المقالات
السياسة
الولاة بين التعيين و الإنتخاب
الولاة بين التعيين و الإنتخاب
11-08-2014 11:58 PM


ينتخب الرئيس الأمريكي بطريقة غير التي ينتخب بها الرئيس الفرنسي . و يختار اللبنانيون رئيس جمهوريتهم بواسطة البرلمان لا بالإقتراع الشعبي . و ينتخب البريطانيون نوابهم عن طريق الدوائر الجغرافية بينما يتم إختيار كل البرلمان الإسرائيلي بطريقة التمثيل النسبي . تمنح المرأة في بعض البلدان نسبة محددة في المجالس النيابية بحيث تضمن النساء تمثيلاً نيابياً و لا تجد المرأة هذا التمييز الإيجابي في مجتمعات أخرى . و تشترط دول ــ حتى في إنتخاب نواب البرلمان ــ حصول الفائز على الأغلبية فتجرى جولة ثانية في حال عدم حصول أى من المرشحين على الأغلبية في الجولة الأولى بينما تكتفي دول أخرى بجولة واحدة . و تشترط دول حصول المرشح على حد أدنى من التوقيعات في عدد من المحافظات كشرط لقبول ترشيحه . و نذكر أن المرشح الرئاسي عمر سليمان قد فشل في الحصول على التوقيعات المطلوبة الشئ الذي حال دون دخوله السباق الرئاسي في مصر .. هذه بعض نماذج طرق الإنتخاب , أدلل بها على أن كل مجتمع يختار ما يناسبه , و أن طريقة ما قد تناسب مجتمعاً و لا تناسب آخر . و قد تعدل دول في نظم الإنتخاب إذا ثبت بالتجربة أن الطريقة المتبعة تطعن في جوهر الديمقراطية و إن كانت قد تحقق (الشكل) الديمقراطي كاملاً . و بعبارات أخرى لا يعنى فشل طريقة ما فشل مبدأ الإنتخاب الديمقراطي .
دعانى إلى التنبيه لهذه الحقيقة ظهور إتجاه في السودان لتعيين ولاة الولايات بدلاً عن إنتخابهم . يعزو أصحاب هذا الرأى دعوتهم لبروز تكتلات قبلية تصاحب عملية الإنتخاب الشئ الذي يهدد تماسك الولايات و يعرضها لإستقطاب قبلي خطير .. هذه دعوة تتعارض مع التوجه العام في العالم نحو الديمقراطية و مع التوجه في السودان نحو الديمقراطية بالتدرج , و لا يخفي أن فكرة التعيين لا تعد تدرجاً تصاعدياً نحو الديمقراطية بل هى نكوص إلى الوصاية . و هى دعوة تهدم و تهزم فكرة اللامركزية المؤسسة على منح أهل الولايات حقهم في إدارة شؤون ولاياتهم , و ليس من حق ديمقراطي أهم من إختيار المواطنين لمن يحكمهم .
ظلت فكرة الحكم اللامركزي حاضرة بقوة منذ بواكير العهد الوطني , فرضتها ظروف موضوعية أهمها إتساع مساحة السودان , و تجسدت الفكرة في تنظيمات إقليمية مثل نهضة دارفور و مؤتمر البجا . و من أقوى دلائل حضور الفكرة أن مؤتمر المائدة المستديرة الذي إنعقد خصيصاً لمناقشة مشكلة جنوب السودان , قد خرج بتوصية لتطبيق الحكم الإقليمي حتى في الشمال . و وجدت الفكرة طريقها للتطبيق في عهد مايو الذي منح الإقليم الجنوبى الحكم الذاتي الإقليمي و طبق الحكم الإقليمى في شمال السودان . كان من أقوى دلائل رسوخ الفكرة أن الديمقراطية الثالثة أبقت على الحكم الإقليمي و لم تعتبره من آثار مايو التي يجب كنسها , و بقى الحال على ما عليه بعد إسقاط الديمقراطية الثالثة , بل طرح نظام الإنقاذ الحكم الفيدرالي .
ليس غريباً أن تمر التجربة بعثرات , لكن لن تكون المعالجة بإلغائها على الفور , و لن تكون المعالجة بمحاولة إضفاء ظلال مركزية على نظام لا مركزى كما تحاول الإنقاذ الآن . فمن خطل الرأى التوهم بإمكانية الإنحياز لخيار مع إستصحاب مزايا نقيضه . أولى خطوات التصحيح هى معالجة الخطأ السياسي المتمثل في الترضيات القبلية بإنشاء ولايات جديدة بلا حاجة إدارية حقيقية لها , فقد فتح هذا المنحى بابا لمطالبات لا تنتهى , و هو ما يفسر ظاهرة الإنشطار الأميبي للولايات حتى كادت كل قبيلة أن تنفرد بولاية . و لن تنتهى المطالبات , لأن المنهج يغري فرعاً في القبيلة للمطالبة بولاية محتجاً بأن أبناء عمومته في الولاية يستأثرون بكل شئ . ترضيات المركز للمطالبات القبلية هو سبب تنامى العصبية القبلية , و يكشف أيضاً إنعدام رؤية واضحة عند الحاكمين للحكم اللامركزي , و إلا لما كانوا يقعون في هذا الخطأ القاتل .. أما نظام الإنتخاب فهو برئ من داء التعصب القبلي الذي شوّه التجربة , فقد رأينا في صدر المقال أن طرق الإنتخاب تتعدد لدرجة تمكن كل صاحب تجربة من إختيار ما يناسبه , مع إخضاع التجربة للتعديل لتلافي الأخطاء التى يكشفها التطبيق . و لن تكون المعالجة بتعجيل إلغاء الإنتخاب و إستدعاء التعيين الذي يتعارض جوهرياً مع الديمقراطية التى تعتبر روح الحكم اللامركزي .. و قد تكون طريقة إشتراط حصول المرشح الفائز على نسبة معينة كحد أدنى في كل محلية من أسباب تفادي تكتل كل محلية خلف إبنها .. هذه واحدة من الطرق ؛ و في الخيارات الأخرى , و في تجارب من سبقونا متسع لمن يريد الإبقاء على الحكم اللامركزي بروح ديمقراطي .

العرب
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 897

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1145154 [ملتوف يزيل الكيزان]
3.85/5 (18 صوت)

11-09-2014 12:51 AM
متابعة لخبر الاغتصابات الجماعية.
طفح الكيل.
على الشباب اعلان الاضراب عن الدراسة للتفرق لمنازلت عصابة الانقاذ المنحلة. ليلتحق بعضهم بالحركات المسلحة و الاخرين تكوين عصابات المدن مثل ما فعل شباب سوريا و اليمن وليبيا.


عادل إبراهيم حمد
مساحة اعلانية
تقييم
3.00/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة