09-29-2014 12:28 PM

مقدمة:-
نحاول في هذه المقال متابعة المسار التاريخي للدولة السودانية ونوضح أن التعدد الثقافي كان ملازماً للدولة السودانية منذ نشأتها وحتى تكوين الدولة الوطنية الحديثة.
كما يشير االمقال إلى النفق المظلم الذي دخلت فيه الدولة الوطنية بعد الاستقلال، والفشل في إنجاز مهام النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصبحت وحدة السودان في مهب الريح وترى ضرورة الدولة المدنية الديمقراطية باعتبارها المخرج من التشرذم والتمزق، والضمان للوحدة من خلال التنوع الثقافي والاثني واللغوي والديني.
أولا: كان التعدد الثقافي سمة أساسية من سمات الدولة السودانية منذ نشأتها فقد شهدت الدولة السودانية تعدد الأديان ابتداءاً من الوثنية إلى المسيحية ثم الإسلام ومازال التنوع الديني موجوداً في واقعنا الماثل.
كما شهدت الدولة السودانية تعدد اللغات مثل اللغة المروية في حضارة مروي واللغة النوبية في حضارة النوبة المسيحية ثم اللغة العربية التي انتشرت انتشار النار في الهشيم في عهد سلطنتي الفونج والفور، هذا إضافة للتنوع في لغات ولهجات أهل السودان.
كما استوعبت الدولة السودانية التنوع الديني واللغوي والاثني وشهدت

الاستمرارية في الثقافة السودانية خلال الحقب التاريخية المختلفة.
ثانياً:-المسار التاريخي للدولة السودانية:-
شهدت حضارة كرمة ( 3000سنة ق .م) ميلاد الدولة السودانية، التي كانت نتاج تطور تاريخي، ونتاج لتطور المجتمع السوداني في مرحلة معينة ومع ارتقاء الإنسان السوداني سلم الحضارة وتفكك المجتمعات البدائية التي تقوم على الصيد والتقاط الثمار وظهور المجتمع الزراعي والرعوي وتطور المدينة والصناعة الحرفية والتبادل التجاري وظهور أول انقسام طبقي واتساع الفروق الاجتماعية كانت نشأة الدولة السودانية مرتبطة بتفاعل عوامل سياسية ودينية وطبقية واجتماعية .
من سمات وخصائص الدولة السودانية أنها كانت في حالة تطور واتساع، في كل مرحلة تعرف حالات الازدهار والانحطاط والزوال،ثم تنبعث من جديد بشكل أوسع وأكبر مما كانت عليه في السابق، كما عرفت وحدة الاستمرارية والانقطاع، وتعدد المراكز أو العواصم. وربما كان ذلك من أسباب ضعف الدولة،وعدم الاستمرارية في تقاليد الحكم .
كانت الدولة السودانية في حالة تطور باطني، وفي الوقت نفسه كانت في حالة تفاعل مع العالم الخارجي أخذا وعطاءاً.
على أن الشكل الحديث للدولة السودانية بدأ خلال فترة الحكم التركي – المصري (1821م-1885م) الذي شهد مولد السودان الحديث بشكله

الحالي تقريباً، بعد ضم دار فور وسواكن وإقليم التاكا والمديريات الجنوبية الثلاثة (الاستوائية ، بحر الغزال، أعالي النيل) من خلال التوغل جنوباً، سواء لحملات تجارة الرقيق أو تجارة العاج أو لاكتشاف منابع النيل.
كان الإنسان السوداني خلال الحقب التاريخية المختلفة يصارع ضد القهر والظلم من اجل الحرية ، ويتجلى ذلك في الثورات التي حدثت في دولة الفونج، والثورة المهدية ضد الاحتلال التركي و ثورة الاستقلال ضد الحكم الإنجليزي ، وبعد الاستقلال: كانت ثورة أكتوبر 1964م ضد دكتاتورية الفريق عبود ، وانتفاضة مارس – ابريل1985م ضد حكم الرئيس نميري.
مرت الدولة السودانية بكل المراحل التي عرفها التاريخ البشري من حيث علاقة الدين بالدولة:
فقد شهد السودان القديم الدولة الدينية أو الحكم بالحق الإلهي وعلى سبيل المثال :في دولة مروي كان كهنة آمون يحكمون بالحق الإلهي .
وفي ممالك النوبة المسيحية جمع الملوك بين وظيفتي القس والحاكم، أي جمعوا بين السلطتين الزمنية والدينية وفي سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء ، شهد السودان الشكل الجنيني للدولة المدنية ،حيث كان مشايخ الطرق الصوفية بعيدين عن ملوك سنار .
ثم قامت الدولة المدنية في فترة الحكم التركي– المصري ،و تم التراجع إلى الدولة الدينية في فترة المهدية ، وبعد ذلك اتسعت دائرة

الدولة المدنية خلال فترة الحكم الإنجليزي ، وبعد الاستقلال ظلت الدولة مدنية حتى قوانين سبتمبر 1983م وبعد انقلاب 30/يونيو1989م، تم التراجع مرة أخرى إلى الدولة الدينية والتي شهدت تصاعداً لا مثيل له في السابق للحرب الأهلية في الجنوب والشرق والتي أدخلت البلاد في نفق مظلم.
ضمت الدولة السودانية شعوبا وقبائل ومناطق متباينة في التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ،وهذا التباين هو نتاج تطور تاريخي ، حيث شهد شمال ووسط السودان مولد الحضارات في السودان القديم وفي العصور الوسطى ، إضافة لسياسات المستعمر البريطاني الذي كرس التفاوت بين الشمال والجنوب من خلال نمط التنمية غير المتوازن ومن خلال قانون المناطق المقفولة الذي شمل الجنوب ومناطق الشرق ، وجنوب النيل الأزرق ، وجبال النوبة.
من سمات وخصائص الدولة السودانية النشأة المستقلة ، فيما عدا الاحتلال المصري بعد انهيار دولة كرمة ، وفترة الحكم التركي المصري ، وفترة الحكم البريطاني نلاحظ ان الممالك السودانية كانت مستقلة ، وكان الدفاع عن الوطنية السودانية مرتبطاً بالدفاع عن الدين والعقيدة ، كما حدث في مقاومة النوبة لحملة عبد الله بن أبى السرح والتي انتهت باتفاقية البقط ، والثورة المهدية التي قضت علي الاحتلال التركي ـ المصري.
بعد الاستقلال واجهت الدولة الوطنية السودانية التحديات الآتية :ـ

عدم استقرار واستمرارية التجربة الديمقراطية من جراء الانقلابات العسكرية ، ودخل السودان في الحلقة المفرغة: ديمقراطية – ديكتاتورية – ديمقراطية …… الخ .وتأثر جهاز الدولة بتلك الانقلابات ، وفقدت الدولة اغلب كادرها المؤهل بسبب التطهير ، وانهارت الخدمة المدنية، الفشل في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المنوط بها إحداث النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ، وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات النيابية والدستورية ، ورغم إمكانيات البلاد في القطاع الزراعي والحيواني ، وبعد اكتشاف البترول والمعادن لأحداث نهضة وطنية ديمقراطية عميقة تنتشل البلاد من الظلمات إلى النور ، والي آفاق التنمية والتقدم الاجتماعي والسلام.
أصبحت الدولة السودانية مهددة في كيانها من خلال انفجار مشكلة الجنوب عشية الاستقلال ، والتي ازدادت تعقيداً بعد أن أخذت الحرب طابعاً دينياً وخاصة بعد قوانين سبتمبر 1983م ، والتي زادت النيران اشتعالاً .
وبعد 58عاماً من الاستقلال تشهد الدولة الوطنية السودانية انهيار البنيات الأساسية التى تركها المستعمر مثل: السكك الحديدية، النقل النهري، مشاريع القطن… الخ. كما انهار القطاع الزراعي والصناعي ووصل الدين الخارجي إلى 43مليار دولار وقضت الحرب الأهلية على مليوني شخص وشردت حوالي 4مليون إلى داخل وخارج البلاد.

كما رفعت الدولة يدها عن خدمات أساسية مثل التعليم والصحة الذين دخلا دائرة الاستثمار الخاص. وأصبحت الدولة الوطنية السودانية في مفترق الطرق، و مهددة بالمزيد من التمزق بعد انفصال الجنوب، والتدخل الأجنبي ما لم تقف الحرب التي تستنزف قدرات البلاد الاقتصادية والبشرية واحلال السلام في ربوع بلادنا. فإما أن تظل الدولة السودانية مدنية ديمقراطية تستوعب التنوع الديني والثقافي واللغوي أو تتعرض للتشرذم والتجزئة .
فما هو المخرج؟
ثالثاً:- أن التحدي الذي يواجهنا : كيف يتم خلق صورة مجتمع بألوان مختلفة مرصوصة واحدة جنب الآخر كالفسيسفاء أو الموازييك؟
أصبحت الحاجة ماسة اليوم لضمان وحدة السودان إلى دولة مدنية ديمقراطية تكفل المساواة لرعاياها وحرية العقيدة والضمير والمساواة في الأديان وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون بصرف النظر عن المعتقد أو العنصر أو الجنس وكفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني وضمان الحقوق والحريات الأساسية والسياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
في الدولة المدنية الديمقراطية متسع للجميع ، ما أحوجنا لحكمة د.فرانسيس دينق حين أشار في ورقته نحو استراتيجية ثقافية في وحدة تعددية (الصحافة 28/11/2000م) (لا بد ان ندرك انه مهما

كانت اجندتنا السياسية والثقافية أو الدينية لهذا الوطن انه فقط من خلال الإقناع والحسنى وليس بالقهر والفرض يمكن أن نحقق أهدافنا بطريقة متينة ومستمرة).
ما أحوجنا لحكمة الطيب صالح في رواية دومة ود حامد حين ختم روايته بقوله (لن تكون سمة ضرورة لقطع الدومة ، ليس سمة داع لإزالة الضريح الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً، أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء ، يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة).
فالدولة المدنية الديمقراطية فيها متسع لكل الأديان والثقافات تستوعب التنوع اللغوي والثقافي والاثني ، كل مواطن فيها لا يرى مصلحته إلا في أمور تستقيم مع مصالح الآخرين كقول أبى العلا المعري:
ولو أنى حبيت الخلد فرداً
لما أحببت بالخلـد انفرادا
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
في ختام كتابة (صراع الرؤى) يقول دكتور. (لا شك ان الوحدة هدف سام ونبيل ، ولكن الضمان الأفضل لتحقيقها على الصعيد الوطني هو أن تسمو القيادات فوق الشقاق الحزبي وتطرح للوطن بكامله رؤية تلهم قطاعاً عريضاً من السودانيين بغض النظر

عن العرق ،الاثنية، الأقليم،أو الدين)
)دكتور فرانسيس دينق"صراع الرؤى" ترجمة د. عوض حسن ، مركز الدراسات السودانية –القاهرة 1999م،ص47) .
الدولة المدنية الديمقراطية تقبل كل صورة كقلب محي الدين بن عربي الصوفي الذي صار قلبه قابلاً لكل صورة كمثال للتعايش والتسامح الديني غير المحدود.
وخلاصة القول أن الدولة المدنية الديمقراطية هي الضمان لجعل التعدد الثقافي مصدر قوة وإخصاب وتحقيق الوحدة من خلال التنوع.
على أن الدولة المدنية الديمقراطية ليست وحدها هي الحل السحري والضمان لوحدة السودان فلا بد من استكمال ذلك بالتنمية المتوازنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل أقاليم السودان وتوفير احتياجات المواطنين في مستوى معيشة لائق وتعليم وصحة...الخ.

تاج السر عثمان
[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3908

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1119093 [المرضي يعقوب المرضي]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2014 01:16 PM
بالفعل لن تجمع هذه الفسيفساء إلا الدولة المدنية. والذي يستغرب له غير السودانيين هي أن السودان يمتلك كل هذه العقول والخبرات والخيرات في شتى المجالات ولازال يعاني في إيجاد وتطبيق صيغة تنتشله مما هو فيه حتى بعد الإنفصال ! والشيء المستغرب هو أنه حتى الأحزاب (القديمة) ليس لها مراكز دراسية أو بحثيه بحتة تعين على اتخاذ القرارات !والمثقفون المنتمون لجميع الأحزاب ساروا على نهج أسلافهم دون محاولات تطوير أو تحديث كما نرى ونشاهد في الولاءات القديمة.


#1118474 [فيصل مصطفى]
1.00/5 (1 صوت)

09-30-2014 02:35 PM
سرد منظم و موضوعي عن
مسيرة تاريخ السودان عبر
الحقب و العصور
كل الشعب السوداني يطمح
في إقامة و سيادة الدولة المدنية
لكن فقط كما يا تاج السر عثمان
لن يتحقق لنا ذلك إلا إذا رافق
الدولة المدنية التنمية الإقتصادية
و إستعادة كل المشاريع التي خربها
نظام الكيزان
هل ثمة أمل يلوح في الأفق من أجل
بناء سودان جديد !!!؟؟؟...


#1117670 [متابع]
1.00/5 (1 صوت)

09-29-2014 02:50 PM
الاستاذ تاج السر.تحية طيبة.موضوع التنوع الثقافي في السودان موضوع مهم وتنبع اهميته من نتائجه تتمثل في قبول الاخر . ولكن المشكلة يااستاذ عدم ايمان الشعب السوداني بالتنوع الثقافي بالذات المثقفين .لان المواطن السوداني يحس بانتمائه للقبيلة اكثر من انتمائه للوطن الام .اضف الى ذلك فشل المناهج التربوية في صياغة الشخصية السودانية التي تؤمن بالتعددية الثقافية.المشكلة يااستاذ اننا نكذب على انفسنا .لان القول شئ وواقع الشعب شئ اخر. مارأيك يااستاذ في تقسيم السودان على اسس ثقافية وترك عملية الاندماج السياسي تحدد من خلال الحوار الثقافي.


#1117634 [Abdo]
1.00/5 (1 صوت)

09-29-2014 02:18 PM
دائماً الولادة يسبقها مخاض و المخاض حالة مؤلمة و لكن في النهاية تسفر عن مولود ، فهل السودان الآن في حالة مخاض عسير و نسأل الله أن تتم عملية الولادة طبيعيه و تثمر مولودا صحيحا معافي يتربى في كنف أم رؤم ، أم نحن في حالة صراع بقاء و صراع البقاء شرس و فيه يقضي القوي على الضعيف و لكن البقاء للأصلح حتى و إن كان ضعيفاً فطبيعة الحياة تسير نحو الأصلح ، فهل يعي الكيزان الدرس أم هم سادرون في حرب بقاءهم ؟


تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة