعقد مؤتمر جامع لقوي المعارضة، بهدف توحيد الرؤى حول مستقبل السودان، و تبني برنامج سياسي موحد قبيل بدء الحوار الوطني، و قال عرمان، إن الجبهة تجري اتصالات واسعة للتحضير لانعقاد المؤتمر، علي غرار مؤتمر القضايا المصيرية، الذي كان قد عقد في أسمرا عام 1995، و أضاف، إن الدعوة لانعقاد المؤتمر اقتضتها الضرورة، و التطورات السياسية، خاصة بعد توقيع علي اتفاق الحوار الوطني و العملية الدستورية، برعاية الوساطة الإفريقية رفيعة المستوي) و الخطوة لا غبار عليها، إذا كان الهدف من توحيد المعارضة الاتفاق علي برنامج موحد، في مواجهة برنامج القوي الإسلامية، و الشروع في عملية الحوار، لكن مؤتمر أسمرا نفسه، و تجربة التجمع الوطني الديمقراطي تحتاج لوقفة نقدية، حول موقف الحركة الشعبية التي اتخذته موقفا تكتيكيا للضغط علي النظام، و تجاوزت القضايا المصيرية لتذهب مباشرة لأجندات أخري، و ذهبت بذات الطريق تجاه الانفصال، الحركة الشعبية هي نفسها دخلت في مقايضة مع النظام، و أبقت علي القوانين المقيدة للحريات، التي تناضل القوي السياسية الآن من أجل إلغائها أو تجميدها، فهل يجب أن نتجاوز كل تلك الفترة السالبة، أيضا يحاول عرمان مثل الدكتور الترابي أن يعبر مساحات التاريخ السياسي دون تقييم أو نقد له، لكي تؤسس التحالفات علي أسس مبنية علي الثقة.
و ينتقل بنا السيد ياسر عرمان لصفحات أخرى حيث كتب في صفحته علي "الفيس بك" يقول (من واجبنا كسودانيين توحيد المعارضة كشرط رئيسي للتغيير، و علينا منع قيام الانتخابات بعمل جماهيري واسع، و انتفاضة تحدث التحول إذا رفض المؤتمر الوطني الحل الشامل، و قال نحن مع الحوار المتكافي، و لن نترك أسلحتنا إلا إذا توصلنا إلي مشروع وطني جديد، يحقق الإجماع السياسي، و ينتقل بالسودان من نظام الحزب الواحد و الشمولية إلي الديمقراطية، و من التمييز إلي المواطنة، و من الحرب إلي السلام العادل، نحن نسعى لبناء مستقبل مشترك جديد لجميع السودانيين، وفق إرادتهم الحرة جميعا) أيضا يراهن السيد عرمان علي الجماهير في عملية التغيير، دون أن يقدم مشروعه السياسي الديمقراطي، و القائم علي نقد التجربة السياسية التاريخية للحركة الشعبية، و هي تجربة تحتاج للدراسة و النقد باعتبارها تجربة انحرفت عن مشروعها الذي كان يدعو لوحدة السودان، و أيضا الذي تغيب فيه الحرية و الديمقراطية، و تأكيدا لذلك ما يجري في دولة جنوب السودان، و حتى الآن لم نسمع من الحركة الشعبية رأي أو نقد لما يجري، مما يؤكد إن قضية الحرية و الديمقراطية ما تزال شعارا تكتيكيا في فكر السيد عرمان، كما إن قناعاته التاريخية بعملية الكفاح المسلح في عملية التغيير، قد أثبت التاريخ في كل الدول التي أشرنا إليها سابقا، لم تنتج نظم ديمقراطية، بل أنتجت نظما ديكتاتورية تلتحف بشعارات التقدمية التي تجاوزها التاريخ، مما يؤكد إن رؤية الحزب الشيوعي و موقفه من قضية الكفاح المسلح كانت صائبة، و إلي أية مدي يقبل فكر السيد عرمان الرأي الأخر، فقضية الشعارات لا اعتقد سوف تقنع أحدا، بعد ما أثبتت فشلها في مسار الحركة السياسية السودانية و خاصة في الحركة الشعبية، إن الحركة السياسية التي تناضل من أجل الديمقراطية، تحتاج أن تقنع الشعب السوداني ببرنامجها السياسي، الذي يؤكد إنها بالفعل قد تغيرت تصوراتها و فكرها حول قضية الحرية و الديمقراطية.
إن مشكلة السودان الأساسية، إن قضية الحرية و الديمقراطية، تواجه بتحدي من قبل الجانبين، القوي التي تنطلق من مرجعية إسلامية، و أيضا من الجانب الأخر الذي يرفع شعار الهامش، و هذا ما قاله من قبل الدكتور جون قرن لمجلة المجلة التي تصدر في لندن ( إن الديمقراطية ترف لا اشتغل به كثيرا) و لقد أثبتت التجربة التاريخية في السودان، إن التيارين عندما يصلان للسلطة يرميان هذه الشعارات وراء ظهريهما، كما إن مشكلة الحركة الديمقراطية السودانية لها اعتقاد خاطئ، إن فتح ملفات المعارضة سوف يشغل القوي السياسية عن صراعها ضد النظام، الأمر الذي يترتب عليه انحراف عن الشعارات، و خيانة لنضال الحركة الجماهيرية، لماذا لا يكون النضال مبني علي الوضوح و الشفافية، بهدف أن يقوم البناء علي أسس صحيحة، فالمراجعات دون نقد للتجربة السابقة، لا تتم علي أسس صحيحة، أنما هي عملية تزيف للوعي، و كذلك دعوة الجماهير للانتفاضة و الثورة، دون أن تعرف المشروع السياسي و موقف القوي من قضية الحرية و الديمقراطية هو أيضا يؤسس لوعي زائف، و نسأل الله البصيرة.
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 978

خدمات المحتوى


التعليقات
#1116403 [شاهد اثبات]
4.12/5 (20 صوت)

09-28-2014 07:21 AM
مقال ممتاز
النقد الذاتي مرحلة مهة مع الالتزام بالواقعية السياسية ومواجهة الحقائق
وهذا مقال منقول للفائدة
حركة الشعبية لتحرير السودان
المجلس السياسي الانتقالي
رداً على بيان الرفيق الامين العام للحركة الشعبية فبراير 2013

منذ توقيع اتفاق السلام الشامل في نيفاشا 2005م، دخلت بلادنا مرحلة جديدة من الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي، وقد أعلن د.جون قرنق إن هذه الاتفاقية لخصت محصلة لا متناهية من صراع الشعب السوداني خلال قرن كامل من التهميش والتغييب، وان الحركة الشعبية بتوقيعها لهذه الاتفاقية قد عقدت العزم لانزالها لأرض الواقع كإستحقاق تاريخي للشعب السوداني، وأوضح ان السودان الان لم يكن كما كان في الماضي.
إن الوفاة المفاجاة لمؤسس الحركة وقائدها الدكتور جون قرنق، قد احدثت ربكة فكرية وتنظيمية لدى قيادة الحركة مما نتج عنه عدم تطبيق الاتفاقية على ارض الواقع، وصاحب ذلك الصعود المفاجئ لبعض القيادات على رأس الهرم القيادي، وانشغالها بتنفيذ أجندتها الخاصة بعيداً عن رؤى الحركة وجوهر الاتفاقية. بل جعلت تنفيذ الاتفاقية ثنائياً بين شريكين، وأبعدت القوى السياسية الفاعلة عن المشاركة، ومن ثم جعل بنود الاتفاقية فاعلة في حياة المواطن السوداني، حتى تساهم في خلق جو من السلام المستدام وتقريب وجهات النظر حول قضايا الوحدة الوطنية والتنمية، لتكون القوى السياسية السودانية صمام أمان لتنفيذ الاتفاقية.
هذه السياسة حفزت المؤتمر الوطني للرجوع والانتكاس عن تنفيذ الاتفاقية بالاتي:
1. افرغ المؤتمر الوطني الاتفاقية من محتواها، وحصرها في برتكولي السلطة والثروة، والمناطق الثلاثة في جنوب كردفان، والنيل الازرق، وأبيي، ومسألة الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان.
2. عزل الحركة الشعبية عن القوى السياسية الفاعلة في الشمال، مما ترتب عليه تغاضي متعمد عن القضايا الأساسية، والتي كان بالامكان معالجتها، وكان من الممكن ان تساهم في توسيع قاعدة الحركة الشعبية، بجذب الكادر النوعي ممثلاً في القوى الحديثة الديمقراطية، والمنتجة للفكر والابداع.
وتمثلت هذه القضايا ايضاً في الآتي:
1. إعادة الحياة لمشروعات الجزيرة والمناقل والحصاحيصا، ومشاريع النيل الابيض والازرق، ومؤسسة حلفا الزراعية .
2. إعادة بناء البنيات الأساسية للمشاريع التالية: السكة حديد، النقل (النهري – البحري – الجوي) ، المدابغ الحكومية، الخدمة المدنية،القوات النظامية، قطاع الاتصالات، والبترول.
3. اعادة المفصولين سياسياً وتعسفياً من الخدمة المدنية والعسكرية، واسترداد حقوقهم المادية والادبية، ومعالجة قضايا المعاشيين ومشكلة العطالة.
4. تسيس الخدمة المدنية والعسكرية، والخدمات الصحية والتعليمية.
5. اعادة النظر في المناهج الدراسية بتكوين هيئة من ذوي الخبرة من التربويين، لاعادة الحياة لمعهد بخت الرضا معالجة إشكالاته.
6. تنمية الريف ومناطق الانتاج مع مراعاة المناطق الاكثر تخلفاً .
7. الهوية السودانية المسكوت عنها، ومؤسسات الاعلام المرئي والمسموع.
هذه القضايا لم يتم تناولها، ولم تكن يوماً في اجندة الاجتماع بين الشريكين، عليه فإن طرح هذه القضايا للنقاش يحرك ساكن كل الديمقراطيين والمبدعين، والعشرات من اهل الفكر والبحث والتنوير، للاصطفاف خلف هذه المطالب، وتكوين جبهة عريضة من خيرة ابناء السودان، تساهم في جعل برنامج الحركة الشعبية جاذباً.
لقد استقبل الشعب السوداني الحركة الشعبية ممثلة في قائدها التاريخي الدكتور جون قرنق كمخلص من نير واستبداد المؤتمر الوطني، فتدافع بالالاف لنيل عضوية الحركة الشعبية، وكلٌ يحمل مساهمته في مجال تخصصه. الا اننا عملنا على تمكين مجموعة من الانفصاليين في قيادة هيكلة قطاع الشمال، فمارس هولاء الاقصاء والتهميش عن قصد، وتم ابعاد الكادر المستنير، وكأن الحركة ملك لأبناء جهة ما، ورسخ هؤلاء فكرة ان التهميش مقصود به ابناء مناطق بعينها دون المناطق الأخرى، في اختزال مخل بالخطاب السياسي والفكري للحركة الشعبية.
في خضم الصراع مع المؤتمر الوطني – الذي اختزل الاتفاقية كما اشرنا سابقاً- مرر الانفصاليون قانون الامن الوطني والمخابرات، وتكوين اللجنة العليا للانتخابات، قانون الانتخابات الرجعي، والتعداد السكاني، تقسيم الدوائر الانتخابية، والابقاء على قانون الصحافة والمطبوعات، القوانين المقيدة للحريات جميعها دون التشاور مع القوى السياسية السودانية ومتجاوزين الرأي العام. وكما تنازل الانفصاليون عن كل شيء مقابل الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان. وحدثت جميعها في اتفاقيات ثنائية مع المؤتمر الوطني.!
صاحب كل ذلك بناء تنظيمي للحركة الشعبية اتسم بالكرنفالي، ففي احتفال اليوم الختامي لمؤتمر الولاية تحضر قيادة الحركة وتحت شعار توطين الحركة الشعبية، الا انه حتى هذا التوطين لم يأخذ حقه من النقاش والحوار للوصول لرؤية موحدة وواضحة حول مفهوم التوطين، هل هو جهوي؟ أم حسب نسبة المجموعات الاثنية في الولاية!.
في اعتقادنا نحن في الداخل بالامكان معالجة هذه المشاكل، التي خلقت مناخاً غير ملائم، لطرح برامج ورؤى الحركة السياسية والاجتماعية، بعيداً عن تقسيم الحركة إلى حركة في المناطق المحررة، حركة في المهجر، وحركة في مناطق سيطرة المؤتمر الوطني.
هذا الاعلان غير موفق، ولا يعكس حرص القيادة على وحدة الحركة الشعبية الفكرية والسياسية والتنظيمية، وان تتخلى طواعية دون ضغوط عن رؤاها المركزية لبناء السودان الجديد، وإعادة هيكلة الدولة السودانية على أسس جديدة، تقبل طواعية على الوحدة، وإعداد برامج قادرة على إدارة التنوع الاثني والثقافي والديني الذي يتميز به السودان. ومثل هذه الرؤى لا يمكن لها ان تتحق الا في ظل وجود حزب واحد يتعامل مع ظروفه الموضوعية سواء في مهجر، أو في المناطق المحررة، أو في بقية بقاع السودان.
الحركة اشعبية في دول المهجر:
هناك حيث القيادة والامكانيات المالية، والعلاقات الدولية والإقليمية، وسهولة الحركة والاتصال بقضايا الامداد وحشد الامكانيات لتمكين مجموعة محددة من تقرير مصير الحركة الشعبية وإدارتها وفق أجندتها السابقة، وانتهاج اساليب الاقصاء والتهميش المتعمد لكادر الحركة. هذه المجموعة تركت البلاد دون مواجهة مع النظام، ولم تقم بالاجراءات اللازمة لترتيب الاوضاع التنظيمية والادارية للحزب، وتزرعت بدواعي لا تليق بثوري وهب حياته لقضية اسقاط النظام سواء كان ذلك عن طريق تحالف سياسي مع قوى سياسية أخرى، أو الحركة الشعبية منفردة أو عبر الانتخابات لتطبيق برنامج السودان الجديد.

الحركة الشعبية في المناطق المحررة:
وهي موجودة منذ زمن طويل، ليس لها علاقة بهذه الحرب الدائرة الآن، وهم مقيمين باعتبار ان هذه أراضيهم التي قررت قبل اتفاقية السلام الشامل، وفق بروتوكول خاص بها، وهو جند دولي واقليمي ووطني لا يحتاج لاعلان أو اعتراف المؤتمر الوطني.
ومن الممكن تسوية قضية المنطقتين بمعزل تام عن (المهجر)، أو في المناطق التي تحت سيطرة المؤتمر الوطني، ولا بد من القول ان لا مساومة فيما يتعلق بتنفيذ برنامج المشورة الشعبية في المنطقتين، كأصل وحق طبيعي من حقوق اتفاقية السلام الشامل.
الحركة في مناطق سيطرة المؤتمر الوطني:
التحية لجنود وضباط صف، وضباط الجيش الشعبي لتحرير السودان، والمجد لشهدائنا وعاجل الشفاء لجرحانا، والتحية للالاف من العجزة والاطفال والنساء الذين يكابدون شظف العيش ووحشة النزوح، والتحية للمجتمع الدولي والمنظمات الطوعية، وللاقلام الجريئة في الخرطوم من اصدقاء الحركة من اعلاميين وصحفيين وقطاعات الشباب والطلاب، ولأهلنا المشفقين علينا والمريدين وللشعب السوداني الذي يحلم بوجود الحركة الشعبية ماثلة أمامهم تملأ الساحات حضوراً وزخماً سياسياً.
نحن في الداخل، ماذا علينا أن نعمل؟
ما هو التنظيم الذي يستوعبنا؟ وما هي الواجهة التي نحتمي خلفها؟ هل هو المؤتمر الوطني!!! أم ان تعود عضوية الحركة لوضعها قبل الانتماء للحركة؟ ومن لم يكن حزبياً في السابق، أين يذهب؟!
تحدث بيان القيادة عن واجهات للحركة في الداخل من صنيعة المؤتمر الوطني، فكان من الاحرى الاشارة لها بالاسم، حتى لا تعمى بصيرة أعضاء الحركة الشعبية والرأي العام السوداني- تحديد هذه الواجهات – سيعكس حرص قيادة الحركة على الالمام والمتابعة بكل تفاصيل ما يدور في داخل الوطن.
عليه، هنالك تنظيم الحركة الشعبية جناح السلام بقيادة دانيال كودي وهو مفصول من الحركة الشعبية منذ العام 2009م ، أما حزب العدالة والتنمية فلا علاقة له باسم الحركة الشعبية، وقد قدمنا طعناً لدى مسجل شؤون الاحزاب، والطعن موجه لمن يود ان يسرق اسم الحركة حاضراً أو مستقبلاً.
نحن المدافعون عن برنامج وفكر ونهج الحركة الشعبية لتحرير السودان، والذين وجدوا انفسهم امام اسئلة تبدو الاجابة عليها سهلة وممكنة، الا انها بعيدة كل البعد عن الواقع الذي تعيشه جماهير الحركة الشعبية. فعند اندلاع القتال في النيل الازرق، وأن المؤتمر الوطني وبعض القوى التقليدية وجدت الحل بالقضاء التام على الحركة الشعبية واقتلاعها من جذورها عسكرياً، في مناطق العمليات، وسياسياً وتنظيمياً عبر آلياتها الامنية وشبكاتها في المدن والارياف. وقد صاحب ذلك إدعاء بتفكيك ونقض برنامج السودان الجديد وربطه بالحرب والارتهان للاخر. وتزاحم فيض من الاسئلة كان من المفترض على قيادة الحركة الشعبية ان تبادر بالاجابة عليها ( الحرب – السلام – ربط الحركة بتنفيذ أجندة أجنبية).
نحن أعضاء الحركة الشعبية وفي تلك الظروف اصدرنا بيان باسم مبادرة الحل السلمي الديمقراطي، لتكون مظلة لحماية أعضاء الحركة من الاعتقال والملاحقة، وتطورت هذه المبادرة بفعل الحراك السياسي إلى تجميع أعضاء مجلس التحرير القومي للانعقاد، والاجابة على الاسئلة السابقة، وفك الارتباط بالجنوب، واسم الحركة والشعار والعلم وقيادة الحزب.
وقد عقدنا اجتماعات بوفد الحكومة المفاوض، وتقدمنا لرئيس الالية الافريقية الرفيعة تامبو أمبيكي بمذكرة تتعلق برؤيتنا للتفاوض ووقف العدائيات، وبالتالي الحرب في المنطقتين، وايصال المساعدات الانسانية والغذائية. كما عقدنا عدة لقاءات مع القوى السياسية والمجتمع الدولي عبر ممثليه في الخرطوم، والان نحن نعمل بكل جهد وجدية ممكنة لتوفيق أوضاع الحزب لدى مسجل شئون الاحزاب.
هذه محصلة الجهود التي بذلها الرفاق في الداخل، وهي رسالتنا للقيادة لتعلم ماذا يدور في داخل الوطن، دون الاستماع إلى الاكاذيب والادعاءات الباطلة بأن الحركة غير موجودة، وان جميع الذين لم يخرجوا من السودان، صاروا أعضاء في حزب المؤتمر الوطني، وهو كذب صريح وإدعاء لا بينة له. على القيادة ان ترسل شخصاً نثق فيه لينقل الخبر كما هو، والتنسيق في جميع القضايا الماثلة أمامنا بعيداً عن التقديرات الذاتية، والتقارير الكاذبة في الحزب والتنظيم. العلاقة مع القوى السياسية وعدم ربط تطور الحركة الشعبية بانتائج الحرب.
نحن حزب قادر على هزيمة حرب المؤتمر الوطني في المنطقتين، والتحالف مع القوى السياسية الأخرى المعارضة لاسقاطه في بقية السودان، وهو الطريق الوحيد لايقاف الحروب في دولة السودان، والان الظرف متاح أكثر من أي وقت مضى لاسقاط هذا النظام، وفتح الباب امام التطور السلمي الديمقراطي للعمل السياسي في السودان.
ان استمرار الحرب في المنطقتين، وإطالة أمدها بعد تكوين الجبهة الثورية، يبعد أكثر فأكثر قيادة هاتين المنطقتين عن قومية القضايا، وحلها عبر مشروع وطني يشمل جميع السودان، ويعبر عن مشروع السودان الجديد، وإعادة بناء الدولة السودانية الحديثة. ويدخل هؤلاء القادة في قضايا إقليمية بحتة تتنكر لوحدة السودان، وهو طرح ناتج عن العزلة السياسية التي تحيط بهم، ولا وجود لحسم عسكري، أو حل سلمي تفاوضي في الافق، وحتى الجهر علناً بحق تقرير المصير، أو الانضمام لدولة أخرى.
إن التاريخ لا يرحم. فهنالك وسائل كثيرة أخرى لنيل الحقوق، والقضاء على التهميش الاقتصادي والسياسي والمجتمعي، واقامة التنمية المتوازنة ، والاعتراف بالاخر، والقضاء على الاستعلاء الديني والعرقي، والثقافي، ونبذ العنف وتكريس هيمنة المركز، وكل ذلك يمكن ان يتم بدون الخوض في الحرب.
لا بد من بناء الحركة الشعبية على أسس جديدة، وقبل ذلك ان تقدم الحركة الشعبية نقداً وبكل جرأة لنشاطها منذ توقيع الاتفاقية في 2005م، في الجانب السياسي وحول علاقة الحركة بقضايا الإنسان في الشمال، ومجمل أحتياجاته الاقتصادية والاجتماعية. عدم الاهتمام أو الالتفات لها ( كما ذكر اعلاه)، وعلاقة الحركة الشعبية المتأرجحة بالقوى السياسية والتعامل الاستعلائي معها.
في مستوى التنظيم:
ان الاقصاء والتهميش المتعمد للكادر النوعي من الديمقراطيين الثوريين من ارتريا إلى الخرطوم، وعدم استيعاب أعضاء التحالف والمجموعات المعارضة، وحصر المكاتب التنفيذية في الانفصاليين، ومجموعات المصالح الذاتية المشتركة، الذين لا يعنيهم أي تحول ديمقراطي عميق، لكنس كل القوانين المقيدة للنشاط السياسي والاجتماعي والبحث العلمي، ولا يحافظ على وحدة الوطن.
العمل الجماهيري:
لقد انحصر نشاط الحركة الشعبية السابق في الاحتفالات والمهرجانات، وقد بددت وأهدرت القيادة أموال الحركة الشعبية على مجمل هذه النشاطات، دون إهتمام حقيقي ببناء الحركة الشعبية بالصورة التي كان بإمكانها استيعاب المد الجماهيري العريض الذي يطرق أبوابها كل يوم، وكانت الطامة الكبرى حول المشاركة في الانتخابات العامة. وابتعاد اللجنة الاستراتيجية العليا للانتخابات عن كل ما يتعلق بولايات الشمال، وإنعدام الميزانية، واغفال إمكانية بناء تحالف استراتيجي مع بعض القوى السياسية لخوض الانتخابات، ولكن وئد حلم الامل والتغيير بمقاطعة الانتخابات وسحب مرشحي الحركة الشعبية، دون تقديم تبرير مقنع لعضوية الحركة الشعبية التي انتظرت هذا الامل طويلاً ، ولا لجماهير الشعب السوداني التي راهنت على فوز الحركة الشعبية للفوز في هذه الانتخابات ولو بنسبة أقل من التوقعات ، ولا القوى السياسية، ولا لأصدقاء الحركة في الخارج.
ان رصيد الحركة الشعبية الجماهيري موجود وفاعل، فقط مطلوب فتح آفاق أوسع للحوار في انجع السبل لاعادة الحياة إلى هياكلها، واستعادة ثقة الشعب السوداني مجدداً، دون اللجوء للحرب والخارج، وإدارة المعركة ضد المؤتمر الوطني، عبر وسائل اثبتت التجربة محدودية نجاحها، وتعتبر حلول جزئية تطيل من عمر النظام، وتزيد من بؤس وشقاء الجماهير.
ان ارض المعركة هنا في الداخل، مركز الفعل السياسي وحيث الجماهير العاملة، والموظفين والكادحين في الارياف والمزارعين والرعاة، بالتعامل مع مختلف القوى السياسية مهما كان وزنها. ان التوافق حول هذه النقاط يفتح الباب واسعاً من اجل بناء تحالف للقوى السياسية لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والفعل اليومي من أجل التغيير لاسقاط هذا النظام باعتباره العقبة الوحيدة في سبيل التطور السلمي الديمقراطي للحياة السياسية في السودان.
إن العنف لا يولد الا العنف، ولا يترك مساحة للفكر ولا يقدم أي إجابات للاسئلة التي تدور في عقل الإنسان السوداني. لماذا تلجأ الحركة الشعبية لرفع السلاح والتلويح بالحرب أو اللجوء للوساطة في كل منعطف أو إختلاف مع السلطة.
المجلس السياسي الانتقالي
الحركة الشعبية لتحرير السودان
الخرطوم سبتمبر 2013
[email protected]
00249920946043


زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة