في



المقالات
السياسة
صناعة الفرعون
صناعة الفرعون
11-17-2014 08:44 AM



* الفرعون لا يُخلق فرعوناً ، و إنما تتم صناعته على أيدي بعض المستفيدين ، الذين لا يجدون حرجاً في الانصياع و الطاعة العمياء للفرعون ، و هي في نهاية الأمر طاعة آخر من يؤمن بها من تصنَّعها ، و صانعو الفرعون لم يجدوا في أنفسهم مؤهلات الفرعنة ، فصنعوا لأنفسهم فرعوناً ينفذ لهم مطالبهم ، دون أن ينالوا سخط الآخرين ، ذلك السخط الذي انفرد به فرعونهم المصنوع ..
* و التاريخ يركز على الفراعنة دون غيرهم ، فنجد أن هتلر ارتبط في أذهان العالم و قد طغى اسمه على كل الآخرين الذين شاركوا في صنعه ، و قد طغت خطبه الملتهبة "و هذا ما كان يجيده" على الجميع ، و قد كان هتلر هو رمز النازية الأوحد ، حتى إن اسم ألمانيا ، ذلك البلد العريق ، تضاءل أمام اسم هتلر.
* عبدالناصر كانت له ملكة خطابية هائلة طغت على ما سواها حتى على مصر ذاتها التي تفاخروا بها و أطلقوا عليها لقب "أم الدنيا" ، فأم الدنيا هذه طغى اسم عبدالناصر عليها ، و ارتبط اسمها بعبدالناصر و ليس العكس.
* كل هذه النماذج أنتجها و أخرجها أشخاص لم يكن لديهم ملكة الخطابة ، و لكن كان لديهم أطماع لا يمكنهم تحقيقها إلا بإنتاج و صنع فرعون يحققها لهم . و حتى يظن الفرعون أنه الآمر الناهي بحق ، يتطوع هؤلاء بأداء فروض الطاعة و الولاء الأعمى ، فيشعر الفرعون بإحساس قوي أنه السيد المطاع "و هذا أول ما يغرسه منتجو الفرعون في نفسه" فيشبه له أنه أهل للطاعة ، و إلا لما أطاعه هؤلاء السادة ، و الأغرب من ذلك أن الفرعون يعمم تلك الطاعة على كل أفراد الشعب .
* و من هنا تنتج "فرعونية" غير كاملة الدسم ، ليجد الفرعون نفسه مضطراً إلى إكمال دسمها بالقبضة الأمنية ، التي تجعل المتحدث أخرساً ، فالمتحدث الوحيد هو الفرعون الذي لا يعلو على "سوطه" صوت ..
* و بالخوف ، و الصمت ، يعلو بالفعل "سوط" الفرعون على أصوات الآخرين ، و عندها يبدأ منتجو و مخرجو الفرعون فسادهم في الأرض ، و هم على يقين تام بأن الفرعون سيتصدى لحمايتهم من كل جريرة ، فهم الصانعون و المنتجون و المخرجون لفرعونيته.
* في حوار صحافي لأحد صانعي الفراعنة هؤلاء ، و الذي ذكر فيه أن (وحدة الإسلاميين تجاوزها الزمن ) – و أود أن أسأل : متى اتحد المسلمون؟؟ و ما ينفي هذه الوحدة هو اختلاف مذاهب المسلمين ، بل و داخل المذهب الواحد فرق عديدة تتناحر في ما بينها ، ما بين مذهبين كبيرين (سنة و شيعة ) و داخل كل منهما مذاهب شتى صغيرة و طوائف متدابرة.
* حقيقة تجاهلها المتحدث ، أو جهلها – سيان – فالأصل بين المسلمين ليس الوحدة كما ذكر بل الأصل المبتغى و الممكن هو "الإلفة" بين المسلمين : (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألف بين قلوبهم).. و قد اختار الوحدة بدل الإلفة – ذلك الوصف الرباني الدقيق - !! .. و الوحدة بين أي أفراد أو جماعات معرضة للانفصام و هي مصطلح سياسي ، و السياسة لا تستقر على أمر واحد فهي الأكثر تعرضاً للفرقة والانشطار ، و السياسة هي المتحرك ، و الوحدة هي المتغير ، و الثابت الوحيد بين هذه المتحركات و المتغيرات هو "الإلفة" الغائبة ، التي يفتقر إليها المسلمون اليوم..
* لو كانت هنالك إلفة لما كانت "نيفاشا" بجريمتها التي حلت بكل السودان شماله و جنوبه ، و التي أعلن المتحدث عدم ندمه عليها ، كما لم يندم إبليس على عصيانه رب العالمين علناً و ليس سراً كما يفعل العصاة الذين أضلهم ذلك الإبليس..
* و عصيان إبليس لربه جهرة نبع من عنصرية إبليس و الذي بذلك سجل و وضع اللبنة الأولى للعنصرية في الدنيا ، و قد اقتدى الكثيرون بإبليس حيث جاهروا بالنعرات العنصرية و القبلية ، فمن أين تأتي الوحدة ، ناهيك عن الإلفة ؟؟..
* و الملاحظ أن تعاليم الإسلام بسماحتها و عدلها و ملاءمتها للحياة تجد معارضة من البعض و سبب ذلك من أعلن عنها و طبقها عمداً أو سهواً بالطريقة الخطأ حيناً المتعمدة أحياناً لتسخير الإسلام لمصلحته الذاتية و خدمة ذوي القربى و العشيرة و الالتفاف حول الفرعون المصنوع طلباً للحماية عند اللزوم..
* و صناعة الفرعون ليس المقصود منها الفرعون في حد ذاته و إنما لخدمة الصانعين لذلك تجدهم يمارسون الإرهاب النفسي ، و هو أمر سائد في مجتمعنا الذي اشتهر بالمجاملة حتى و لو على حساب الآخرين ، و الارهاب النفسي هذا ينطلي على الكثيرين و حتى المعارضين تجدهم في حالة نفسية إرهابية تمنعهم حتى من الاعتراض غير المؤثر ، فيلزمون الصمت ، و دائماً ما تأتي التبريرات بما يناقض الواقع ، مثلاً كالضمانة على وحدة البلاد ، و هي قد تفرقت إيدي سبأ بين قبلية و عنصرية و حروب أهلية ، و كل ما مر عليها زمن تنتقص من أطرافها ..
* هكذا دائماً حديث صانعي الفراعنة ، يعملون على صب اللعنات المكتومة عليه ، ليصبح هو الضحية و هم الناجين ، ليصنعوا من بعد ، فرعونهم الجديد . و لكن هيهات فكل نفس بما كسبت رهينة .

abuhamoudi@gmail.com





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 914

خدمات المحتوى


التعليقات
#1151433 [Sudan The Last Cry]
3.45/5 (20 صوت)

11-17-2014 12:11 PM
شكرا للدكتور ماشم حسين ... يا دكتور الموضوع ممتاز وقيم التحية لك ولقلمك الهادف ...المصيبة ان من يصنعون الفرعون من المستفيدين ويجعلونه يمشي عاريا كما ولدته أمه لانجدهم بعد سقوط الفرعون... وأقرب فرعون شاهدناه كان القذافي وصف الناس بالجرذان فتبعه الناس الثوار حتى فوهة الانبوب واصبح كالجرذ الذي يبحث عن ملجأ ومات حيث أخذه الله مأخذ من أخذه الله نكال الآخرة والاولى - فرعون موسى- وهكذا ينتظر فرعوننا العود والشلوت.


د.هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة