11-23-2014 07:53 AM

حركة الإخوان المسلمين في السودان: من الإصلاح إلى الراديكالية (2)
The Muslim Brotherhood in Sudan: From Reforms to Radicalism - 2
جبريل ر. واربورغ Gabriel R. Warburg
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لمعظم ما جاء في مقال للبروفيسور جبريل ر. واربورغ عن حركة الإخوان المسلمين، تم نشره ضمن مقالات نشرها المركز العالمي لأبحاث الشئون الدولية المعروف اختصارا بـ GLORIA في أغسطس 2006م، والمبذولة في الشابكة العالمية. وكانت من ضمن مراجع الكاتب في مقاله هذا بعض كتابات حسن مكي وعبد الوهاب الأفندي وحسن الترابي عن تاريخ حركة الإخوان المسلمين ومفاهيمهم حول الديمقراطية والشورى، وكتاب المكاشفي طه الكباشي "تطبيق الشريعة في السودان بين الحقيقة والإثارة"، وكتاب حيدر إبراهيم علي "أزمة الإسلام السياسي"، وكتاب ميلارد وكولنز عن "حسن الترابي والدولة الإسلامية"، وبعض الأطروحات الغربية مثل رسالة ماجستير سوزانا وولف بعنوان "الإخوان المسلمون في السودان" من جامعة هامبورج في عام 1990م.
ولد المؤلف في برلين بألمانيا عام 1927م وهاجر مع عائلته إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (1961 – 1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، والتي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن "إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م". ونشر الرجل الكثير من المقالات المحكمة والكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى.
المترجم
**** *********

أيدولوجية الإخوان

كان مشروع الدستور الإسلامي الذي اقترحه الإخوان المسلمون في عام 1956 يهدف لإنشاء دولة إسلامية ذات نظام برلماني ديمقراطي، يكون على رأسها حاكم مسلم يحكم بالقوانين الإسلامية بحسب أحكام الشريعة في مجتمع يشكل حياته كلها بحسب تعاليم دينه، وينبذ الشرور الاجتماعية والفساد، ويمنع التفرقة بسبب العرق أو الدين، ويعطي غير المسلمين كافة حقوقهم المشروعة. غير أن الإخوان المسلمين اتخذوا لهم بعد ثورة أكتوبر 1964م نهجا براغماتيا (عمليا) بعد تسنم حسن الترابي لقيادة حركتهم. فصار الإخوان ينادون في ميثاقهم بجمهورية رئاسية (وليست نيابية كما كانوا يقترحون) بدعوى أن ذلك أدعى للاستقرار، وينادون كذلك بضرورة الحفاظ على حقوق الأقليات والأقاليم. وقامت الحركة بمراجعة مواقفها مراجعة شاملة فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية حتى تنال المرأة حقوقها الكاملة. غير أنهم يأتوا لديانة رأس الدولة على ذكر في ميثاقهم. وقرروا في ذلك الميثاق أنه، وعلى الرغم من أن كل مسلمي العالم يكونون مجتمعا واحدا، إلا أنه يجب إقامة الدولة المسلمة في السودان من السودانيين، والسودانيين وحدهم، وأن لا تشمل دولتهم المسلمين خارج السودان. أما المقيمين من غير المسلمين فهو مواطنون لهم نفس ما للمسلمين من حقوق في العبادة وغيرها من الحقوق العامة. ودعا الترابي أيضا إلى منهج متدرج مبني على تربية المجتمع وتعليمه، ورفض تطبيق الحدود في تلك المرحلة قائلا بأنه لا ينبغي تطبيق الحدود إلا في مجتمع مسلم مثالي. غير أن الجبهة الإسلامية القومية أيدت فيما بعد تطبيق نميري للحدود (بعد إصداره لقوانين سبتمبر 1983م) قائلة بأن تلك الحدود هي جزء من العملية التربوية التي تهدف بها الدولة إلى السمو بأخلاقيات مواطنيها.
وظلت الجبهة الإسلامية القومية تؤيد تطبيق تلك القوانين الإسلامية حتى بعد سقوط نميري (في أبريل 1985م) وبعد قيام الانقلاب العسكري في يونيو 1989م. وسجل المكاشفي طه الكباشي (أحد قضاة الجبهة الإسلامية القومية، وأحد أعضاء اللجنة التي عهد إليها بمراجعة قوانين سبتمبر 1983م) في كتابه الموسوم ""تطبيق الشريعة في السودان بين الحقيقة والإثارة" الأسباب التي دعت لتطبيق تلك القوانين، وإعدام محمود محمد طه بعد إدانته بالردة عن الإسلام في يناير 1985م (خاصة وأنه كان على رأس محكمة الاستئناف). ولم (ولا) يتطرق أدنى شك لذهن المكاشفي وأعضاء الجبهة الإسلامية القومية الآخرين من أن هوية السودان هي هوية إسلامية خالصة، مما يعني بالضرورة "جاهلية" غير المسلمين فيه، وأن على جيش السودان الإسلامي محاربة أعداء الإسلام من شيوعيين وصليبيين وصهاينة وماسونيين ... وكل من يناصرهم من السودانيين... تحت راية الإسلام. غير أنه يمكن السماح لكل المناطق التي يشكل غير المسلمين فيها أغلبية أن تختار لها نظاما قضائيا غير إسلامي، شريطة أن يكون الحكم في البلاد حكما فيدراليا.
وكانت أفكار الإخوان المسلمين، وكما صاغها الترابي، مؤسسة على مزيج من اعتبارات براغماتية (عملية) وأخرى إيديولوجية. وأول تلك الاعتبارات أنه، وبما أن إقامة الدولة الإسلامية كانت هي الهدف النهائي، فإن وسائل إقامتها تغدو أمرا ثانويا. ومعلوم أنه توجد من الناحية الإيديولوجية اختلافات عديدة بين الديمقراطية الغربية والشورى الإسلامية. وأول تلك الاختلافات هو أن الغرب يفرق (يفصل) بين الديمقراطية والدين، وهذا يناقض الشريعة. وثانيها هو أن الشورى هو نظام يحكم وينظم حياة كل المؤمنين في كافة جوانبها، بينما تقتصر الديمقراطية على شئون السياسة ولا تتعداها. وثالثها هو أن الشورى تمنح قدرا من الحقوق الديمقراطية شريطة أن توافق تلك الحقوق مبادئ الشريعة الإسلامية، بينما لا تضع الديمقراطية الغربية حدودا على حقوق الإنسان وقفا لاعتبارات دينية. ورابعها هو أن الديمقراطية الغربية تفرق بين العواطف السياسية political passions والأخلاق الإنسانية human morals، بينما هما في الإسلام مفهومان لا ينفصلان. وأخيرا، فإن الشريعة توفر قدرا من الضمانات لوحدة المؤمنين أكبر مما توفره الديمقراطية الغربية. وبذا يمكن للشريعة أن تغدو عملية شعبوية popular process مقامة على أساس العبودية الكاملة والسيادة لله، وللأخلاقيات الإسلامية، بعيدا عن أي "تشوهات وتلاعبات علمانية"، وهذا مخالف بالطبع لمبادئ الديمقراطية العلمانية. ويمكن تطبيق الشريعة الإسلامية على أي مجموعة من الناس، ودون أي اعتبارات دستورية. فيمكن مثلا لنظم الحكم العسكرية أن تطبق الشريعة تماما مثل أي نظام برلماني منتخب، شريطة أن يتم تطبيقها تطبيقا كاملا.
وكان "تجديد الدين" هو من أهم الأفكار التي كان ينادي بها الترابي. فهو ممن يرون أنه ينبغي أن يجدد المجتمع الإسلامي بأسره (وليس الفقهاء فحسب) الدين بصورة دورية، إذ أنه قابل للتغيرات الراديكالية، على أن لا تمس ثوابت الدين العقدية ومسلماته ومبادئه الرئيسة. إلا أن الفقه فهو، بحسب رأيه، محاولات اجتهاد بشرية يمكن إعادة تقييمها بحسب واقع الأحوال الماثلة في الوقت المعين. وهو يرى أن كثيرا من الأجيال المسلمة المتعاقبة قد أهملت تجديد ذلك الفقه، وتجاهلت أمر إعادة التفكير في تعريف دور الدولة، ودور عامة الناس في صياغة القوانين الإسلامية. وكان ينادي بأن يركز "الفقه المعاصر" على القضايا الاجتماعية وليس القضايا الفردية، إذ أن القضايا الاجتماعية لم تظفر بأي اهتمام في مجتمع تسوده الفردية individualistic society . (من أقوال الترابي المنشورة ما نصه: "من المعوِّقات: هناك من يقول: بأنَّ عندنا ما يكفينا من الكتاب والسنة وهذا وهمٌ شائع، إذ لا بُدَّ أن ينهض علماء فقهاء، فنحن بحاجة إلى فقه جديد لهذا الواقع الجديد" المترجم).

ونادي الإخوان المسلمون كذلك بفتح باب الاجتهاد. ومع بضع الاستثناءات القليلة المتعلقة بثوابت مكونات الألوهية، فكل أمر في الدين قابل للمراجعة وإعادة التفسير. وكانت منهجية الترابي وطريقته في الاجتهاد مؤسسة على أفكاره حول التوحيد (بمعنى الوحدة بين التعاليم الإلهية الخالدة وأحوال الحياة البشرية المتغيرة، والحاجة لتوافق وانسجام بين العقل reason والوحي revelation. فيجب أن يؤدي التوحيد (بحسب رأي الترابي) إلى منهجية شاملة وحيدة لإعادة تفسير النصوص والأخذ في الاعتبار كل ما يستجد من المعارف الإنسانية في مجالات الدين والعلوم الاجتماعية والطبيعية واستيعابها بعد ترشيحها (فلترتها) إسلاميا.
وتحتل حقوق المرأة في الإسلام مكانا مركزيا ضمن القضايا المهمة في أيديولوجية الإخوان المسلمين السودانيين. ويصدق هذا القول أيضا على الحركات الإسلامية في أقطار العالم الأخرى، إلا أن مساهمة الترابي الضخمة في هذا المجال تتميز عن غيرها. فقد جاء في كتابه "المرأة في الإسلام" (لعل الصحيح هو أن عنوان ذلك الكتيب هو "المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع". المترجم) والصادر في عام 1993م أنه توجد في الإسلام مساواة كاملة بين الذكور والإناث. فالمرأة لها الحق في اختيار شريك حياتها، وفي التملك، وأن تتولى أي منصب عام (تقريبا almost) في الحكومة (ويشمل ذلك القضاء) والجيش والبلديات الخ (وجاء في مقابلة له مع المجلة الألمانية دير اشبيغيل ما نصه:" لا يُوجد أحدٌ قط في مؤتمرنا الشعبي الإسلامي يُحرِّم المرأة من حق توليها مناصب عامة في الدولة، أو يُنكر لها الحق في تولِّي منصب رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء. المترجم)
ويقر الترابي بأن تلك المبادئ لم تجد طريقها للتطبيق في العصور الإسلامية المختلفة بسبب تأثيرات "جاهلية ما قبل الإسلام" التي سادت في تلك الحقب، وأن قضاة الشريعة الأوائل هم الذين أساءوا تفسير تلك المبادئ، ونتجت عن ذلك تفرقة ضد المرأة المسلمة. ويرى الترابي أنه ينبغي السماح للمرأة بالمشاركة في مجتمع مختلط، إذ أن الشرع لا يمنع ذلك، إذ يمكن لهن التحرك بحرية خارج دورهن. (من أقوال الترابي المبذولة في الشابكة العالمية ما نصه: "ولعل أقسى ما جرى على المرأة هو عزلها من المجتمع، فجعل ظهورها كله كشف عورة حتى الصوت، وسمى وجودها حيث يوجد الرجال اختلاطا حراما. وأمسكت في البيت بذات الوجه الذي لم يشرعه الدين إلا عقابا لإتيان الفاحشة". المترجم). وكذلك أعلن الترابي عن آراء في الحجاب تخالف ما يقول به غالب الفقهاء، إذ أنه يرى أن الأمر بالحجاب هو لنساء النبي وحسب، وليس لعامة نساء المسلمين.
غير أنه يلاحظ أن الترابي لم يعارض ما توافق عليه الفقهاء من أحكام المواريث والطلاق وأمور الأحوال الشخصية الأخرى التي حددتها الشريعة. (ذكر الترابي في كتابه "تجديد أصول الفقه الإسلامي" ص21: "ونحن أشد حاجة لنظرة جديدة في أحكام الطلاق والزواج نستفيد فيها من العلوم الاجتماعية المعاصرة، ونبني عليها فقهنا الموروث، وننظر في الكتاب والسنة مزوِّدين بكلِّ حاجات عصرنا ووسائله وعلومه" . المترجم)

صعود الترابي للسلطة

نشأ حسن الترابي في وسط أسرة دينية متحفظة، وتلقى في صغره تعليما دينيا تقليديا (في الخلوة). وعلى الرغم من أنه كان يدرك تمام الإدراك لمدى تعلق غالب العامة من السودانيين بالإسلام "الشعبوي" والصوفية، إلا أنه نأى بنفسه عن الصوفية وتقاليدها. فالتحق بحركة الإخوان المسلمين، ثم استقل عنها وأنشأ حركته الدينية المحافظة وسماها "الجبهة الإسلامية القومية" والتي لم تجد قبولا كبيرا عند مسلمي السودان، ولا أي قبول عند غير المسلمين. فلا غرو إذن إن كان عدد أتباعه دوما قليل نسبيا. ووجدت الغالبية من السودانيين ما قام به أتباعه من تدخل في الجيش والأمن وتضييق لحياة الكثيرين من الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية أمورا لا يمكن القبول بها.
وكنتيجة لذلك فإن "الثورة الإسلامية" لم تقابل بكثير من التأييد من قطاعات واسعة من السودانيين، ولم تكن إلا انقلابا عسكريا دبره الترابي ومساعدوه في الجبهة الإسلامية القومية، ونفذه عدد كبير من ضباط الجيش. وقام النظام الجديد (بقيادة البشير) باعتقال الترابي ومعه زعماء الأحزاب السياسية الأخرى في سجن كوبر، حيث لقي معاملة خاصة (؟ المترجم) وظل يساعد زملائه في الحكومة في إدارة شئون البلاد. وبعد ذلك التفتت السلطة الجديدة نحو القضاء، فعينت الإسلامي جلال علي لطفي رئيسا للقضاء. وفي عهد الرجل صدر "قانون المحاكم الخاصة"، واستحدثت 75 وظيفة قضائية جديدة بسلطات واسعة جدا لقضاة تلك المحاكم، في ظل قضاء إسلامي يضم المحاكم المدنية والجنائية معا. وكان الترابي (ولطفي) من المؤمنين بأن العدالة ينبغي أن تكون إسلامية، وأن ذلك ينبغي أن يسري على المسلمين وغير المسلمين بالبلاد. وفي نوفمبر من عام 1989م، قام الترابي (وكان ما يزال حبيسا في كوبر) بلعب دور مهم في تكوين منظمة عالمية للنساء المسلمات تنطق بآرائه الخاصة بوضع المرأة في الإسلام. والمرأة في الإسلام بحسب رأيه – كما أسلفنا - لها الحق في التملك والبيع والشراء ولها كذلك الحق في التعبير وفي حضور الاجتماعات العامة والمهرجانات، وأن تشتغل بشئون المال والتجارة إن رغبت في ذلك. غير أن كل النساء لسن متساويات، وبالقطع لم يشمل ما ذكره آنفا النساء الجنوبيات اللواتي وقعن أسرى في المعارك التي كان يقودها أتباع الترابي. ونعيد هنا تكرار أن الترابي كان شديد التأثير على ما كان يجري في البلاد حتى وهو في محبسه في كوبر.
وبعد إطلاق سراحه طاف الترابي على كثير من دول العالم متحدثا باسم النظام الثوري الحاكم كأكثر الساسة السودانيين تأثيرا ونفوذا، وأخطر عالمي إسلامي معاصر. هل كان أمر حبس الترابي بعيد قيام الانقلاب مسرحية لخداع "المتفرجين" في الداخل والخارج عن حقيقة التوجه الأيديولوجي للانقلاب؟ أم أنها كانت أمرا حقيقيا قصد به الحماية الشخصية للترابي نفسه من ما قد يقوم به خصومه ضده؟ مهما يكن من أمر حقيقة ذلك الحبس، فالثابت أن مصر (أهم جارة للسودان) قد خدعت في حقيقة الانقلاب وأيديولوجيته. ولم تنج كذلك بريطانيا والدول الغربية من شراك ذلك الخداع. ووجد الترابي عند خروجه من كوبر أن المناخ العام السائد في العالم العربي والإسلامي عقب الهزيمة المذلة للعراق في حرب الخليج الأولى كان مناخا معاديا للغرب انتشرت فيه أشرطة محاضرات قادة العمل الإسلامي مثل حسن الترابي والشيخ عمر عبد الرحمن وأسامة بن لادن في كثير من مدن الخليج، مثل جدة وغيرها. وفي ديسمبر من عام 1990م كان الترابي في مدينة شيكاغو للدعاية للجنة إسلامية لنصرة فلسطين (اعتبرت لاحقا منظمة ذات صلة بشبكات إرهابية). وفي عام 1991م نظم الترابي وترأس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، والذي هدف للتنسيق بين كل الحركات والمنظمات العاملة ضد الإمبريالية في العالمين العربي والإسلامي وقيادتها نحو ثورة إسلامية. وتقاطرت على مطار الخرطوم (وكان حينها هو المطار الوحيد الذي كان يسمح بدخول جميع العرب والمسلمين دون تأشيرة، إلى أن ألغي هذا الأمر في عام 1995م) عشرات الوفود والشخصيات. وغدا السودان بعد نهاية حرب الخليج الأولى مركزا للمتطرفين والقادة الإسلامين المعارضين للمؤسسات الحاكمة anti-establishment والذين كانوا يعدون الجامعة العربية وسائر القادة العرب الذين تعاونوا مع الغرب في تلك الحرب خونة للقضية العربية – الإسلامية. وفي الخرطوم أشيد بذلك المؤتمر وبنتائجه، وعد أهم حدث في العالم الإسلامي منذ سقوط الخلافة، ووصفه الترابي بأنه هو الرد الفكري الإسلامي لخيانة الجامعة العربية ومنظمة العالم الإسلامي للإسلام، والتي ردها لغلبة الطمع والمصالح الخاصة.
واجتمع في الخرطوم في 25 – 28 أبريل من عام 1991م نحو 200 من قادة العمل الإسلامي من 45 دولة للتخطيط لتحركهم المقبل. وشملت الأسماء عددا ممن عرفوا لاحقا بأنهم من نشطاء القاعدة في أفغانستان والباكستان والفلبين ومانداناو وبالطبع فلسطين، والتي حضر منها ياسر عرفات وممثل لحماس بعد أن افتتحت لها مكتبا في الخرطوم. (شملت الأسماء ياسر عرفات ونايف حواتمة والزنداني وخالد مشعل والغنوشي وفتحي الشقاقي والظواهري وإبراهيم شكري وغيرهم. المترجم). وتنبأ ياسر عرفات في ذلك المؤتمر بأن الخرطوم ستغدو منصة الوثب لتحرير القدس. ويمكن القول بأن إقامة المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في الخرطوم كان هو حجر الأساس في عملية تحويل السودان لمركز إرهابي عالمي، ونتج عنه إنشاء معسكرات للمسلمين من كل أنحاء العالم (مثل جماعة الباكستاني شيخ مبارك علي شاه جيلاني، وحزب المجاهدين في كشمير وغيرهم).
وكان أسامة بن لادن قد قابل الترابي عددا من المرات في أواخر 1989م عندما كان لا يزال في سجن كوبر. وقرر (بعد تلك الاجتماعات) نقل مركز حركته من أفغانستان (حيث كانوا يحاربون السوفييت) إلى السودان بعد أن غدا الحكم فيه إسلاميا. وكان أول نشاط اقتصادي له هو بناء مطار بورتسودان الجديد، وقد تبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار لبدء العمل في مشروعه، على أن يعفى من رسوم وجمارك إدخال الآلات والمعدات والمركبات اللازمة للعمل. وكان من فوائد ذلك المطار له هو نقل السلاح والذخائر للمجاهدين في اليمن والصومال. وسمحت السلطات السودانية لزعماء القاعدة وقادتها بالدخول والخروج من السودان بحرية، ومنحت من أراد منهم جواز السفر السوداني دون تعقيدات إدارية، وكان هؤلاء ضيوفا في منزل قائدهم بالخرطوم.
وفي منتصف التسعينيات، بلغ نفوذ الترابي وعلاقاته الدولية الواسعة والمتشابكة شأوا بعيدا لفت إليه أنظار السلطات المصرية، والتي كانت تتخوف من وصول نفوذه إليها وهي تواجهه ما تواجه من حركات إرهابية. فقامت مصر في يناير من عام 1995م بموجة من الاعتقالات طالت نحو 30 من كبار قادة الإخوان المسلمين المصريين. وفي سبتمبر من ذات العام أبرق السفير الأميركي في الخرطوم سلطات بلاده بأن هنالك معسكرا كبيرا لتدريب جماعات إرهابية في المرخيات بغرب الخرطوم. وفي تلك الأيام وقع الترابي مع 497 عالما إسلاميا بيان تأييد وتضمان مع حماس والسلطة الفلسطينية تم نشره في صحيفة "الحياة" التي تصدر في لندن. وجاء في ذلك البيان ما يفيد بأن "خيار الجهاد لتحرير فلسطين هو خيار الأمة الشرعي، وأن أي خيار آخر يساند أو يبارك أو يسكت عن بقاء الاحتلال على أي شبر من أرضنا المقدسة هو خيار يفتقد للشرعية".
وفي تلك الأيام كان بالسودان نحو 500 من أعضاء حماس وبضع مئات من الإرهابيين المتدربين من دول مختلفة. وبذا بدت الخطط والطموحات الدولية للترابي والجبهة الإسلامية القومية التي يترأسها واضحة بينة. وكانت إحدى تلك الخطط والتي نفذتها جماعة إرهابية إسلامية ما هي محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في 26 يونيو 1995م. وبالطبع سارع الترابي وجبهته الإسلامية القومية بنفي أي صلة لهم بتخطيط أو تنفيذ تلك المحاولة، غير أنهم أشادوا بمنفذي الخطة ووصفوا مبارك بأنه يفتقد الإخلاص للإسلام. بينما ظلت مصر والجماعات المعارضة للإنقاذ في الخارج تؤكد على ضلوع النظام الحاكم في السودان (أو جهات ذات صلة به) في محاولة الاغتيال تلك، وتوعدت الترابي بأنه سيلقى العقاب المناسب على فعلته، وألمحت كذلك لنظام الخرطوم بأنها ستدمر معسكرات الجماعات الإرهابية المقامة على أرضه. وفي بداية عام 1996م استغلت مصر محاولة اغتيال مبارك لإزالة الوجود الرسمي للسودان في مثلث حلايب، والذي ظل متنازعا عليه منذ 1956م. وكان من النتائج الأخرى لمحاولة الاغتيال تلك هو توقف السودان (من يوم 6/8/ 1995م) عن السماح للعرب والمسلمين بدخول البلاد دون تأشيرة. ثم أتت الأنباء بانفجار قنبلة ضخمة في نوفمبر 1995م وضعت في سيارة متوقفة خارج مبنى السفارة المصرية في إسلام أباد عاصمة الباكستان، وقتل في ذلك الانفجار 18 كان من بينهم 5 دبلوماسيين مصريين. ولم يعرف إن كان للسلطات السودانية (أو أحد غيرها) صلة لتلك الحادثة. غير أن تلك الحادثة (وما قبلها) جعلت العلاقات المصرية – السودانية تنحدر إلى أسوأ حالاتها.
وكان من نتائج محاولة اغتيال حسني مبارك أيضا اتساع الشقاق في أوساط المخابرات السودانية، والخلاف بين المؤسسة العسكرية والجبهة الإسلامية القومية. واستعادت بعدها المؤسسة العسكرية المسئولية عن الأمن والمخابرات. ويجب أن نذكر هنا أن الرئيس البشير كان يقف ضد التعامل مع ابن لادن والقاعدة، وكان يأمر من معه بوقف التعامل معهم.
وفي عام 1995م قامت في الخرطوم – وللمرة الأولى منذ يونيو 1989م - مظاهرات تطالب بسجن الترابي. ولا غرو فقد كان السودان بين عامي 1995 و1996م دولة معزولة محاطة بدول معادية. وأيد القائد الليبي القذافي مصر في موقفها ضد السودان، بعد أن وقع في تلك الأيام اتفاقا مع مصر لإنشاء خط لنقل البترول من طبرق إلى الإسكندرية. وفي ذات الأيام شن القذافي حملة لطرد العمال الأجانب من ليبيا (وكان فيهم كثير من السودانيين) بعد الإعلان عن محاول لاغتيال القذافي في سبتمبر 1995م شبيهة بتلك المحاولة التي تعرض لها الرئيس المصري في أديس أبابا. وبذا توسع الخلاف بين القذافي والإسلاميين في الخرطوم، مما قوي من صلات القذافي بالنظام المصري لدرجة قيام سلاح طيرانه – بمباركة مبارك - بقصف معسكرات الإسلاميين المصريين على الحدود المصرية – الليبية وذلك في يوليو 1996م. وضيق كل ذلك الخناق على الترابي وجماعته، وزاد من عزلة السودان دوليا.
وفي عام 2000م حل الترابي في سجن كوبر مجددا، وبدا أن عهد الترابي قد آذن بزوال. وليس معروفا على وجه اليقين إن كان هذا سيكون مشهد الخروج الأخير لهذا القائد الداهية المراوغ brilliant and devious من مسرح الإسلام المتشدد (نشر هذا المقال في 2006م!!!)

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 952

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة