المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رشا عوض
حتى لا تختطف الثورة المصرية... الديمقراطية أولا!ا
حتى لا تختطف الثورة المصرية... الديمقراطية أولا!ا
02-18-2011 06:43 PM

حتى لا تختطف الثورة المصرية... الديمقراطية أولا!
رشا عوض

خروج الشعب المصري إلى الشارع في 25/ يناير/ 2011م واعتصاماته النبيلة في ميدان التحرير في القاهرة وفي مختلف المدن المصرية، ومثابرته العنيدة على استمرار التظاهر والاعتصام والرفض المغلظ لوعود الإصلاح المتأخرة متمسكا بالسقف الأعلى للتغيير السياسي ممثلا في تنحية رأس النظام وحل المؤسسة التشريعية وتعديل الدستور تعديلات جوهرية بما يفتح الباب جديا أمام التداول السلمي للسلطة ابتداء من رئاسة الجمهورية عبر الانتخابات الحرة النزيهة، وما قدمه في سبيل ذلك من تضحيات تجاوزت في أقل الإحصائيات الثلاثمائة وخمسين شهيدا إضافة إلى مئات الجرحى، كل ذلك مثل علامة تاريخية فارقة ليس في مصر فحسب بل في كل المنطقة العربية نظرا لما تمثله مصر بحكم موقعها الاستراتيجي ومكانتها التاريخية من ثقل سياسي إقليمي، ووزن حضاري وتأثير فكري وثقافي وإعلامي كبير، فقد ابتدرت مصر عهدا جديدا في المنطقة مختلفا عن (عهدها القديم)، وفي هذه المرحلة لا بد أن يكون السؤال المحوري الذي يؤرق مصر بل والمنطقة العربية بأسرها هو السؤال عن ملامح العهد الجديد،
كل الشعوب المقهورة في المنطقة والرازحة تحت نظم حكم مشابهة لنظام محمد حسني مبارك كانت تحبس أنفاسها طيلة أيام الثورة الثمانية عشر خوفا من أن ينجح (الفرعون) عبر آلته القمعية في إجهاض الثورة أو على الأقل في عرقلة بلوغها لأهم أهدافها وهو الإطاحة بالدكتاتور وإبعاده بشكل نهائي عن المسرح السياسي في مرحلة تدشين العهد الجديد، فهذه الشعوب المقهورة تشارك الشعب المصري في التعطش الشديد لرد الاعتبار واسترداد الكرامة وإثبات الوجود عبر هزيمة الفرضية التي كادت أن تتحول إلى (مسلّمة) وهي عجز الشعوب العربية عن مواجهة حكامها الذين تحولوا إلى (أنصاف آلهة) مواجهة حاسمة، فكل الذين تحمسوا لمؤازة الثورة المصرية فعلوا ذلك لأنهم يرون في طاغية مصر صورة حكامهم ويرون في الشعب المصري صورة ذاتهم المقهورة المغبونة المتحرقة شوقا للحظة الخلاص ورد الاعتبار، فإذا لم تنتصر الثورة المصرية انتصارا حاسما لأصيبت شعوب المنطقة بهزيمة نفسية أشد فتكا من تلك التي أصابتها عقب هزيمة حرب 1967 !
والآن بعد أن نجحت مصر في أن تؤكد لهذه الشعوب أن ما حدث في تونس ليس استثناء عابرا بل هو ضربة البداية في وضع حد لنظم(الاستبداد والفساد) في المنطقة، فإن سؤال (ثم ماذا بعد الثورة) هو ما يؤرق هذه الشعوب بنفس الدرجة التي يؤرق بها الشعب المصري، لأن نتائج هذه الثورة وتأثيراتها المباشرة على الواقع المصري سلبا أو إيجابا لا بد أن تؤثر على حركة التغيير في المنطقة ككل.
التيارات السياسية والفكرية في المنطقة تفاعلت مع الثورة المصرية من منطلقات متباينة، فهناك تيار (إسلاموي) رحب بالثورة ترحيبا حارا باعتبارها أسقطت نظاما علمانيا اضطهد ذوي التوجهات الإسلاموية ونكل بهم وصادر حقوقهم السياسية فنالوا نصيب الأسد من السجن والتعذيب والتنكيل والحصار، هذا التيار يحاول أن يصور الثورة المصرية كثورة إسلامية خالصة وهذا ما أظهرته ردود أفعال التيارات المختلفة للإسلام السياسي وأبرز نموذجين لهذه الردود الرد الإيراني على لسان الرئيس أحمدي نجاد الذي زعم أن ثورة مصر امتداد للثورة الإسلامية في إيران،وهذا مفهوم في إطار تأزم العلاقات المصرية الإيرانية على خلفية المواقف المتناقضة للبلدين من قضايا الشرق الأوسط، فإيران ترى أن سقوط نظام مبارك هو سقوط لأهم حليف للسياسة الأمريكية في المنطقة وسقوط أهم عناصر الحلف العربي المعادي لها إقليميا، وتتطلع لأن يكون النظام الجديد معاديا للسياسة الأمريكية المعادية لإيران أو على الأقل مستقلا عنها، والأمر بطبيعة الحال أمر توازنات سياسية، لا علاقة له بمناصرة الديمقراطية، فالتيار الممسك بالسلطة في إيران هو تيار محافظ أبعد ما يكون عن الديمقراطية وتجلى ذلك في قمعه العنيف ومحاصرته البوليسية لاحتجاجات التيار الإصلاحي على تزوير الانتخابات الأخيرة، وللمفارقة قمعت السلطات الإيرانية التظاهرات التي خرجت متضامنة مع الثورة المصرية ومبتهجة بانتصارها! هذا على الضفة الشيعية،
أما على الضفة السنية فنجد النظام الحاكم في السودان بقيادة حزب المؤتمر الوطني (الإسلاموي) ظل صامتا إزاء الثورة المصرية طيلة أيامها لحسابات سياسية، ولكن بعد أن انتصرت الثورة ركب موجة التأييد والمباركة وانخرط في تيار أسلمة الثورة عبر كتابه الموالين، وزعم مناصرة حرية الشعوب عبر تأييد الاتحادات التابعة له كالاتحاد العام للطلاب السودانيين والاتحاد العام للمرأة السودانية واتحاد الصحفيين السودانيين للثورة المصرية بالمسيرات والبيانات رغم أن هذه الاتحادات لم تسجل موقفا واحدا مناصرا للحرية المنتهكة في السودان منذ أكثر من عشرين عاما!! موقف النظام السوداني هذا يعود لسببين، الأول سياسي وهو اتخاذ هذا الموقف المنحاز للثورة كخطة دفاعية عن الذات، فالنظام يريد أن يقول أنا لست كالنظام المصري ولا أخشى مصيرا مشابها، والثاني آيدولوجي حيث يرى هذا النظام في النظام المصري قامعا للإسلامويين ومعاديا للتوجهات الأصولية،
وهناك تيار قومي عروبي يرى في انتصار الثورة المصرية تمزيقا لاتفاقية (كامب ديفد) واستعادة فورية للعهد الناصري بمواقفه من أمريكا وإسرائيل وبذات نفس الستينات!
وهناك تيارات اشتراكية ترى فيها ثورة الفقراء والمسحوقين من أجل العدالة الاجتماعية،
وهناك تيارات لبرالية علمانية ترى في الثورة المصرية ثورة من أجل (الديمقراطية) معرفة بألف ولام التعريف! لأن الشباب الذين بادروا بإشعال فتيلها طالبوا بمطالب تمثل في مجموعها أركان النظام الديمقراطي في دولة علمانية،
وكل هذه الرؤى والأفكار حول الثورة المصرية من محيطها الإقليمي لها جذور في مكونات الساحة السياسية والفكرية داخل مصر، فداخل مصر يوجد الإسلامويون واللبراليون والعلمانيون والاشتراكيون والقوميون العرب والناصريون، فما هي طبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي سوف تتمخض عن الثورة؟ إذا كانت الإجابة متروكة لصندوق الاقتراع في الانتخابات الحرة النزيهة المرتقبة فلا بد أن تكون القوى السياسية الأكثر تنظيما وشعبية وخبرة في العمل السياسي هي الأكبر تأثيرا في رسم ملامح الأوضاع السياسية والاقتصادية القادمة في مصر، وتشير كثير من القراءات السياسية للواقع المصري أن جماعة (الاخوان المسلمين) مرشحة للفوز في أية انتخابات حرة ونزيهة وفي مقال الأحد القادم سوف أتناول تفصيلا إشكالية الاخوان المسلمين مع الديمقراطية، ولكن هل يعني فوز الاخوان في الانتخابات أن الثورة اختطفت؟
في تقديري الإجابة على هذا السؤال تبدأ بالتعريف الموضوعي للثورة نفسها ومعرفة غايتها، فالثورة المصرية ثورة شعبية تمثل كل الشعب المصري بمختلف توجهاته وانتماءاته الفكرية والسياسية والقاسم المشترك الأعظم بين الثوار هو الاستياء والتضرر الكبير المباشر أو غير المباشر من نظام (الاستبداد والفساد) والقناعة بأن الخطوة الأولى لإصلاح الحياة العامة في مصر هي تغيير هذا النظام المستبد الفاسد بشكل جذري، فإن انطلق الطيف السياسي والفكري في مصر من هذا التعريف البسيط للثورة واتفق على أن جوهر الإشكالية هو(الاستبداد والفساد) فسوف تنصب الجهود على إقامة نظام سياسي محصن ضد الاستبداد والفساد، وبالتجارب المتراكمة للشعب المصري بل وللإنسانية جمعاء ثبت ان لا حصانة من هذين الداءين إلا في ظل نظام سياسي قائم على أركان الحكم الراشد ممثلة في المشاركة السياسية عبر التفويض الشعبي بالانتخاب الحر النزيه بصورة دورية،و الشفافية المحمية بالقانون والإعلام الحر، والمساءلة والمحاسبة بآليات ونظم مركوزة في البنية المؤسسية للدولة، وسيادة حكم القانون عبر استقلال القضاء واستقامة نظام العدالة،
وفق هذه الشروط يحكم من يأت به صندوق الاقتراع سواء كان إسلامويا أو اشتراكيا أو قوميا عربيا أو لبراليا ، دون خوف من استبداد أو وصاية لأنه يحكم بالتفويض الانتخابي لفترة محددة دستوريا،والنظام الأكفأ لتحقيق كل ذلك هو النظام الديمقراطي إلى حين إشعار آخر! وانطلاقا من ذلك فإن الثورة المصرية سوف تختطف يوم يفشل المصريون في إقامة هذا النظام بأركانه وشروطه، وسوف تخلد هذه الثورة ويكتمل انتصارها يوم ينجح المصريون في ترسيخ نظام ديمقراطي مستدام ومتطور حتى إذا حكم عبره الإخوان المسلمون.

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1853

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#98823 [monem musa]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2011 05:34 PM
الشعب السوداني شعب تجري في دمائه معاني الحرية والعدالة بأدق تفاصيلها ولا يرضي الذلة والمهانة والتاريخ شاهد علي ذلك لذلك علي كل من يريد حكم السودانيين فهم هذه السيكلوجية التي صنعها الشعب بثوراته وتضحياته.


#98247 [خالد]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2011 07:01 PM
يامدام هنالك مقوله شهيره للعالم اوبنهايمر وهي ان الديمقراطيه للشعوب الغوغائيه نقطه ضعف في صالح اعدائها ومصر كذلك لم يعرف الانسان المصري كلمة ديمقراطيه من ايام مينا موحد القطريين مرورا بجميع الحقب الرومانيه والاغريقيه والاسلاميه والمملوكيه والتركيه وال محمد علي والناصريه والساداتيه حتي اخينا المخلوع 00خلي في بالك حاجه مهمه البعد الجيواستراتيجي لمصر وعقد الزواج الكاثوليكي في كامب دايفيد لا يسمح بوجود ديمقراطيه حقيقيه توصل الغير مرغوب فيهم من قبل اليانكي والاسرائيليين 00الخلاصه تم شخصنة النظام البائد في صورة مبارك وقطع الرأس وبقي الجسم الفاسد بالكامل وسوف يلتف علي الثوره لحين اجهاضها نهائيا ولسوف يحدث واصبري وتفرجي علي نهاية الفيلم وما تحكمي من نصفه
(الانظمه الشموليه تشبه الغوله اذا قطع الرأس وترك الجسم ينمو الرأس من جديد)


#98230 [محمد شهاب]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2011 06:19 PM
أحسنت أستاذة رشا، وفي محاولة للتعمق في سؤالك \"ولكن هل يعني فوز الاخوان في الانتخابات أن الثورة اختطفت؟\"
بالتأكيد الاجابة بالنفي القاطع، وذلك لعدة أسباب أولا:أن الاخون يمثلون رمزية للإضطهاد والقمع في أجل صورة، ويعتبر انعكاسا جليا لواقع الحياة عامة في مصر،ومن عايش الظلم والاستبداد لم ولن يمارسها اذا ما حملته المقادير يوما على سدة الحكم.
ثانيا: في الانتخابات البرلمانية في مصر عام 2005 م حصل الاخوان على حوالي 88 مقعد كأكبر كتلة معارضة للحزب الحاكم رغم المضايقات الامنية و التزوير وكان استفتاءا رمزيا لوجود الاخوان في الشارع المصري بالرغم من النظريات العبسية التي تدور فحواها
في أنهم جاءوا نكاية وتعبيرا لكره الشعب للحزب الحاكم.
ثالثا: من الظلم الواقع على الاخوان هذا الاسقاط للحكم الاسلامي مستمدة من نوذجي طالبان والصومال، والتجاهل التام المتعمد للنموذج التركي الناجح متمثلة في حزب العدالة والتنمية، وهذا ما درجت عليه الانظمة العربية في منتدياتها مع الغرب في التخويف من النموذج
الاسلامي ومترادفاته من الاسلام الراديكالي والارهاب ومعاداة الغرب.
رابعا: استمرار حكم حزب المؤتمر الهندي على سدة الحكم في الهند من نهرو الى الآن لم يلغي فكرة الديمقراطية ولم يلغي الحياة السياسية في الهند ولم يزايد احد على الهنود ويصف حزب المؤتمر بانهم اختطفوا الهند.
[email protected]


#98089 [عدلان يوسف ]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2011 01:27 PM
بالأمس ، وفي جريدة \"الصحافة \" (راجع الموقع الإلكتروني للصحيفة ) حذر السيد الصادق المهدي الشعب السوداني من ثورة شعبية على غرار الثورة الشعبية في مصر وتونس بحجة عدم دفع البلاد إلى الصوملة ، وقال فض فوه أن المعارضة ينبغي أن \"ترعى بقيدها \" ...
النداء قبل الأخير إلى رشا عوض :
أدركوا الرجل قبل أن يغرق تماما ..فيموت على سوء الخاتمةالسياسية وهو أمر لا نرضاه له !
نداء أخير :
ثورة الشباب القادمة ستنتفض ضد الصادق (لأن الساكت على الظلم وهو يعلم أشد من الظالم).. مثلما ستنتفض ضد البشكير وجماعته !


#97857 [انسان]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2011 08:16 AM
سلمت يداك يا رائعة ... والمعادلة بسيطة (حرية ديمقراطية = عدالة ) بغض النظر عن من يحكم


رشا عوض
رشا عوض

مساحة اعلانية
تقييم
2.30/10 (29 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة