في



المقالات
السياسة
ملامح من سياسة السودان الخارجية (2) .
ملامح من سياسة السودان الخارجية (2) .
10-16-2014 02:13 PM


من ʼالعزلة المجيدةʻ والفورة الثورية ٳلى ʼالحالة الفِنْلَنْديَّةʻ
هذه هي الحلقة الثانية من دراسة نُشرت أصلا باللغة الإنجليزية كجزء من كتاب (Sudan since Independence) الذى صدر في لندن في عام 1986 وساهم في كتابته نفر من أساتذة كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة الخرطوم وحققه د.بيتر وودورد من جامعة ردينق بمشاركة شعبة العلوم السياسية في الخرطوم. ورأيتُ ترجمتها ونشرها في حلقات لعدة اسباب منها أولاً حلول الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، وثانيا شح المراجع وقلة الكتابات عن السياسة الخارجية باللغة العربية لتلك الفترات من تاريخنا، وثالثا كمقدمة لدراسة أقوم بها عن السياسية الخارجية للدولة الطريدة Pariah State)) التي ابتُلينا بها منذ ربع قرن ونيّف. وتوخيت عند الترجمة الالتزام بما ورد في الأصل ما عدا اضافة بعض المعلومات من مراجع لم تكن متاحة لي في مطلع الثمانينات والتي في تقديري عززت في معظمها قراءة وتحليل بعض الأحداث التي وردت أصلا في النص الإنجليزي.
• فترة ʼالعزلة المجيدة (ʻ(Splendid Isolation 1958 – 1964:
كانت أهم ملامح السياسة الخارجية لنظام عبود العسكري غياب أي ارتباط نشط أو طويل المدى في العلاقات الخارجية. وحافظ النظام على أرثودكسيَّة دول العام الثالث التي اتَّبعتها الأنظمة السابقة في الوقوف الى جانب "السلام العالمي والوحدة الأفريقية والوحدة العربية وكل الدول المناضلة في سبيل الحرية الخ". ولكن عمليا فإن السياسة الخارجية للطغمة العسكرية تميزت بعدم اكتراث كبير بالشئون الخارجية، فقد ظل السودان بمعزِل عن المعسكر العربي الراديكالي لميثاق الدار البيضاء وكذلك عن تجمع بلدان مؤتمر منروفيا المحافظ.
وكان الهدف الرئيسي للسياسية الخارجية هو التماس وجذب المعونة من أي جهة ترغب في منحها مما جعل من الضروري أتباع سياسة معتدلة ومتوازنة تجاه العالم الخارجي. . فقد بدأ أول بيان للسياسة الخارجية الذى أعلنه الوزير أحمد خير في نوفمبر 1958في بعض جوانبه وكأنه إعلان تجارى، فوعد بزيادة التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي مع كل الدول وخلق مناخ مواتٍ لجذب المساعدات والاستثمارات والتعامل تجاريا مع "كل الأقطار على أساس المنفعة المتبادلة والمصلحة المشتركة".
وقد توافقت وجهة النظر الامريكية مع ذلك التوجه فلخص تقرير من السفارة الامريكية أهداف السياسة الخارجية للنظام في نقطتين: تجنب المشاكل الخارجية والتركيز على التنمية الاقتصادية بالحصول على منح وقروض اجنبية لهذه التنمية. وأوضح التقرير أنه "رغم أن عبود يتبع (سياسة الحياد الإيجابي) ويحافظ على علاقات دبلوماسية مع روسيا، والصين، وبقية المعسكر الشيوعي، نعتبر عبود يعادي الشيوعية، ويؤيد الغرب بصورة عامة، وتظل تجارة السودان الخارجية وقروضه ومنحه تميل نحو الغرب...ليست للسودان مشاكل مع أي دولة غير المشاكل التاريخية والتقليدية مع مصر وغير انتقادات من دول بسبب سياسته نحو الكونغو...ويتعرض عبود لضغوط مستمرة من كل من مصر وروسيا لينتهج (سياسة محايدة حقيقية) وخاصة ليسمح بمرور أسلحة إلى ثوار الكونغو (أنصار باتريس لوممبا ضد حكومة اليمينى مويس تشومبى) وفي الحالتين تعتمد قدرة عبود على مواجهة الضغوط الخارجية على قدرته في اقناع السودانيين بأنه قادر على تطويرهم اقتصاديا وسياسيا ". (تقرير السفارة الأمريكية في الخرطوم لواشنطون بتاريخ 4/5/1964، وثائق الخارجية الأمريكية، ترجمة محمد علي صالح)
وفي 29 نوفمبر 1958 أكد النظام العسكري الموافقة على اتفاقية المعونة الأمريكية والتي كانت قد فجرت أزمة سياسية في البرلمان قبيل الانقلاب والتي ربما كانت عاملا في قرار تسليم السلطة للجيش وأصبح البنك الدولي والمانيا الغربية وبريطانيا وايطاليا من المانحين المميَّزين للمعونات والمساعدات التقنية. وقام النظام كذلك بالتماس الاعتراف والمعونة من الكتلة الشرقية في محاولة لانتهاج سياسة متوازنة في صلاته الاقتصادية مع الغرب. فمن أوائل الخطوات في السياسة الخارجية قام النظام بالاعتراف بالصين الشعبية والتفاوض حول اتفاقيات تجارية مع الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبحلول 1961 أضحى السودان متلقيا للمعونات من مصادر عدة.
ولم تكن سياسة عدم الانحياز التي أعلنها عبود في أول مؤتمر صحفي له وليدة قناعة عقائدية أو استراتيجية دبلوماسية كما تبلورت في حركة الحياد الإيجابي في العالم الثالث من المبادئ الخمسة لمؤتمر (باندونج) في عام 1955، بل كانت كما فسرها وزير الخارجية أحمد خير "مجرد وسيلة لكسب الأصدقاء" (في مطلع الثمانينات ذكرت دارسة امريكية نقلا عن أحمد خير رواية لا تخلو من طرافة وإن كانت تعكس نهج "عش ودع الغير يعيش"(live and let live) الذى اتسمت به سياسة عبود الخارجية. فقد زار السفير الأمريكي الوزير ليأخذ أذنا لطائرة تحمل عتادا حربيا بعبور المجال الجوي السوداني، فسأله الوزير: "على أي ارتفاع ستحلق الطائرة؟" رد السفير بأنها ستحلق على ارتفاع عال. وهنا قال له أحمد خير "هل تظن أن أحدا سينظر نحو السماء ويرى طائرتكم من خلال السحاب؟ لماذا تأتون وتزعجوننا بمثل هذه الطلبات؟" فرد السفير أنهم يريدون فقط التحوط في حالة سقوط الطائرة على أرض سودانية. وانتهى الأمر بان أعطى الوزير موافقة شفهية. ويذكر نفس المصدر أن طلبا مشابها من الاتحاد السوفيتي قد تم رفضه لان الروس رفضوا السماح للسلطات السودانية بتفتيش الطائرة عند هبوطها في مطار الخرطوم في طريقها لجهة غير معلومة). Interview by Sally Ann Baynard, Khartoum, 9 July 1981. See Sally Ann Baynard Sudanese Foreign Policy under Nimeiri, 1969-1982 (PhD Thesis, George Washington University, 1983).
لقد شجعت زيارة عبود للولايات المتحدة في عام 1961 تطور العلاقات الثنائية وكذلك فعلت زيارته للاتحاد السوفيتي في العام ذاته وزيارة شوين لاي (Zhou En-lai) للسودان في يناير 1964. ولكن تلك الزيارات لم تعنِ أكثر من إبراز شهادة بعدم الارتباط من دون أن يرقى ذلك إلى ممارسة للحياد بمفهومه الإيجابي كبديل ثالث في العلاقات الدولية للاستقطاب الثنائي لكتلتي الغرب والشرق.
هذا الموقف الغامض في بعض جوانبه انعكس أيضا في مجالات اخرى في العلاقات الخارجية. ففي حين استمر السودان في تأكيد انتمائه العربي إلا أنه فضل الابتعاد قدر الامكان عن القوى التي كانت تتصارع حينها من أجل قيادة العالم العربي وواكب ذلك الابتعاد أيضا عدم حضور فعال في أفريقيا وتقصير في تعزيز العلاقات مع الدول الافريقية خاصة في تفعيل دوره "كجسر بين أفريقيا والعالم العربي" والذى كان أملا راود العديد من القادة السياسيين والمثقفين في أعقاب الاستقلال. (المشكلة في "مفهوم الجسر" كانت في كيفية أن يعتبره كل من الجانبين العربي والأفريقي "جسرا" يُمكن العبور عليه بدلا من تخطيه وهو ما فشلت الحكومات السودانية المتعاقبة في تحقيقه منذ الاستقلال).
بدأت العلاقات مع مصر بمبادرة ودية فمصر كانت أول الدول اعترافا بالنظام الجديد وفي أول مخاطبة اذاعية للأمة في 17 نوفمبر وعد عبود بتسوية كل المشاكل القائمة مع مصر وازالة "الجفوة المفتعلة" التي خيمت على العلاقات بين البلدين. (لعل أحد عوامل السياسة الخارجية الذى أدى لقرار عبدالله خليل بتسليم السلطة للعسكر تخوفه من النفوذ المتزايد للرئيس المصري عبد الناصر وقناعته أن الجيش السوداني هو الجهة الوحيدة التي تستطيع الوقوف أمام مصر أو على الأقل منع قيام حكومة متحالفة معها). وقد اعتبر النظام إبرام الاتفاقية الجديدة لمياه النيل مع مصر في نوفمبر 1959 انجازا كبيراً، فقد وافق الجانبان على حصة المياه والتي زادت نصيب السودان نظرياً وعلى التعويض المالي لترحيل النوبيين الذين ستغمُر أراضيهم في وادى حلفا مياه السد العالي عند اتمامه. وكما اوضح خبير سوداني في دراسة لاحقة: "وقد أصرّت مصر على دفع 10 مليون جنيه مصري فقط كتعويضٍ للسودان عن كل ما سيفقده في منطقة وادي حلفا جرَّاء بناء السدّ العالي. ولم تنجح توسّلات السودان، الذي أوضحتْ حساباتُه أنه يحتاج إلى 35 مليون جنيه لإعادة التوطين القسري لأهالي حلفا، سوى في زيادة التعويض المصري إلى 15 مليون جنيه. وحدث ذلك فقط بعد رفع الأمر إلى الرئيس عبد الناصر كوسيطٍ بين الطرفين بعد تعنّت الجانب المصري المفاوض. وقد بيّنَت الأيام صدق حسابات السودان، إذ كلّفته إعادة توطين أهالي حلفا أكثر من 37 مليون جنيه، أي بزيادة حوالى 25% مما دفعته مصر" (د. سلمان محمد احمد سلمان "السودان بين سد النهضة والسد العالي" صحيفة الراكوبة 17/6/2013).
وبمباركة القيادات الطائفية (حزبي الامة والوطني الاتحادي) للاتفاقية بدأ وكأن ستارا قد أسدِل على أحد مصادر الخلاف مع مصر ومهِّدت الطريق لعلاقات أفضل دشنتها زيارة عبود للقاهرة في يوليو 1960 والتي ردّها الرئيس ناصر في نوفمبر من نفس العام. ولكن إبرام الاتفاقية جر في أذياله ردود فعل داخلية ذات عواقب وخيمة فاقت أي مزايا قصيرة المدى حصل عليها النظام. أثارت الاتفاقية موجة من الانتقادات في البلاد وفجرت أول تحدٍ مدنى معلن لسلطة العسكرِتاريا عندما اندلعت في 1960 مظاهرات داوية في وادى حلفا احتجاجا على قرار الحكومة بإعادة توطين 50 ألف من النوبيين المنزوعة أراضيهم في خشم القربة. ومع أن النظام تمكن من احتواء تللك الانتفاضة الا أن الضرر الذى حاق بسلطته لم يكن من السهل أزالته. ففي مواجهة التحدي المعارض أصبح موقف العسكر اكثر تشددا فمشروع إعادة التوطين كان هو المشروع الذي ادّخرته الدولة لإعلاء صِيتِها وبسط هيبتها. ولكن ثمن تلك الهيبة ساعد على إفقار الخزينة العامة، وأما سلطة النظام فأُسطورة قد تم الطعن في صِدقِيّة مناعتها بتحدي أهالي وادى حلفا لها ولم تعد بعد ذلك الى ما كانت عليه من قبل. وقد عكست برقية من السفارة الأمريكية بالخرطوم لواشنطون بتاريخ 3/11/1960قراءة مماثلة للواقع السوداني: " صار واضحا أن معارضي نظام عبود يستغلون موضوع حلفا لإسقاط النظام. وبعد هدوء دام عاماً تقريبا، يبدو أن السودان سيشهد تحركات علنية هامة ضد النظام. ومهما يحدث لهذه المظاهرات في المستقبل، فقد صارت نقطة تحول لأنها مواجهة رئيسية للنظام العسكري المنعزل عن القوى المدنية. ربما سيلجأ عبود لمزيد من الكبت، لكن تبقى هذه المظاهرات تحديا، ونقطة تحول". (وثائق الخارجية الأمريكية).
في المجال الاقتصادي كان النظام يواجه مصاعب شتى. فقد تصرف العسكر بفعالية لإصلاح المسار الاقتصادي عند استلامهم للسلطة. ففي يناير 1959 قامت الحكومة بإلغاء السعر الاحتياطي للقطن السوداني وعرضته للبيع بأي سعر يمكن الحصول عليه، وبما أن الأسعار العالمية كانت في حالة ارتفاع عندئذٍ فقد تمكنت من بيع كل المحصول الجديد والمتبقي من الموسم السابق بحلول اغسطس 1959 وأصبحت البلاد قادرة على سداد مديونتها مع فائض قليل في الدخل القومي. ولكن هذا التحسن في الوضع الاقتصادي مع تدفق المعونات الخارجية شجع الحكومة على الدخول في مشروعات اقتصادية استلزمت صرفا ثقيلا من رصيد العملات الاجنبية مما أدى لوضع البلاد في مديونية أجنبية عميقة. فقد نتج عن التقديرات المبالغ فيها عجز يزيد عن 75 مليون جنية في خمس سنوات. وهكذا بدأت الشعبية التي اكتسبها النظام بمبادراته الاقتصادية الأولى تتضاءل إزاء فشله في التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية التي باتت تواجهه بوتيرة مطّردة. ومع ارتفاع صوت المعارضة تناقصت حساسية النظام بدوافع ومسببات السخط الشعبي وتزايد لجوء الطغمة العسكرية لسياسة العصا الغليظة خاصة في جنوب السودان لتكتمل بذلك الحلقة المفرغة من فعل وردود فعل متواصلة.
وقد انعكست مشاكل النظام الداخلية على سياسته الخارجية. فعلاقة السودان مع مصر أصابها الفتور وأخذت طابعا خلافيا بعد ان كثف الرئيس عبد الناصر في 1961 عملية التحول الاشتراكي في مصر وازدادت حدة عدائه تجاه الدول المحافظة والمتحالفة مع الغرب. ومما زاد توتر العلاقات بين البلدين مطالبة نظام عبود لمصر بتسديد ديونها العالقة للسودان وهو مطلب عزته مصر وقتها للنفوذ الغربي الإمبريالي على السودان والهادف لتقويض السياسات الثورية في مصر. كما استاء المصريون مما ظنوا أنه عرقلة النظام السوداني بالتعاون مع أمريكا للجهود المصرية لإرسال اسلحة إلى أنصار لوممبا في الكنغو. وبحلول 1964 ارتدت العلاقات مع مصر الى حالة فقدان الثقة والشكوك المتبادلة التي كانت طابعها قبل وصول نظام عبود للسلطة.
ولم يكن تردى العلاقات مقتصرا على علاقته مع جارته في الشمال بل بدأت علامات التصدع تظهر أيضا في علاقاته مع بعض جيرانه في الجنوب بسبب تدهور الوضع الأمني في جنوب السودان فقد كان تمرد 1955 قد اتخذ شكل عصيان منظم تقوده الأنيانيا (Anya-Nya) وأدت محاولات العسكر لسحقه لتفاقم العنف والعداء وتزايد المقاومة مما أدى بدوره لتدفق اللاجئين الجنوبيين إلى يوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو، وأثيوبيا وولَّد تعاطفا مع قضية الأنيانيا في تلك الدول المجاورة. وزاد الوضع تأزما محاولة العسكر حل مشكلة الجنوب بفرض سياسة الأسلمة والتعريب والتي كان من نتائجها أن منحت القادة الجنوبيين سلاحا إعلاميا لشن حملة فعالة في الخارج تصور مشكلة الجنوب على أنها حرب دينية وعنصرية يقوم بها المسلمون العرب في الشمال ضد المسيحيين الأفارقة في الجنوب.
وفي فبراير 1964 قام النظام العسكري بطرد 300 من المبشرين المسيحيين من الجنوب بتهمة مساعدتهم للمتمردين. وبصرف النظر عن المبررات التي أدت لاتخاذ ذلك الاجراء فإن الطريقة الفجة والعشوائية التي تم بها تنفيذه، شأنها في ذلك شأن كثير من الأمور التي تخص الجنوب، كانت أبعد ما تكون عن طمأنة العالم الخارجي عامة وجيران السودان خاصة بعقلانية وحسن نوايا الحكومة السودانية. ففي يوليو 1964وقف متحدث في البرلمان الاوغندي قائلا: "كيف يمكننا الوقوف في هذا المجلس لنُدين جنوب أفريقيا والبرتغال في حين يتم ذبح الناس كالماشية في جوارنا؟". وتحدث تقرير للسفارة الأمريكية في الخرطوم عن "معلومات موثوق بها بأن قادة قبائل وزعماء سياسيين في جنوب السودان صاروا، في تزايد مستمر، أكثر غضبا بسبب سياسات الكبت التي يفرضها الشماليون على جنوب السودان. ووصل هؤلاء القادة إلى قناعة بأن الجنوبيين لن يقدروا على المحافظة على هويتهم الاجتماعية، والدينية، والثقافية في ظل نظام عبود العسكري الحاكم. ولذلك ومع احتمال أنهم ربما كانوا يسعون للانفصال، خططوا لبداية اتصالات مع دول خارجية لمساعدتهم مثل: بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، والدول الافريقية المجاورة، وحتى الامم المتحدة ..." (برقية السفير لواشنطون بتاريخ 5/1/1961 وثائق الخارجية الأمريكية).
ولعل عدم تدهور علاقات السودان بجيرانه لدرجة أسوأ كان سببه لحد كبير تجنب النظام مساندة ودعم حركات التحرر في الدول المجاورة والتي كانت في غالبها ذات توجهات انفصالية. ويمكن تفسير انتهاج العسكر لتلك السياسة بتوخيهم المصلحة الذاتية أكثر من التزامهم بمبادئ التحرر والحرية التي تغَّنت بها دول العالم الثالث حينذاك. وكما لاحظ أحد المهتمين بالشأن السوداني (Peter Bechtold) فقد بدأت تظهر معادلات إقليمية، وبصفة خاصة في العلاقات بين السودان وأثيوبيا، قائمة على نظام غير معلن من "الردع المتبادل من خلال الابتزاز المتبادل" (mutual deterrence through mutual blackmail) الذى أدّى دورا مُقدَّراً في السنوات اللاحقة في حفظ السلام الإقليمي وٳن يك ليس بأفضل السبل لبناء قاعدة متينة لعلاقة حسن الجوار الدائمة.
وبحلول عام 1964 كان النظام العسكري يعانى الفشل كحكومة في الشمال وكجيش في الجنوب وكان الكبت والعنف الذى صاحب الفشل أو نتج عنه عاملا مباشرا في إثارة موجة من الغضب والاستياء بلغت ذروتها في ثورة اكتوبر 1964. ووضع المد الأكتوبري الذى أغرق العسكر نهايةً لعزلة وانطواء في السياسة الخارجية واتجه بالسودان لوجهة مغايرة تماما.
+++++++
في الحلقة القادمة: ثورة أكتوبر والفورة الرادكالية في السياسة الخارجية
mbhamid@yahoo.com
رابط الحلقة الأولى:
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-54237.htm





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2166

خدمات المحتوى


محمد بشير حامد
محمد بشير حامد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة