10-31-2014 01:59 PM

ها قد انفض السامر بعد أن تفرق ذلك الجمع من الرجال والنساء الذين ينطبق على معظمهم وصف الطيب صالح "ملس الوجوه، تلمع في أيديهم ختم من الحجارة الثمينة، وتفوح نواصيهم برائحة العطر، في أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من التترون الفاخر والتوتال الغالي، تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السيامية، والأحذية تعكس أضواء الشمعدانات، تصر صريراً على الرخام". لقد جاء هؤلاء من مختلف أنحاء البلاد، ووجدوا كل شيء معداً سلفاً، ربما حتى الكلمات والمشاركات، ناهيك عن فاخر المطعم والمسكن والمركب، فقضوا بضع أيام في دهاليز أرض المعارض ببري، شرقي الخرطوم، بغرض اختيار مرشح الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة بمشيئة الله!
كما ضم المؤتمر شخصيات بارزة من كل أنحاء العالم تبادلوا الأحاديث بينهم حول قضايا الساعة عالمياً وإقليمياً والتقطت لهم صور بالهواتف النقالة وأجريت معهم لقاءات صحفية وتلفزيونية وافرغ كل منهم ما في جعبته من فصيح الكلام بمختلف لغات العالم في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، وأثنوا على السودان وشعبه خيراً، متمنين لمضيفيهم مزيداً من التقدم والازدهار والرفاهية. ثم من بعد، توجه أعضاء الوفود، مودعين بمثل ما استقبلوا به من حفاوة، إلى مطار الخرطوم الدولي عائدين إلى بلدانهم، ترافقهم السلامة، بعد أن استمعوا لأغاني الحماسة السودانية التي تلهب المشاعر وتظهر شخصية الإنسان السوداني، رجلاً كان أو امرأة، فهو بطبعه تحركه كل كلمة ترتبط بتراثه أو تذكره بماضيه التليد وبطولاته وملاحمه الخالدة، وقد شارك بعض أعضاء الوفود "بالعرضة" السودانية وهم "يهزون" بالعصي "ويبشرون"؛ لكن بالطبع من دون أن يفهموا مدلول الكلمات أو الموسيقى، إلا أن المجاملة واجبة في مثل هذه المواقف! ولكن يبقى السؤال الذي يحتاج لإجابة شافية، ثم ماذا بعد؟
لقد اختتم المؤتمر أعماله بعد أن تحدث كثير من القادة والزعماء والمشاركين والضيوف "وتلا مقرر المؤتمر البيان الختامي والتوصيات التي شملت مداولات الأعضاء حول أوراق العمل بمحاورها المختلفة التي تضمنت قضايا الحزب والدولة مبيناً أنها ستمثل برنامج الحزب للانتخابات القادمة". من جانب آخر أوردت وكالات الأنباء ما جاء على لسان الرئيس مؤكداً: " أنه لن يسمح بمراكز قوى داخل الحزب، وبأنهم سيقدمون القوي الأمين في كل المواقع التنفيذية، كما تعهَّد، بتوحيد السودانيين وقيادة البلاد للخروج بها إلى بر الأمان، وبتطبيق معايير صارمة داخل حزبه الذي وصفه بالحزب "المخيف" والقائد، الذي يحق لكل منسوبيه الفخر به" ولكن أسمح لي، سيدي الرئيس، بأن أقول إن مراكز القوة موجودة سلفاً على كافة مستويات الحزب في الولايات أو المركز، ليس هذا فحسب، بل إن هنالك وجوه ظلت تمسك بالخيوط منذ أن تأسس هذا الحزب وحتى يومنا هذا، وأنت تعرفهم بكلماتهم ومواقفهم وتحركاتهم وسيماهم، وهؤلاء لم يقدموا شيئاً يذكر للسودان بل ظلوا يتربعون على كراسي القيادة الحزبية والتنفيذية لاعتبارات خاصة قد تكون جهوية أو غيرها، دون فائدة، فهل سيظلون في مواقعهم وأنت تتحدث عن الإصلاح والنهضة؟
بصريح العبارة إنّ البلاد تشهد أزمات ومشكلات يحتاج حلها لأشخاص مخلصين لا يخشون في الحق لومة لائم، والأمة السودانية حبلى بهؤلاء، وللأسف الشديد إن معظمهم يوجد الآن في جامعات الخليج ومستشفيات بريطانيا العظمى وغيرها من مرافئ الغربة والمؤسسات والهيئات الدولية المرموقة، وهم الأجدر بحكم البلاد؛ نظراً لخبراتهم المتراكمة وعلمهم الغزير، سيما وأنهم من ذوي الدراية والإلمام بمجريات الأمور الاقتصادية والسياسية والعلمية وفق المعايير الدولية المعتبرة. وكيف يصبح حزبك "مخيفاً" فعلاً لمسئوليه وأعضائه، إن لم تطبق مبدأ المحاسبة وإعمال الشورى فعلياً، ليس فقط داخل أروقة الحزب وهياكله، بل على كافة مستويات الحكم ومرافقه؟
إن الشعار الذي انعقد حوله المؤتمر الرابع للحزب الحاكم هو" نقود الإصلاح... نستكمل النهضة" ونذكّر في هذا الصدد بأن البلدان لا تبنى بالشعارات، إنما بالعمل الدءوب وإخلاص النيات وتحويل الشعارات إلى برامج عمل ورؤى ومشاريع تنموية تنتظم كل مناطق البلاد، حسب معطياتها الطبيعية، دون أية نظرة جهوية أو استغلال للنفوذ أو مجاملات. وسابقاً، رفعت شعارات كثيرة من قبيل "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" ولو نفذ بعضها فقط، لأصبح السودان خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية دولة مكتفية ذاتياً على أقل تقدير؛ ولكن تلك الشعارات "راحت شمار في مرقة"؛ لأن سوء التخطيط والإدارة وإهدار المال العام أفشلت معظم المشروعات التنموية التي كان من الممكن أن تعود بالخير على الناس، خاصة قبل انفصال الجنوب وذهاب عائدات النفط التي كان من المفترض استخدامها بطريقة راشدة للنهوض بالزراعة والثروة الحيوانية باعتبارهما المصدرين الطبيعيين الأساسيين للسودان، لكن تلك الأموال الطائلة قد صرفت على أوجه لا يعلمها إلا القليل! فالإصلاح يبدأ أولاً بالأشخاص والمؤسسات خاصة التنفيذية وذات الطابع الاستراتيجي ومن ثم تطوير الخدمة المدنية وتدريب الكوادر العاملة ووضع الأنظمة الصارمة وتطبيقها بكل شفافية وحزم، دون محاباة لأحد أو جهة أو إرضاء لفرد أو جماعة.


محمد التجاني عمر قش
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 471

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1138778 [ملتوف يزيل الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

10-31-2014 05:19 PM
عندما يتحدث رجل عاقل مثلك عن الغول و يصف لنا طريقة البعاتي في الحركة و الكلام ، و ينتقد لنا سلوك العنقاء و عدم رضاها عن الخل الوفي. عندما يحدث هذا ماذا ترانا نقول غير حكمة قديمة : تكلم يا هذا كي اعرفك.
عيب عليك و علي كل من لم يدرك حتى الان حجم الكارثة. الوطن ينزلق من بين ايدينا و نحن في حوار الفرخة ام البيضة سابقة في الزمان.
تمام القلم مابزيل بلم.


#1138735 [ناير]
0.00/5 (0 صوت)

10-31-2014 03:14 PM
إن الإصلاح هو الإرادة الباحثة عن الخير وتقويم الاعوجاج بمفهوم يتضمن التغيير التدريجي لكل مناحي الحياة نحو الأفضل وهو عملية تغيير تدريجية مستمرة ومتجددة لتطوير النظام دون المساس بأسسه وذلك برصد وتصويب الأخطاء, كما إن الإصلاح ليس عملية سهله أو تجميلية بل هو الانتقال من وضع إلى وضع آخر مغاير كلياً ويتضمن تغييرات عميقة متكاملة ومستديمة, وهو ليس عملية فردية أو حصرية على جماعه بل يجب اشراك جميع الشعب في الإصلاح دون تمييز أو استثناء أو اقصاء؛ ويستلزم ذلك مكافحة الفساد المالي والاداري باعتباره أكبر معوق للإصلاح، وخاصة الفساد الإداري والمالي لارتباطهما الوثيق بالغبن الاجتماعي وذلك من خلال تبني إستراتجية وطنية وإنشاء مؤسسات للشفافية ومكافحة الفساد، وهذا يتطلب جهدا خارقا لمعالجة تراكمات الأخطاء التي وقعت خلال فترة الحكم الوطني وخاصة الوضع الراهن سياسيا واقتصاديا وقيميا واجتماعيا واخلاقيا.


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة