11-26-2014 12:56 AM


(1)
المتأمل للمشهد الفكري الإسلاموي في السودان، يشعر بمدى الإرباك وفقدان البوصلة الذي يعانيه مفكريه، ويلمس - رغم النكران - حالة التيه والإحباط التي تفيض من حواف تصريحات الملأ الأعلى من دهاقنته ومنظريه، وتفضح مكنون العجز المقيم في غياب الوعي المفسر لتمظهر الأزمة الفكرية، وعجز أدوات التحليل عن تفسير أسباب فشل الشعار في محك التجربة؛ مما دفع طائفة من عتاة رسل (المشروع الحضاري) المبشر به للقفز من السفينة المعطوبة في مراحل متتالية من تاريخ (المسيرة القاصدة) التي بدأت بكيد الانقلاب في ليل الـ30 من يونيو 1989م، وامتدَّ دامسُ ظلامِهِ ما مقدارُه ربع قرن من الزمان، مرخى سدولَهُ على شعب السودان بكل أنواع الهموم ليبتلي.
(2)
إنَّ ليلَ شعب السودان في ظل سلطة الحركة الإسلامية يشابِهُ ليلَ الشاعر امرئ القيس الذي وصفه في معلقته الشهيرة، فهو ليلٌ لا يشبه الليل المعتاد المتعارف عليه؛ قد تطاولت سنواتُهُ وتمطتْ واحتشدتْ فيه الهمومُ والابتلاءاتُ من كلِّ نوعٍ، ليلٌ مهيمنٌ يحيط بحياة الناس الخاصة والعامة، ومُطْبِقٌ تبدو نجومُه ساكنةً لا تتحرك أبدًا، ظلامه بهيمٌ يتصفُ بالسوداوية المطلقة، انبهمت تحت سطوته معاني الحياة، وأصابها الشلل، وتلاشت الآمالُ في بزوغ فجرٍ يزيلُ عتمةَ أهواله المحيطة بمناحي الحياة ، وذاك لَعَمْرِي وصف يتطابق لدرجة التماهي، مبنى ومعنى، وحال أهل السودان في ظل جبروت (ظلال الله) من جماعة (الإخوان المسلمين)، المكلفة بعذاب أهل السودان لأسباب مجهولة تدعي علمها بها دون العالمين.
(3)
وفي خضم ليل الفشل الإسلاموي الذي تطاولت دياجره، والحيرة تنشب أظفارها الحداد بأعناق مَن ظلَّ مستمسكًا بمحجة (المشروع الحضاري)، حسم بعضُ أمراء (الجماعة) الأمرَ وشرعوا في قبر الحلم، وتوسيع مرقده، جامعين ما تيسر من ثرى التبرير ليكال على مدفنه، بعد أن ارتكبت باسمه أفظع الجرائم بقناعة، تجاوزت بروتكول وضع شاهد على اللحد، على أمل أن هذا الإجراء الذي يخالط جده الهزل يداري سوءة التجربة، التي تجاوز عمر منكراتها الربع قرن بالتمام والكمال، فضحت خلالها بؤس المخرجات ضحالة المنهج، وقطعت متوالية الإخفاق ألسن (الإخوان) التي اعتادت الكذب والنفاق، وتحرت ذلك سبيلا للحكم، حتى كتبت عند الله ثم شعب السودان كاذبة.
(4)
حسم كبير الملأ الأستاذ علي عثمان طه اللغط حول جدوى المشروع الحضاري وشعار (الإسلام هو الحل)؛ حيث قال في مقام تأبين مشروع حركته، ومسيرتها القاصدة، في محاضرة بعنوان: (تحديات الخطاب الإسلامي المعاصر)، شارك فيها ضمن ورشة الوسطية والاعتدال، التي أقامها منتدى النهضة والتواصل الحضاري ومنظمة الأيسسكو، (إن إقامة الدولة الإسلامية لا يعني نهاية الجوع والوصول إلى حالة الرفاهية، مشيرًا إلى أن دولة الرسول "عليه الصلاة والسلام" كانت حالة الناس يسودها الضعف والمشقة)، واتبع قائلا مجهزًا على قواعد البنيان، وناسفًا معبدَه نسفًا غير رحيم: (لو كانت إقامة الدولة المثال مرتبطة بالرفاهية لأقامها الرسول "عليه الصلاة والسلام")، فتمعن يا صاحب الحجى هذا المقتطف، ومتع نفسك بالدهشة، ومن ثَمَّ يحق التساؤل عن موقع شعار "الإسلام هو الحل" من الإعراب.
(5)
بئس التشيع ذاك الذي أعد لوداع مشروع ضربت لأجله أكباد المجنزرات والمدرعات، وأريقت على عتبات مذبحه الدماء سفاحا، وقدِّم في عرصات جهاده المزعوم الشهيدَ تلو الشهيد، في مواسم عرس تعبق أجواؤها بروائح المسك والعنبر، ويعلو التهليل والتكبير لخرافات القردة كاسحات الألغام؛ لينتهي مهرجان الهرج والمرج خلسة، وتشيع الشعارات والأحلام فجأة لمثواها الأخير، بلا ثواكل يلطمن الخدود، ولا بواك يشققن الجيوب؟! لقد فضح نهارُ التجربةِ بؤسَ النهجِ، فبانت سَوْءةُ (الجماعةِ) التي حملت معها إلى السلطة أسبابَ فشلها البنيوي والموضوعي، المتمثل في غياب ثقافة الديمقراطية، والاعتماد المطلق على تنظيرات الشيخ الرئيس، وتفسيرات الملأ الأعلى، أضف إلى هذا غرور الجماعة المفرط في قوتها، والمفترضة في الشارع، واندفاع فصائلها وراءَ شعاراتٍ فارغة بلا مضمون.
(6)
لقد نحرتْ الجماعةُ نفسهَا ومشروعَها، أو بالأصح انتحرت على عتبات تشبثها الأعمى بأفكار قطعية، وأحكام مسبقة لا معنى لها، واعتمادها على رؤى حالمة غارقة في الغموض والتقية، فحين أن تصريف معاش الرعية يتطلب الوضوح والحسم، وخاضع لمبادئ الجدل وقوانينه والمساومات واشتراطاتها النسبية، بعيدا عن جمود الثوابت والمسلمات التي عفا عنها وتجاوزها الزمن، ورغم هذا لم يكن في إمكان أحدٍ ممن عايش بدايات عهد (ظلال الله) أنْ يتصورَ وصول الحال بثاني اثنين في الحركة الإسلامية -الرجل الذي وضع مشروعها الفكري المراد توطينه موضع التنفيذ- إلى حال يتنكر فيه لشعار حركته (الإسلام هو الحل)، ويتشكك في جدْواه. لقد أدهش الشيخُ علي عثمان بهذا الوضوحِ (الجماعةَ) قبل أن يدهش معارضيها.
(7)
فُصِلَتْ للشيخ عليٍّ في بداية عهد (الإخوان) عام 1993م وزارة التخطيط الاجتماعي، التي أنشئت مخصوصًا على أنقاض وزارتي الشباب والشؤون الدينية، بهدف تنفيذ أهم أهداف المشروع الحضاري المتمثلة في صياغة إنسان السودان الجديد، المتوائم مع فنتازيا المشروع الحضاري، وتهيئة البيئة السودانية لتقبل مجمل المشروع الفكري الإسلاموي المبشر به، عبر خلق مناخات النقاء العرقي والديني المتوهم، وذلك بالتخلص من عبء الجنوب الزنجي المسيحي، توطئة لإزالة كافة المعوقات المتوقع وقوفها في طريق بناء الإمارة الإسلاموية، وقد نجح الشيخ علي بإبرامه لاتفاقية (نيفاشا) للسلام -التي أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب- في تنفيذ هدف التخلص من ثلث مساحة السودان التي يشغلها العنصر الزنجي المسيحي، ثمنًا لحلم (الجماعة)، وبعد كل هذا العبث بمصالح السودان العليا هاهو الشيخ يعود وبكل بساطة يركل بقدمه كل ما آمن به، وما صنعته يداه، ويقصف من ورق شجرة التبرير الذابلة ليداري سوْءتَهُ؟؟!
(8)
لقد فشلت الحركة الإسلامية السودانية في تنفيذ جند إعادة صياغة الإنسان ، وهو أهم أجندة مشروعها الحضاري؛ مما يدل على مدى غربتها عن الواقع السوداني، وضعف قدراتها على استيعابه، وتحليل معطيات موروثه الاجتماعي، وفي هذه النقطة بالذات -والتي هي مربط الفرس- كان مقتل مشروعها الفكري، الذي انكشفت عورته، ووقف حمار مفكريه في العقبة حائرا؛ لتركن (الجماعة) بعد فشلها الذريع هذا لجملة إجراءات تعسفية؛ بغرض حماية سلطتها، مبررة لكم العنف الذي مورس ضد معارضي مشروعها بمسوغات واهية، لم ينطل خطلها على أحد؛ ككذبة استهداف الهوية العربية الإسلامية في السودان، مما زاد الهوة بينها وبين عامة الشعب، وعمَّق من حالة العزلة التي تعانيها وسلطتها الحاكمة.
(9)
لقد أحاط شيوخ الحركة الإسلامية السياسات الفاشلة التي اتبعوها بسليفان فقه فاسد، مستمد من إرث فقهاء السلطان في أحط مراحله، ومرذول تجلياته التاريخية، وتفنَّن القومُ في إطلاق المسميات البراقة على المستحدث من الأنماط الفقيه الشاذة، مثل فقه (السترة)، وفقه (الضرورة)، وغيره، بدافع المحافظة على السلطة وامتيازاتها ، وانغمس منظرو الحركة الإسلامية السودانية في هذه الحالة الشهوانية حد فقدان الرشد، والاتزان، فلم يعد الشيخ مِنْهُمْ يفطن لحالة التغوط الفكري الذي يمارسه على ما كانت تسمى ثوابت قبل تذوقه الثمرة المحرمة، فقد أضحى أمر استمرار الحركة الإسلامية في الحكم -على الرغم من فشلها- هو غاية الجماعة، وأقصى طموحاتها، ومبلغ نجاحاتها التي حققتها طوال ربع قرن، بغض النظر عن بؤس المخرجات التي نتج عنها فصل البلاد، وتجذر النعرات العنصرية، والقبلية، واندلاع الحروب الأهلية، ودمار مؤسسات الدولة، ومشاريعها الزراعية، والصناعية المنتجة.
الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 20/11/2014م

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 627

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1158053 [متأمل]
3.25/5 (16 صوت)

11-26-2014 04:25 PM
لله درك يا رجل ... ولا اسكت الله لك حس


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة