المقالات
السياسة
الرئيس كينياتا: لا بد من لاهاي
الرئيس كينياتا: لا بد من لاهاي
10-12-2014 01:14 PM


قليلة هي المقالات التي تسطرها أقلام كتابنا السودانيين وتحملها صحفنا والتي تتناول شئون القارة الأفريقية ، لذلك فإنه ليس من العجب أن يسعد أمثالنا ممن يتابعون السياسة الأفريقية ويدعون لضرورة الاهتمام بالمكون الأفريقي في شخصيتنا الوطنية بظهور ثلاث مقالات دفعة واحدة في صحيفة "سودانايل" الأليكترونية صباح الخميس 9 أكتوبر الحالي تتناول شأناً من الشؤون الأفريقية. ورغم أن الخبر الذي حفز هذه الأقلام للكتابة ، وهو مثول الرئيس الكيني أوهورو كينياتا طواعية أمام المحكمة الجنائية الدولية كأول رئيس يفعل ذلك وهو لا يزال في الحكم ، يعتبر من الأخبار ذات الوزن الثقيل على الساحة الدولية إلا أن المقالات الثلاثة تنطلق في الحقيقة من حقيقة أن الرئيس السوداني يواجه نفس الوضع الذي يعيشه الرئيش الكيني. ولعل الأوضاع الداخلية والمقارنة بين كينيا والسودان هي أحد أهم الأسباب التي حفزت هؤلاء الكتاب لتناول قرار الرئيس الكيني كما يتضح بجلاء من بين سطور مقالاتهم المذكورة.
وصفت الكثير من التقارير الأخبارية والمقالات التي أشرنا لها أعلاه قرار الرئيس الكيني بالشجاعة والتجرد خاصة وأن الرئيس أشار إلى أنه اتخذ قراره التاريخي من أجل حماية بلاده وشعبه من أي تداعيات سالبة قد تنتج عن عدم مثوله أمام المحكمة. كما قام الرئيس بالتنازل عن سلطاته الدستورية مؤقتاً لنائب الرئيس ، واشار إلى أنه يمثل أمام المحكمة بصفته الشخصية وليس بصفته رئيساً لكينيا. يرى الكثير من المراقبين أن تنازل الرئيس كينياتا عن سلطاته لنائبه لا يعدو كونه خطوة مسرحية تدعم دفعه القانوني بأن مثوله أمام المحكمة يتسبب في فراغ دستوري بالبلاد. ويقول هؤلاء أن الدستور الكيني كما هو الحال بالنسبة للدساتير في كل أنحاء العالم يعطي نائب الرئيس الحق في ممارسة مهام الرئيس كاملة في حالة غياب الأخير لأي سبب من الأسباب. ليس الغرض من هذا المقال بالطبع هو التقليل من شأن الخطوة الشجاعة التي اتخذها الرئيس الكيني وإنما لتوضيح حقيقة أن هذه الخطوة لم تكن تلقائية كما قد يتبادر للذهن من سياق الأخبار ، فقد جاءت نتيجة لعدد من المناورات وجلسات التفاوض والحيل التي حاول الرئيس كينياتا عن طريقها تفادي المثول أمام المحكمة ، ولا نستبعد أن صفقة ما قد تم التوصل إليها قبل صدور الموافقة النهائية من جانب الرئيس على السفر إلى لاهاي.
ولعل أول الحيل التي لجأ لها الرئيس كينياتا ونائبه روتو المطلوب هو الآخر بواسطة المحكمة هي الضغط على الشهود بشتى الوسائل مما أدى لانسحاب عدد منهم في ظاهرة يشير لها الاعلام العالمي بكلمة "نزيف الشهود" بسبب كثرة من تراجعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو غيروا في أقوالهم. وقد شكت المدعية العامة للمحكمة من هذا الأمر عدة مرات مشيرة إلى أن عدداً من الشهود انسحبوا خوفاً من أن يتعرضوا للانتقام من جانب الحكومة أو من جانب مؤيدي الرئيس الكيني ونائبه ، وقد طالبت المدعية العامة في آخر جلسات المحكمة بتأجيل النظر في القضية لأجل غير مسمى إلى أن تتمكن من إقناع الشهود بالإدلاء بشهاداتهم. من جهة أخرى فإن بعض الشهود الذين وافقوا على الإدلاء بشهاداتهم حتى الآن يتعرضون فيما يبدو لضغوط هائلة ويؤكد ذلك لغة التهديد التي وجهت لبعضهم خلال الكلمات التي ألقيت في الموكب الهادر الذي استقبل الرئيس استقبال الأبطال عند عودته الظافرة من لاهاي.
من جهة أخرى ، كان الرئيس كينياتا قد حاول خلال حملته الانتخابية العام الماضي التقليل من شأن المحكمة باعتبارها مجرد ألعوبة في يد الدول الكبرى ، وأنها تذعن لإرادة هذه القوى في محاولة للتقليل من مصداقيتها ونزاهتها. كانت الحملة الانتخابية للرئيس تربط دائماً بين المحكمة والتأييد الخفي الذي تبديه بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لمنافسه رائيلا أودنغا ، ومحاولات هذه الأطراف المتكررة لاستغلال التهم الموجهة لكينياتا بغرض تمهيد الطريق أمام غريمه للفوز بالرئاسة. بل إن معسكر الرئيس الانتخابي كان قد اتهم أودنغا مباشرة بأنه يقف وراء هذه الملهاة لإبعاد منافسة الأول على رئاسة الجمهورية عن الطريق. كانت تصريحات المسؤولين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي خلال الفترة التي سبقت الانتخابات الكينية تدعم هذا الإدعاء إذ كانت تشير من حين لآخر إلى صعوبة التعامل مع رئيس مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية ، كما تطوع بعض المسؤولين الغربيين بنصيحة الشعب الكيني بعدم انتخاب رئيس يمكن أن يكون سبباً في توتر علاقات بلادهم مع المجتمع الدولي. ومع أن الرئيس كينياتا تمكن خلال حملته الانتخابية من تكوين تحالفات قوية كانت السبب وراء فوزه بالرئاسة ، إلا أن المراقبين يرون أن تصريحات المسؤولين الغربيين ربما صبت هي الأخرى في صالح الرجل وساهمت بالنهاية في فوزه على غريمه.
وتعتبر أهم المحاولات التي قام بها الرئيس أوهورو كينياتا لتفادي المثول أمام المحكمة اللجوء للاتحاد الأفريقي لاستصدار قرار يدعم موقفه في مواجهة المحكمة ، وتمرير مشروع قرار من جانب البرلمان الكيني الذي يتمتع فيه التحالف الحاكم بأغلبية مريحة يدعو لانسحاب كينيا من الاتفاقية التي أنشئت المحكمة بموجبها. في مايو من العام الماضي نجحت الحكومة الكينية في مسعاها لاستصدار قرار من القمة الأفريقية تحت الرقم 482 (21) يدعو لعدم محاكمة الرؤساء خلال توليهم الحكم. تمكنت كينيا من استغلال النقمة السائدة في أوساط الزعماء الأفريقيين على المحكمة الجنائية الدولية التي تتهم بأنها تستهدف القيادات الأفريقية دون غيرها لاستصدار القرار المذكور. أما في البرلمان الكيني فقد تمكن التحالف الحاكم في سبتمبر من العام الماضي من تمرير قرار بسحب توقيع الحكومة الكينية على الاتفاق المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية. يقول الخبراء القانونيون أن الإجراءات العملية لانسحاب كينيا من الاتفاق طويلة ومعقدة وقد تستغرق عدة سنوات ، وأن الانسحاب نفسه لن يكون له أثر يذكر على القضايا المطروحة امام المحكمة في الوقت الحالي. غير أن الكثير من المحللين ينظرون لهذه الخطوة بأنها محاولة من جانب الحكومة الكينية للضغط على المحكمة في إطار عملية الشد والجذب التي ظلت دائرة بين الطرفين.
تم التوافق على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية كما هو معلوم كمؤسسة دائمة بديلاً للمحاكم المؤقتة التي كانت تقام بعد الحروب مثل محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية للنظر في الجرائم ضد الإنسانية ، ومنحت المحكمة الاستقلالية التامة حتى تتمكن من التحري والحكم في مثل هذه القضايا مهما كانت الجهة المتهمة بارتكابها. وبالرغم من أن المحكمة لا زالت تتحسس خطواتها الأولى إلا أن أداءها والوسائل التي اتبعها مدعيها العام السابق لويس أوكامبو يثيران حتى الآن الكثير من اللغط والشك حول مدى إمكانية نجاحها في تحقيق العدالة الدولية كما تخيلها الموقعون على ميثاق روما. فضلاً عن أن عدم توقيع أو مصادقة عدد من الدول العظمى على ميثاق روما يقدح في مدى شمولية العدالة الدولية المنشودة ، ويدعم حجة الزعماء الأفريقيين بأن المحكمة تستهدف القارة دون غيرها. من جهة أخرى ، لا بد من الإشارة إلى تجارب الكثير من الدول خاصة في العالم الثالث والتي تؤكد أن المواطن العادي يفتقر بصورة لا لبس فيها للعدالة المطلوبة خاصة في الحالات التي تمثل فيها الحكومات أحد أطراف النزاع. كما أن ممارسات الكثير من الحركات المسلحة في مناطق النزاعات المنتشرة في جميع أرجاء القارة الأفريقية وغيرها من مناطق العالم الثالث تشكل انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان قد ترقى أحياناً لمستوى الجرائم ضد الإنسانية ، ولعل تجربة الإبادة الجماعية في رواندا تؤكد ذلك. لا شك إذن أن وجود آلية لتحقيق الأمن للمواطن العادي عبر تطبيق القانون يصبح من الضروريات التي لا غنى عنها. ولعل قرار الرئيس كينياتا بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية يمثل فرصة طيبة لتحقيق هذه الأمنية بالرغم مما أشرنا له من أوجه القصور التي تقدح في مدى جدية المجتمع الدولي في تحقيق العدالة الشاملة.

[email protected]






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 752

خدمات المحتوى


التعليقات
#1125599 [الغلبان]
0.00/5 (0 صوت)

10-13-2014 10:25 PM
لاهاي لاهاي لاهاي لي هناي


محجوب الباشا
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة