11-17-2014 01:53 AM

الأستاذ محمود صالح عثمان صالح
(وما المرْءُ إلا كالشِّهاب وضوْئِهِ يَحُورُ رَماداً بَعْد إذْ هو ساطعُ)

أحمد إبراهيم أبوشوك

من أكثر الأنباء ألماً وحزناً عندما تتصل بصديق هاتفياً بغرض التحدث إليه والاطمئنان على صحته، ويستقبل رسالتك الهاتفية شخص آخر، يفيدك بأن ذلك الصديق انتقل إلى الدار الآخرة. يا لهول المصيبة، ويا لفداحة الفقد، يا لعظم المصاب. هكذا كان نهار يوم 15 نوفمبر 2014م، نهاراً عبوثاً ومؤلماً، حيث اتصلتُ بهاتف منزل الأستاذ أسامة محمود صالح بلندن؛ للإطمئنان على صحة والده الذي لزم سرير المستشفي قبل خمسة أيام، إثر علة عارضة ألمت به، فردَّ عليَّ ابنه أمير بصوت حزين، مفاده أن "والده توفي صباح اليوم"، فكان عزائي اليتيم إليه: "إنا لله وإنا إليه راجعون" "ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم"، وفي تلك اللحظة المؤلمة تذكرتُ أبيات الشاعر لبيد بن ربيعة:

وما المرءُ إلا كالشِهابِ وضَوئِهِ *** يَحورُ رَماداً بَعدَ إذ هُوَ ساطِعُ
وما المالُ والأهلونَ إلا وَدائِعٌ *** ولابُدَّ يَوماً أنْ تُرَدَّ الودائِعُ

فمحمود كان كالشهاب وضوئه في كل فضاءات العمل الثقافي التنويري، وساحات العطاء الخيري في السودان وخارج السودان، ينفق بيمناه ما لا تعلمه يساره، وذلك انطلاقاً من إيمانه الراسخ بأن واقع السودان لا تصلحه الحكومات ولا الأحزاب السياسية وحدها- إن لم تكن قد أسهمت في تدهوره- بل يستقيم الإصلاح بعطاء أبنائه الأوفياء الذي يحلمون بغدٍ مشرق لأجيالهم الصاعدة؛ وبفضل هذه الرؤية الثاقبة استطاع المرحوم محمود صالح أن يخلِّد اسماً لامعاً في قائمة أبناء السودان الأوفياء.
تشرَّفتُ بالتعرف عليه في شتاء عام 1997م بمدينة بيرقن النرويجية، حيث تقبع جامعتها الشهيرة، التي تُعدُّ من أعرق الجامعات النرويجية، فضلاً عن صلاتها الواسعة والمنداحة بين كثير من البلدان النامية، وفي مقدمتها السودان، ممثلاً في جامعة الخرطوم وغيرها من المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأخرى. ويرجع تاريخ التعاون الأكاديمي بين جامعة بيرقن وجامعة الخرطوم لعام 1965م، وبمرور الزمن تبلورت حصيلة هذا التعاون في حزمة من البرامج الأكاديمية المشتركة بين الجامعتين، وفي تأهيل ثلة من الباحثين السودانيين الذين تقلدوا وظائف مهنية وإدارية مهمة في السودان وفي دول المهجر.
وفي هذا الفضاء الأكاديمي المنداح اختار الأستاذ محمود صالح عثمان صالح جامعة بيرقن بأن تكون مركزاً لإيداع مجموعته المكتبية والوثائقية الفريدة عن تاريخ السودان وأنماط الحياة فيه، والتي يقدر كمها بألفي كتاب، من الكتب النادرة والنفيسة التي كُتبت بلغات أوروبية مختلفة (الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، واللاتينية)، وعدد مماثل من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، والخرائط، واللوحات الفنية التي تجسد أبعاداً متنوعةً عن واقع العمارة والاجتماع في السودان. ولم يقف عطاء محمود عند هذه المكتبة النفيسة، بل تجسد بجلاء في تأسيس مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأمدرمان، وإصدارات المركز التي تجاوزت ثلثمائة عنواناً، فضلاً عن جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي السنوية.

من أين جاء هذا الرجل النبيل؟
محمود هو الابن الأوسط لرجل الأعمال السوداني المعروف صالح عثمان صالح، وحفيد الجد المؤسس عثمان صالح أحمد، ذلك الرجل العصامي الذي بنى لنفسه ولأسرته اسماً لامعاً في قاموس الرأسمالية الوطنية في السودان، إذ كان يقدر جُعل صادرات شركاته التجارية بأكثر من 60% من منتجات السودان الزراعية إلى الأسواق الأوربية، وغيرها من الدول العربية والإفريقية. وعندما أممت حكومة مايو (1969-1885م) بقرارها غير الحكيم شركات عثمان صالح هاجر نفر من أفراد الأسرة إلى مصر، وانجلترا، وغرب إفريقيا، حيث استأنفوا نشاطهم التجاري خارج السودان.
وُلِدَ محمود في هذه الأسرة السودانية العريقة في شتاء عام 1939م، وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي بالسودان، ثم هاجر إلى بريطانيا، حيث درس الاقتصاد بجامعة برستول. وبعد تخرُّجه عام 1963م فضَّل العمل بشركات عثمان صالح وأولاده في السودان، وظل مقيماً بالسودان إلى أوائل السبعينيات، وبعد مصادرة أملاك عثمان صالح وأولاده آثر الهجرة إلى انجلترا، حيث استأنف أعماله التجارية، وقدم نموذجاً رائعاً لرجل الأعمال الناجح؛ لأنه جمع بين خلق العلم وإدارة المال. وأخيراً آثر الركون إلى حياة المعاش عام 1994م، وذلك بعد أهلَّ أبنيه أمير وأسامة لتسيير أعماله التجارية، ثم جعل معاشه الباكر يختلف عن معاش نظرائه من رجال الأعمال المولعين بسلطان الثروة، وبذخ إنفاقها الباذخ؛ لأنه استطاع أن يشغل نفسه وأوقات فراغه بالاهتمام بالدراسات السودانية، والأعمال الخيرية، وتوثيق الإنتاج الأدبي لرهط من الباحثين والعاملين في الحقل الثقافي في السودان، وفي مقدمتهم أدبينا الراحل الطيب صالح، طيب الله ثراه.

محمود صالح ومركز عبد الكريم ميرغني
توَّج الأستاذ محمود صالح حياته المعاشية المتفاعلة بقضايا الثقافة والأدب في السودان بتأسيس مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بمدينة أم درمان، وذلك في الخامس عشر من مايو 1998م. وقد علق الدكتور حسن أبشر الطيب على هذه المبادرة النوعية، بقوله: إن المركز يمثل "فكرة رائدة مبدعة تتجسد فيها نقلة نوعية حضارية في الاحتفاء برموزنا الفكرية"، علماً بأن الحضارة عملية تراكمية تبنى على الإرث الثقافي الموروث من السلف الصالح، "ويأتي الأبناء لاحقاً فيضيفون إليه جديداً، وفقاً لمعطيات الحياة المتغيرة والمتجددة"، ويشير إلى أن المركز "مركز ثقافي أهلي، وبالتالي فإن كل الجهود الممتدة الواسعة يمكن لها أن تحقق استمراره وحيدته، بحيث يستطيع تلقي مشاركة ودعم كل الناس دون حساسيات، وبعيداً عن ساحات الصراع السياسي". ثم يثمن جهود القائمين على المركز بقوله: "التحية والتقدير لنخبة خيرة من أبناء الوطن، احتضنوا هذا المركز فكرة ومنهجاً، وحرصوا على هذا الأداء المتميز. والتحية بخاصة لربان هذه السفينة الخيرة الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، ولا غرابة أن يتصدى ويبادر لهذا العمل الوطني النافع، فهو من أرومة سامقة، وبيت جبل على الريادة في العديد من المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية."
ويصب في الاتجاه ذاته قول الأديب أمير تاج السر: بالرغم من حداثة إنشائه: "أقام المركز عشرات الندوات الثقافية والفكرية، واستضاف أهل العُود والرق (إله موسيقية)، وأهل الشعر والقصة، وأضاف إلى مكتبات الوطن كتباً لا ترتدي "السروال والعراقي"، وتندس خجلة في معارض الكتب، كما كانت كتبنا القديمة تفعل، لكنها ترتدي البدلة ورباط العنق، وتطل بوجه صبوح في أي معرض تزوره. إنها "النيو لوك" في صناعة الكتب، تلك التي أحدثها ذلك المركز، ولدرجة أنها أغرتني بالنشر هناك.. كأنني أنشر في بيروت والقاهرة. ولعل كتباً مثل "وين يا حبايب" للراحل زهاء الطاهر، والمجموعة الشعرية لسيدأحمد الحردلو، وجهان معبران عن تلك "النيو لوك". ويمضي الأستاذ أمير تاج السر في تعضيد إعجابه بالمركز، ويقول: "تبنى المركز أيضاً جائزة دورية باسم مبدعنا الكبير الطيب صالح في مجال الرواية، ولعلها المرة الأولى التي تنشأ فيها مثل تلك الجائزة في بلادنا.. إنه تحليق معنوي في عظمة الكتابة، وحافز كبير لأولئك الأصيلين أن يكتبوا... وأن يتنافسوا، وأن يحصلوا على مكافأة باسم كاتب هو نفسه مكافأة للوطن ... وقد صدرت أخيراً، وبنفس الأناقة المتوقعة رواية الحسن بكري الفائزة بالجائزة: "أحوال المحارب القديم".
وفي ضوء هذه الشهادات المُشرِّفة يمكننا القول بأن مركز عبد الكريم الثقافي يُعدُّ بلا منازعٍ واحداً من الإنجازات الشامخة التي أسهم في تحقيقها الأستاذ محمود صالح بعد أن طلَّق العمل التجاري، وآثر الجلوس على كرسي معاشه الوثير تحت ظلال الثقافة الوارفة، وينابيع الأدب الصافية الرقراقة، وأُنس الكُتب وإمتاعها. وبفضل هذه الرغبة الجامحة جعل من مركز عبد الكريم مركزاً للإشعاع الثقافي في السودان، إشعاعاً يشع من أنشطته الثقافية التي تتبلور في نشر الكلمة المكتوبة، وعقد الندوات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتنظيم الحلقات الدراسية المفتوحة، وتقديم الجوائز التقديرية للأدباء، والروائيين، وكُتَّاب القصص القصيرة في السودان، فضلاً عنما تقدمه مكتبة المركز الثقافية لطلبة العلم والقراء والباحثين من معرفة مجانية غير مدفوعة الثمن. فلا جدال أن طرفاً من هذا العطاء السابل جعل الأستاذ الشاعر محمد المكي إبراهيم ينعت المركز بـ"منبر الثقافة الرئيس للقراء السودانيين في الوطن وأقطار الشتات"، وشجع أيضاً الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه أن تكتب مقالاً في صحيفة السوداني عن إنجازات راعي المركز بعنوان: "محمود صالح عثمان صالح نجم سطع في سماء الوطن".

محمود صالح ومجموعة الوثائق البريطانية عن السودان
في تقديمه لمجلدات الوثائق البريطانية عن السودان يقول الراحل محمود صالح: "يأتي في طليعة أهداف مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي في أمدرمان دوره المتنامي في جمع وحفظ وتوثيق التراث السوداني الهادف إلى ردم الفجوة بين الماضي والحاضر. كما يهدف في الوقت ذاته إلى تيسير الحصول على هذه المصادر والمراجع للباحثين والطلاب وغيرهم من أفراد المجتمع، دون أن تترتب على هذه الخدمة أي تكلفة مادية." ويقدر كم الوثائق التي تمَّ جمعها وتصنيفها وترجمتها في أثني عشر مجلداً بـ 234 وثيقة، مدونة في 1287 ورقة، تمَّ انتقائها بعناية من 4500 ورقة، تغطي الفترة 1940-1956م. وقد حفلت هذه المجلدات بأسرار وخفايا ومواقف السياسة الاستعمارية تجاه السودان، عبر ثلاثة مراكز رئيسة، تتمثل في وزارة الخارجية البريطانية في لندن، والسفارة البريطانية في القاهرة، ومكتب الحاكم العام والسكرتير الإداري في الخرطوم. فكان محمود فخوراً بهذا العمل الأكاديمي الرائد، فكتب إليَّ رسالة بتاريخ 25 أغسطس 2002م، جاء فيها: "استقبال الوثائق كان رائعاً بحقٍ، والحضور أكثر من أربعمائة في قاعة الشارقة ... وكانت التغطية في الصحف كثيفة... كل الذين أطلعوا على الوثائق أثنوا على الترجمة جداً، وعلى الإخراج عموماً. واتوقع أن يتم عقد ندوة في القاهرة في الجامعة الأمريكية الشهر القادم، وسندعوا بعض الأساتذة من مصريين وسودانيين، عسى أن نشجعهم لإبراز بعض الوثائق المصرية إن وجدت." وبهذه الكيفية قدَّم الأستاذ محمود صالح مادة علمية قيمة للباحثين في مجال الدراسات السودانية من غير ذهب وفضة، لكن أغلفتها حملت إقرار صريحاً بفضله: تحرير: محمد صالح عثمان صالح، فسيبقى هذا التحرير اعتباراً معنوياً قائماً على مر الدهور والأجيال.

مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن
بدأت قصة مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن التي يربو كمها على الألفي كتاب وعدد مماثل في الوثائق النادرة، بكتاب عن "الاستثمار في إفريقيا" لمؤلفه البروفيسور هاربرت فرانكل، نشرته جامعة كمبريدج عام 1938م. وقد عثر الأستاذ محمود صالح على نصٍّ من الكتاب في التقرير السنوي لحاكم عام السودان، هوربت هدلستون (1940-1947م)، وكان مفاد ذلك النص: "لا يوجد أدنى شك في أن التنمية الاقتصادية التي حدثت في السودان في القرن العشرين قد حققت إنجازاً رائعاً، يمكن اعتباره من عدة نواحي نموذجاً للأقطار الإفريقية الأخرى." ولا عجب أن هذا النص قد حفَّز القارئ المهتم بشأن السودان أن يبحث عن الكتاب لمدة تقدر بعشر سنوات، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح إلا في شتاء عام 1997م، عندما التقى بالسيدة أليزبيث بنقهام في القاهرة، وسرَّها عن رغبته في الحصول على الكتاب المشار إليه. وبعد بضعة أيام من ذلك اللقاء العابر وجد الأستاذ محمود صالح نسخةً من "كنزه المفقود" في صندوقه البريدي، ومعها مذكرة مفادها أن شخصاً يدعى بول ولسون في ضاحية شبرسبري في انجلترا لديه مجموعة نادرة من الكتب عن تاريخ السودان وجغرافيته، وأنماط الحياة فيه. وبفضل هذه المذكرة بدأت العلاقة بين بول ولسون ومحمود صالح، وأثمرت خواتيمها في شراء المجموعة بكاملها، والتي يقدر كمها المودع الآن بجامعة بيرقن بألفي كتاب من الكتب النادرة التي يرجع تاريخ تأليف بعضها إلى القرن السابع عشر للميلاد، إضافة إلى كمٍ مماثلٍ من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، واللوحات الفنية. وتعالج هذه المجموعة قضايا مختلفة عن التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والآثار، وعلم النبات، وعلم الحيوان، وفن العمارة في السودان. ومعظمها كُتب باللغة الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، وهي على حدِّ قول الراسخين في الدراسات السودانية تمثل مجموعة نادرة للطلبة والباحثين في الشأن السوداني، ولا يوجد لها مثيل داخل السودان أو خارجه.
وقبل إيداع هذه المجموعة بجامعة بيرقن، اتصل الأستاذ محمود صالح بعدد من جهات الاختصاص في السودان لتقوم بإيداعها، وصيانتها، وجعلها متاحة للباحثين؛ إلا أن جهوده في هذا الشأن قد باءت بالفشل، نسبة لتلكؤ المسؤولين في اتخاذ القرار الصائب. ومن ثم كان خياره الثاني جامعة بيرقن، تثميناً لجهدها الرائد في مجال الدراسات السودانية. وبالفعل تم اللقاء الأول بشأن هذه المجموعة النفيسة أثناء انعقاد مؤتمر الدراسات السودانية بجامعة بيرقن في ربيع عام 2006م، حيث فَاتَح الأستاذ محمود صالح البروفيسور آندرس بيركيلو، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بقصة هذه المجموعة التي تبحث عن مأوى، وقد أبدى هذا الأخيرة موافقته الفورية بإيداعها بمركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وفي ضوء ذلك رتب لقاءاً للأستاذ محمود صالح مع إدارة الجامعة التي التزمت بكلفة تصنيف المجموعة، وحفظها حفظاً رقميّاً، ثم وضعها على شبكة عنكبوتية خاصة بها، لتكون متاحة للباحثين في كل بقاع العالم. وبموجب هذا الاتفاق تم تدشين مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن في شتاء عام 2006م، في تظاهرة علمية رائعة، حضرها رموز الجامعة، ووجهاء الجالية السودانية بيرقن، وزادها ألقاً على ألقٍ إبداع الأستاذ عبد الكريم الكابلي الذي شكل حضوراً فنياً رائعاً.
وزان تلك التظاهرة العلمية وهجاً على وهجها زيارة الأديب الطيب صالح وحرمه الفضلى جوليا إلى بيرقن في مايو 2007م، والتي كتب عنها في مجلة المجلة، قائلاً: "في خضم الصراعات والمشاكل والحروب التي تستعر في العالم، يجد الإنسان بعض الظواهر التي تبعث على الأمل والتفاؤل، وتقوي الإحساس بأن الإنسان، بقدر ما في طبيعته من نزوع نحو الخراب والدمار، فهو أيضاً قادر على البناء وعمل الخير. ومن هذه الظواهر التي لفتت نظري أخيراً، التعاون الذي نما بين جامعة بيرقن في النرويج والجامعات السودانية، وبخاصة جامعة الخرطوم. لقد زرتُ جامعة بيرقن أخيراً، بصحبة صديقي رجل الأعمال السوداني المثقف محمود صالح عثمان صالح ... إنه من الناس النادرين، الذين يخصصون بعض ما أنعم الله عليهم من خير، لنشر الثقافة، وفتح الأبواب للتفاهم، ومحاربة قوى الجهل والتخلف، وتعميق قيم الخير والإخاء بين الناس. كل هذا الجهد الإنساني والثقافي العظيم، يتم عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الذي أنشأه الأستاذ محمود وعائلته، تخليداً لذكرى خالهم المرحوم عبد الكريم ميرغني".

خاتمة
كنتُ اتمنى أن لا يأتي اليوم الذي نكتب فيه عن مآثر الأستاذ محمود صالح؛ ولذلك سعيتُ في العام الماضي مع الأستاذ عبد الله الفكي البشير إلى تكريمه في شكل تظاهرة أكاديمية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، تقوم على تبادل مطبوعات المركز العربي ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، ثم إعداد ندوة عامة عن انجازات الرجل ومآثره، لكن للأسف أن هذا المسعى لم يكلل بالنجاح إلى أنْ فجأنا القدر بنبأ الوفاة. فالراحل الأستاذ محمود صالح رجلٌ لا نُعزّي فيه، ولكن فيه نُعزّى؛ لأنه كان صاحب فضائل منبسطة لكثير من الناس، ويؤكد ذلك شهادة الأديب الراحل الطيب صالح: "إنَّ محمود لم يستأثر بالثراء لنفسه وأسرته، بل أخذ ينفق منه بسخاء على ما ينفع الناس جميعاً، فهو رجل مرموق ليس بماله، بل بأفعاله ودوره في المجتمع." ومن الشواهد التي تعضد ذلك كلمات الدكتورة هويدا فيصل بجامعة بيرقن، عندما أخبرتُها بوفاة محمود صالح، فكتبت قائلة: "إنه خبر محزن وفقد جلل. لقد كان محمود رجلاً عظيماً، ولدي احترام خاص له. لا أنسى فضله عندما حضر نقاشي لنيل درجة الدكتوراه، بعد أن علم أن والدي لا يستطيع الحضور بسبب المرض. ثم عمل حفلاً كبيراً بهذه المناسبة." وجسدت أيضاً البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه هذه القيمة الإنسانية، عندما كتبت في خاتمة رثائها للمرحوم محمود صالح قائلة: "وستبقى وستظل نجماً ساطعاً في سماء الأمة، بما قدمت، فمثلك لا يموت. وسيبقى غرسك مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي منارة سامقة. وستبقى مكتبتك في بيرقن متكأ للعلماء والباحثين، ورمزاً للمحبة التي تربط بين بيرقن وكل من زارها ودرس فيها من السودانيين، ووصلاً للشمال والجنوب. وستبقى محبتك في نفوس أهلك، وعشيرتك، وأصدقائك، وعارفي فضلك." هكذا كان محمود صاحب سيرة وسريرة بين الناس، يعطى من غير منٍ ولا أذى، وينفق بسخاء لا يخشى الفقر. نسأله الله أن فيض عليه ثواباً بقدر ما فاض على الناس عطاءً، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2532

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1152138 [فقيري]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2014 11:46 AM
هو خير وصف للسودانى المثقف ، رجل بقامة وطن إنا لله و إنا اليه راجعون


#1151638 [ابوامين]
1.00/5 (1 صوت)

11-17-2014 05:35 PM
اللهم ارحمه رحمة واسعة وادخله فسيح جناتك


#1151233 [برعي]
1.00/5 (1 صوت)

11-17-2014 08:48 AM
اللهم ارحمه واغفر له وادخله الجنه ، بقدر ما قدم لوطنه ودينه واهله.
المصيبة انو في مقابل فقد هؤلاء العظماء اشك ان ينجب السودان اخرين.


أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة