في



المقالات
السياسة
زيارة اندريه ميلي للخرطوم في عام 1850م
زيارة اندريه ميلي للخرطوم في عام 1850م
11-29-2014 10:24 PM

زيارة اندريه ميلي للخرطوم في عام 1850م
Andre Melly’s Visit to Khartoum, 1850
ج. او. وايتهيد
G. O. Whitehead
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لمقال نشر في العدد الحادي والعشرين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" Sudan Notes and Records الصادرة في عام 1938م، للكاتب ج. او. وايتهيد عن زيارة السويسري / البريطاني اندريه ميلي القصيرة للخرطوم في عام 1850م. ولد الرجل في سويسرا في 12/5/ 1802م، وتوفي قرب "أبو حمد" يوم 19/1/ 1851م. غير أن أحد أحفاد ميلي كتب في موقع على الشابكة العالمية أن جده توفي في صحراء كورسكو النوبية في 5/12/ 1851م.

المترجم
****** ********** *********** **********

كان اندريه ميلي (والذي كان يزعم أنه من أحفاد كريستوفر كولومبوس) تاجرا مشهورا وناجحا في مدينة ليفربول. وبعد عشرين عاما على مولده في مدينة جنيف في سنة 1802م، هاجر لبريطانيا ونال جنسيتها وأقترن بامرأة إنجليزية من بيري كان والدها يعمل في غزل القطن وله تجارة رائجة في ليفربول. وفي عامي 1825 و1826م شغل وظيفة وكيل أعمال محمد علي (باشا) في إنجلترا، خاصة في ما يتعلق بالأقطان. وقيل إنه كان أول من أستورد أول بالة قطن وأول جوال فول مصري لإنجلترا. وعرف في أوساط تجار ليفربول بالحكمة وبعد النظر، مما مكنه من تجاوز الأزمة المالية والاقتصادية التي حاقت بالبلاد في ذلك العام. وفي عام 1850م كانت عائلته قد شبت عن الطوق، فقد أكمل ولده شارل بيير تدريبه في إحدى الشركات البريطانية، وبقي ولده الثاني جورج لعامين كاملين في مكتب ليفربول. أما بنته لويزا فقد هجرت مقاعد الدراسة. وآن لأندريه بعد كل تلك السنين أن يحقق حلمه القديم بالقيام برحلة عبر وادي النيل في رفقة عائلته الصغيرة.
وكان لاندريه ميلي اهتمام بل شغف وغرام بالحشرات ودراستها. وكان يمتلك مجموعة ضخمة منها، يصرم في رعايتها الساعات الطوال. وكثيرا ما كان يقضي أول ساعتين من يومه، قبل الإفطار، في هوايته المحببة تلك. وكانت له في ساعات ممارسته هوايته قدرة عجيبة على الابتعاد بفكره وعقله عن مشاغل التجارة وهموم العمل. وقال أحد أقربائه عنه: "كان منشغلا دوما بحشراته، ينظمها ويطبخها على رمل مبتل، ويقطعها لأجزاء ليدرس تشريحها، ثم يعيد لصق أجزائها بالصمغ، ويصنفها في مجموعته، والتي كانت تبز أي مجموعة خاصة أو عامة في زمانه". وكان يؤمل أن يقوم في رحلته المزمعة لوادي النيل بجمع المزيد من مختلف أنواع الحشرات، إذ كانت لديه في داره بليفربول مجموعة ضخمة من الحشرات جمعها من مختلف أقطار العالم... من الهند وأفريقيا وجنوب أمريكا والصين. وهي تمثل اليوم (المقصود هو عام 1938م. المترجم) ربع مجموعة الحشرات من عائلة مغمدات الأجنحة coleoptera في متحف التاريخ الطبيعي بجنيف، والتي كانت قد قدمتها أرملته هدية باسم زوجها الراحل في 1861م.
وفي القاهرة تزود اندريه ميلي ومن معه بكل ما يلزمه في رحلته بأقل التكاليف. ومضوا في رحلة بالباخرة حتى وصلوا وادي حلفا في يوم 26 نوفمبر 1850م . وفي اليوم الثامن والعشرين للرحلة بدأوا مسيرتهم عبر الصحراء في قافلة مكونة من عشرين جملا، كان أكثر من نصفها لحمل أثقالهم. وحملوا على واحد من تلك الجمال حظيرة للدواجن بها ثلاثة من الديوك الرومية (الحبشية) وخمسين دجاجة وجوالا كبيرا من الأرز وطاولة طعام. وكان يقوم على عائلة ميلي ثلاثة من الخدم هم عبد الفتاح الداير؟ (Daireh) وكان يعمل دليلا ومترجما أيضا، وسبق أن رشحه لميلي القنصل البريطاني في القاهرة السيد ويلين. وكان هنالك أيضا محمد الداير، شقيق عبد الفتاح والذي كان يعمل سفرجيا وخادما خاصا، وعباس، والذي كان يعرف بأنه أفضل طباخ في وادي النيل، وسبق له أن طبخ للورد نورثهامتون وغيره من علية القوم. وبالإضافة لهؤلاء كانت القافلة تضم بحارين وشيخ للقافلة مسئول عن الجمال، وتحته تسعة من الرجال. وبفضل خبرة الدليل وصلت القافلة لدنقلا في أحد عشر يوما دون مشاكل تذكر. وكان عبد الفتاح أول من يستيقظ قبيل الفجر في حوالي الرابعة صباحا ويوقظ الخادمين الآخرين. وبعد أن يرتدي المسافرون ملابسهم ويتناولون طعام الإفطار يبدأ العمل في المعسكر. وعند السادسة صباحا تبدأ القافلة في المسير. وفي برودة الصحراء في الصباح الباكر يبدأ جورج ميلي في قراءة شكسبير بصوت عال للآخرين الذين كانوا يتقدمونه بمسافة قصيرة. غير أنه بعد أن ترتفع الشمس في السماء ويغدو الهواء حارا يتوقف جورج عن الإلقاء والترفيه عن من أمامه. وعند منتصف النهار تتوقف القافلة وتنصب لعائلة ميلي خيمة تحت أشجار النخيل، وتقدم لهم الليمونادة والمِزر (نوع من الجعة). وبعد مرور بعض الوقت يطوف عباس الطباخ على من تحته للتأكد من ما يحتاجونه في معسكرهم في المساء. وعند العصر تبدأ القافلة سيرها من جديد إلى ساعة متأخرة من الليل حين يقيمون معسكرهم الليلي، وفيه يتناولون عشاءهم المكون عادة من الخنة/ اليخنة الايرلندية (طبق من اللحم المطبوخ مع خضروات. المترجم) وحساء بريطاني من نوع Soup à la Julienne. وبعد العشاء تظهر الكتب والمجلات والزهور المجففة، ويبدأ الجميع في سمر لطيف حتى يحين موعد النوم. حينها توضع المراتب على الرمل ويغط الجميع في نوم عميق.
ولم يكن غريبا في تلك الأيام أن يرتدي الرحالة الأوربيون الزي التركي أو العربي، إذ لم يكن هنالك زي معياري محدد للمناطق المدارية. غير أن السيد ميلي وزوجه كانا يرتديان ما كانا يرتديانه عادة في ليفربول، سوى أن السيدة ميلي كانت تغطي جسدها بشال للحماية من برد الصباح الباكر ومن حر الظهيرة، بينما كان بعلها يرتدي خوذة pith helmet (مثل تلك التي كان يرتديها نظار محطة السكة حديد في السودان. المترجم) كان قد أوصى السير شارل نيبير باستخدامها للجنود في الهند. وكان جورج ميلي يرتدي قميصا أحمر ومعطفا رياضيا عليه شارات عدة فرق، وعمامة أو طربوشا تقي رأسه من الحر، بينما كان الابن الآخر شارل يفضل ارتداء طاقية (wide-awake hat) وعمامة، بينما كانت أخته لويزا ترتدي طاقية من القش، وتحرص كوالدتها على استخدام شمسية (مظلة) اتقاء لأشعة الشمس الحارقة.
وفي الثاني من ديسمبر، وحين كانوا في منتصف المسافة إلى دنقلا قابلوا زميلا أوربيا. كان فرنسيا (أو بالأصح إيطاليا من منطقة سافوي) اسمه م. فاودي. وكان ذلك الرجل يعمل، ولاثني عشر سنة متصلة، سكرتيرا لكلوت بك (الطبيب الفرنسي الخاص لمحمد علي باشا، ومؤسس مستشفى وكلية القصر العيني). وبعد رحيل كلوت قرر فاودي أن يجرب التجارة في السودان مشاركا أوربيا آخر هو بيتريك. فسافرا للأبيض وها هو الآن يعود لمصر مؤملا أن يكسب نحو 3000 جنيها بعد بيع ما كان معه من صمغ عربي في الإسكندرية. استمع فادوي بقلق لما حكاه له ميلي عن مجريات الأحداث في أوربا في العام المنصرم، وكان في غاية اللطف معه، غير أنه لم يعرض عليه أي من الخرائط والكتب التي كانت معه حول مروي، والتي كان ميلي يرمقها بعين ملئها الحسد. غير أن ذلك الرجل الفرنسي المشؤوم قتل خطأ بعد شهرين من ذلك اللقاء مع ميلي عقب تعيينه قنصلا لسردينيا في الخرطوم وذلك في حادث شجار نشب بين بعض شباب باريا قوندوكورو في أبريل 1854م.
وأقامت قافلة ميلي نحو أربعة أيام في دنقلا، وغادرتها في 12/12 بعد تأخير كان سببه صعوبة العثور على إبل جديدة. واشتروا هذه المرة ثمانية عشر جملا بعد أن نقص أفراد القافلة بطرد البحارين لسوء السلوك. وقضى جورج ميلي معظم وقته في دنقلا في تنظيف عينيه بالماء بعد اصابتهما بالتهاب. وفي مساء يوم 12/12 كانت القافلة تغذ السير في صحراء العقب Agab-Teschagoa. وبعد ساعات تأقلمت العائلة من جديد على حركة القافلة، وأنصرف كل واحد لممارسة هوايته المحببة، فطفق أندرية يسجل مذكراته اليومية، وعاد جورج لإلقاء أشعار شكسبير بصوت عال، واستأنف شارل قراءة كتاب عن تاريخ إنجلترا. وكانوا جميعا ينتظرون بفراغ صبر حلول الساعة السابعة والنصف، موعد تقديم العشاء في ذلك اليوم السنوي المهم لابن جنيف البار ميلي. ففي مثل ذلك اليوم وفي 12/12 1602م صد أبناء جنيف جنود دوق سافوي ومنعوهم من احتلال مدينتهم، واحتفالا بتلك المناسبة شرب ميلي وعائلته نخب جنيف، وفي صحة جنيف وابنائها أينما وجدوا.
وفي السادس عشر من ديسمبر وصلت القافلة إلى النيل مرة أخرى عند مروي، وعبروا النهر للضفة الأخرى بعد أن استبدلوا جمالهم المتعبة.، وبدأوا في قطع صحراء بيوضة. وفي مساء 24 ديسمبر شارفوا على الوصول إلى النهر بالقرب من "ود بشارة"، وفي اليوم التالي احتفلوا بعيد الفصح في السيال. وأبدع عباس ليلتها في طبخ وتحضير قائمة الطعام الفاخرة التي وضعها أندرية ميلي بنفسه، والتي كانت تضم دجاجا محشيا، وديكا روميا (حبشيا) محمرا، ولحم ضأن بصلصة نباتات عطرية، وكري مع أرز، وكعكة بطاطا، وبودينغ كاسترد مع بودينغ برقوق. وأنزلوا كل ذلك الطعام (كما يجري التعبير) بكؤوس من شمبانيا St George en negus. وفي صباح اليوم التالي تابعوا سيرهم في وسط غابات تسر الناظرين من أشجار الأكاشيا (السنط) وعلى أغصانها مئات من الطيور الزاهية الألوان والتي لم ير ميلي من قبل نظيرا لها في العدد إلا في البرازيل.
وعند الخامسة بدت لهم صفحة الخرطوم مشرقة من بعيد. كتب ميلي في مذكراته ما نصه: "وتحت السهل المنبسط أمامنا كان هنالك ملتقي لنيلين. ثم لمحنا من بعيد مبنى الحكومة الأبيض، ومآذن الخرطوم، ثم النيل الأبيض الواسع ومياهه تسير برزانة وتمتد إلى ما لانهاية إلى أن تلتحم بالأفق البعيد. بدا لنا ونحن نديم التحليق في منظر النيلين وهما يسيران جنبا إلى جنب وكأنهما لن يلتقيا وكأنه نهاية العالم. وأخيرا لاحت لنا من بعيد الصحارى الواسعة الواقعة خلف المدينة، وكأنها حصن وحماية طبيعية ضد البربرية، وقاعدة أمامية للحضارة".
لقد حل أندريه بالخرطوم عاصمة السودان في وقت مثير في رحلة تطور وادي النيل بفعل التأثير الأوربي. وظل محمد علي باشا (والذي توفي في العام المنصرم) يداوي البلاد بجرعات متتالية من ترياق التطور/ التقدم الغربي، فبعث بالمستكشفين والمنقبين عن الفحم والذهب، وكان يفكر بين حين وآخر في إنشاء قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بل وكان على استعداد لهدم الأهرامات لبناء سد على النيل. وكان يستعين في كل مشاريعه بخبراء فرنسيين على درجة عالية من الحذق والنشاط. وكان وجودهم نتيجة غير مباشرة لغزو نابليون لمصر. فقد أثمرت تلك المغامرة العسكرية عن تقليد علمي سعى لعلاج مشاكل مصر المزمنة. وتم تدعيم ذلك المسعى بوصول عدد من المهندسين المجيدين بين عامي 1833 – 1834م. وكذلك بدأ الإيطاليون في السعي لنيل نصيبهم من الكعكة، والهروب جنوبا من بلادهم التعيسة المكافحة. وشجعهم على ذلك ظهور نزعة لطموحات استعمارية عند زعيمهم كافور (هو كاميلو بنسو كافور رئيس وزراء إيطاليا لثلاثة أشهر في 1861م، وإليه يعزى توحيد إيطاليا. المترجم).
وكان أندريه ميلي (وهو نتاج لانتصار الطبقات الوسطى في عملية تطور التجارة والتبادل التجاري بأوروبا) يؤمل أن يصيب نجاحا في مجال التجارة في مصر وهي في حالة تطور مستمر. غير أن هذا الخبير المالي السويسري الذكي، ومع كل خبرته العريضة في مجالات أسهم السكة حديد ومناجم كاليفورنيا وغيرها، لم يحاول في الأسبوع الذي قضاه في الخرطوم أن يسبر غور ما تحت سطح حياة الأوربيين المترفة البهيجة في الخرطوم.
وكان ميلي رجلا سياسي التفكير. فقد خاطب جمعا من الناس ذات مرة في أيام شبابه الباكرة في مانشستر مطالبا بالإصلاح فطرد من المنصة وقذف به في وسط الجمهور. وكان نشطا في الحركات الإصلاحية التي كانت تدعو لإحداث إصلاحات ليبرالية (والتي بدء في تنفيذها فعلا في 1829م وما بعدها) شملت تحرير الكنيسة الكاثوليكية، وإصلاح البرلمان، وتحرير العبيد، وإلغاء الاحتكار والضرائب المفروضة لحماية بعض المنتجات وغير ذلك. إلا أنه وعندما وصل للخرطوم (إحدى أكبر مراكز تجارة الرقيق البغيضة) لم يفعل أو يقل شيئا عندما وجد نفسه وسط ثلة من الأوربيين الذين كانوا يعلمون عن تلك التجارة ولا يقولون شيئا، ويسمعون عن الفظائع التي ترتكب في ممارستها ولا يحركون ساكنا، رغم أنه كان يعلم أيضا أنهم لا يستفيدون منها بشكل شخصي. وعندما كان في القاهرة في شهر أكتوبر زار ميلي أحد تجار الرقيق الذين كانوا يتعاملون مع تجار رقيق في سنار وكردفان، والذي طمأنه بأن حياة العبد في دلتا مصر ليست ثقيلة مرهقة (كما قد يقال).
وفي أيامه القليلة في الخرطوم قابل كل ذوي الحيثية في المدينة، ورأى أفضل ما فيها من حياة الأوربيين، وذاق كرم ضيافتهم ولطفهم، وتفحص ما جمعوه من غريب الحيوانات والطيور المحنطة، وتحف النيل الأبيض العجيبة، واستمع لنقاشاتهم المتحمسة حول فرص ومستقبل توسيع التجارة واستكشاف النيل. غير أنه، وخلافا لغيره من الرحالة، لم ير أو يدرك الجوانب المظلمة لنشاط الجماعات الأوربية بالبلاد، وإن كان قد سمع ببعض ذلك فهو لم يقم بتسجيله أبدا في مذكراته. وكان كل ما طرق أذنه هو أن خلافا قد نشب بين التجار الأوربيين والحاكم لطيف باشا (المقصود هو عبد اللطيف والذي عمل حكمدرا عاما بين 1850 – 1851م. المترجم) حول القيود التي فرضها ذلك الحكمدار على تجارتهم. وكان عبد اللطيف باشا يصف الأوربيين في السودان (مستثنيا فقط الرجل المحترم دكتور بيني) بأنهم كذبة وcattivo / cattivi (وهي كلمة إيطالية لعلها تعني رديء)، بينا كان التجار يصفون الحكمدار بأنه رجل "ضيق الأفق". وتم استدعاء الحكمدار لبلاده لاحقا نتيجة لتلك المشاكل، واستؤنفت التجارة والملاحة عبر النيل الأبيض كما كانت قبل قيود الحكمدار عبد اللطيف.
وفي الثامنة والنصف من صباح يوم 27 / 12 ترك اندريه ميلي ولده شارل يعمل في معالجة جلود دواجنه، وليبقى مع والدته وأخته وذهب بمركب صغير مع ولده جورج لمقابلة الحكمدار. وأخذه الحكمدار في جولة في الخرطوم ومنحه بيتا يقيم فيه عوضا عن خيمه الثلاث، وأمر له بباخرة (دهبية) لتأخذه ومن معه لبربر وهم في طريق عودتهم، ودبر له أمر الإبل التي ستنقله من بربر لمصر، وأرسل رسائل لأسوان ليقابله أحد المسئولين عند وصوله إليها. وبعد مقابلة الحكمدار زار أندريه وولده جورج البيت الذي منح لهم (والذي قيل أنه خصص فيما بعد لغردون)، وكان يقع على النيل بالقرب من مقر حريم الباشا. وبعد ذلك تفقدا الباخرة التي ستقلهم لبربر، وذهبا للسوق ثم لبيت رئيس الصيدلية الوحيدة، حيث تقاطر عليه هنالك عدد من الأوربيين، وصفهم أندريه لاحقا بأنهم كانوا "مجموعة محترمة من الفرنسيين والإيطاليين". وبعد ذلك عادا للباخرة الراسية على ضفة النيل الأبيض (وعلى ظهرها عشرة من البحارة)، والتي سمح لهم الباشا باستخدامها لقضاء الليل.
وفي صبيحة اليوم التالي (28 /12) وبعد أن استقرت عائلة ميلي في بيتها المؤقت بدأ زوار عديدون في الوصول للتحية والتعارف. وكان أول الواصلين هو دكتور بيني كبير أطباء الجيش، والذي كان قد طاف على كل أرجاء السودان، وكاد أن يصبح بعد عقد من ذلك التاريخ أول من يكتشف منابع النيل الأبيض، لولا أنه مات بالحمى بالقرب من قوندوكورو في 26/7/ 1861م. وسر ميلي عندما علم أن دكتور بيني مولود في سانت قينيس (في شمال فرنسا) وأن والدته تمتلك عقارا في سيرجي، وأنه يعرف كل أسماء المشهورين في جنيف. ثم أتى لزيارة ميلي في بيته روميلي كبير الصيادلة القادم من تورين بإيطاليا ومعه سلة مليئة بالفواكه والزهور. وكان روميلي هذا قد قضى 27 عاما بعيدا عن موطنه، ويود الاستمرار في الاغتراب حتى يحصل على راتب التقاعد. وبعد ذلك استلم ميلي رسالة مهذبة من ثلاث قساوسة للترحيب به ومعها هدية من فواكه حديقة الكنيسة. ثم أتى لدار ميلي عدد من الزوار الأتراك أيضا، والذين أكثروا أمامه من الشكوى من طول نفيهم في السودان، وحدثوه عن اشاعات مرض الخديوي عباس، وعن قرب حدوث تغييرات في سدة القيادة في مصر. وكان اثنان من هؤلاء الأتراك (رفاعة بيه وبيومي أفندي) قد تلقيا تعليمهما في أحد المعاهد العليا في باريس، وعينا في وظائف عليا في مصلحة التعليم ثم أرسلا للسودان لفتح مدرسة لأبناء السكان (لعل الرجل الأول هو رفاعة رافع الطهطاوي صاحب الأبيات المشهورة:
وما السودان قط مقام مثلي ولا سلماي فيه ولا سعاد
بها ريح السموم يشم منه زفير لظي فلا يطفيه وادي
ولولا البعض من عرب لكانوا سواداً في سوادٍ في سوادٍ
المترجم).
تلك كانت هي البداية المزرية للتعليم في الخرطوم ... فصول بها طلاب سودانيين غير راغبين في التعلم، ومدرسان ناقمان على نفيهما للسودان بعد أن ذاقا متع الثقافة الأوربية.
وفي يوم 29 ديسمبر قام ميلي وولده برد زيارات من أتوا لداره في اليوم السابق، واستمتعا برؤية مجموعاتهم من الحيوانات المحنطة، والتي أهدوها لاحقا للمتاحف الأوربية مثل متحف فينيا. وقام الأوربيون الذين زارهم ميلي بإهدائه بعض التذكارات السودانية من حراب وآلات موسيقية وأدوات مطبخ مصنوعة من الخشب أو قرون الحيوانات، أتت معظمها من مناطق الباريا. وكثير من تلك الهدايا موجودة الآن في المتحف العام في ليفربول. ولم تفلح محاولات كثير من التجار الأوربيين الذين زارهم ميلي (تاجر ليفربول الثري) في إقناعه بالدخول معهم في التجارة في جنوب السودان، إلا أن ولده جورج أولع بفكرة السفر للجنوب ورؤية القرود!
وفي المساء زار الفرنسي برن – رولي عائلة ميلي في دارهم لتناول طعام العشاء وعرض علي ميلي تمويل رحلته الاستكشافية في أرض الباريا واستعمارها، والتي لم تكن لتكلف ميلي مالا كثيرا. ولو أن حفيد كريستوفر كولمبوس وافق على ذلك العرض فربما كان قد ساهم في حل واحدة من أهم مشاكل القرن التاسع عشر الجغرافية.
وفي السابعة من صباح اليوم التالي (30/12) وبينما كان ميلي في داره يسجل قراءة البارومتر الذي كان لا يفارقه حضر الحكمدار لطيف باشا وبصحبته ضابط مع اثنين من الجنود الإنكشارية وحامل الشيشة. وقضى الحكمدار ساعتين في الثرثرة والشكوى من الأوربيين بالمدينة. ودعا الحكمدار ميلي للعشاء في داره، غير أن الأخير اعتذر لضيق الزمن ورغبتهم في التحضير لرحلة العودة، ودعا الحكمدار للعشاء في بيته. قبل الحكمدار الدعوة غير أنه اشترط أن تكون بعد منتصف الليل حتى لا يراه أحد من الناس، وأن يحضر معه صديقه علي بك حسيب حاكم بربر، والذي كان ميلي قد لقيه في اليوم السابق.
وبعد الغداء زار ميلي البعثة الكاثوليكية، غير أنه وجد أن رئيسها كان في رحلة للنمسا لجمع تبرعات لكنيسته، ولكنه قابل عددا من القساوسة والين كانوا قد سافروا من قبل للجنوب ووصلوا لجبل ليقويك Logwek الذي يقع خلف الرجاف. وطاف ميلي على مدرسة البعثة وكنيستها ومكتبتها وحديقتها، وفي ختام الزيارة أهدت له البعثة جملين محملين بهدايا متنوعة.
وفي المساء وقبل العشاء الذي سيحضره الحكمدار وصحبه أتى كبير طباخي الحكمدار ومعه عدد من الخدم وهم يحملون أطباقا مختلفة من المقبلات والسلطات. وقام الضيوف بتدخين الشيشة إلى أن قدم العشاء. وهنا سجل ميلي قائمة الطعام الفاخر الذي أعده طباخه الماهر عباس للضيوف والتي شملت حساء معكرونة جنوة، وسمك السالمون الأسكتلندي (الوارد من ليفربول)، وصلصة حارة، ومعجنات ولحم حمام، ولحم ضأن مشوي، وبودينغ برقوق، وعجة مع مربى (omelette aux confitures) وخضروات مشكلة الخ. وكان سمك السالمون يأتي في علب مغلقة بإحكام. وفي حفل العشاء اكتفى مرافقو الحكمدار بشرب الليمونادة، بينما تجرع الحكمدار كأسين من مشروب روحي. وساد الحفل جو مرح تعالت فيه الضحكات، خاصة بعد أفلح السفرجي في حرق لحيته وهو يضع طبقا على المائدة العامرة بالشموع الموقدة. وعند العاشرة انفض سامر الحفل وغادر الضيوف دار ميلي (ذكر الكاتب آنفا أن الحكمدار اشترط الحضور لحفل العشاء عند منتصف الليل! المترجم). وقام طباخو ميلي بأسلوب سوداني أصيل بدعوة خدم الحكمدار للعشاء معهم في المطبخ.
وفي صباح اليوم التالي زار خورشيد بك حاكم جبال النوبة وموسى بك حكم كردفان (كل على حده) دار ميلي (يبدو أن قبوع حكام الأقاليم في العاصمة تقليد حكومي قديم. المترجم). ولم يبقيا طويلا مع ميلي، والذي كتب لاحقا بأن الحاكمين ربما أتيا لداره فقط لرؤية من معه من نساء.
وزار ميلي بعد ذلك جلسة عمل للحكمدار في صحبة ثلة من الأوربيين بالخرطوم. وأحضر البريد للحكمدار فجعل الرجل يقرأ رسالة واحدة من بين كل 4 أو 5 رسائل، ويقذف بالبقية إلى كاتبه الجالس على الأرض تحت قدميه ليتولى البت فيها.
وكان يوم 31/ 12 هو آخر يوم لميلي في الخرطوم. وكان عشاءه الأخير فيها مع الطبيب بيني والصيدلي روميلي. وقبل سفره أهدى ميلي للكنيسة أكياسا من البطاطس كان قد أحضرها معه من مصر لتزرع في حديقة الكنيسة بعد أن علم بفشلها في زراعة نبات البطاطس بنجاح في السودان. وقبيل السفر لبربر طاف ترجمان ميلي على بعض كبار الموظفين ونفحهم بعض الهدايا باسم ميلي، وأشترى صبيا (سماه الكاتب some poor little Nilote وnigger boy) بمبلغ 5.8 جنيها. وكان من رأي ميلي أن تلك صفقة خاسرة، ليس فقط لارتفاع ثمن الصبي، بل لأن صفاته الفيزيولوجية دلت – كما زعم ميلي -على أنه غير ذكي وبادي التوحش!
وفي صباح أول يوم في العام الجديد تحركت الدهبية وهي تحمل ميلي وعائلته مع كميات ضخمة من الهدايا المتنوعة صوب بربر. وحمل الأوربيون ميلي عشرات الرسائل ليبعثها لأهلهم من مصر، إذ أن خدمات البريد السوداني كانت غاية في السوء.
وفي بربر استقبل حاكمها مع عدد كبير من الناس الباخرة، ورحبوا بميلي ومن معه أشد الترحيب. وقضى ميلي عدة أيام في بربر زار خلالها عددا من الأوربيين خاصة الفرنسيين، كان أبرزهم رجل من بوردو كان يعمل تاجرا للصمغ، وأخبره بأنه قضى في بربر (والتي كان يفضلها على الخرطوم!) كل سنواته في السودان منذ عام 1834م، وتزوج امرأة حبشية في بربر وبقي بها إلى أن مات في 1860م.
وغادر ميلي وصحبه بربر بالجمال في يوم 8/ 1، إلا أنهم اضطروا للتوقف في قرية اسمها قيقةGeiga / Gagee تقع شرق النيل على بعد عشرين ميلا جنوب "أبو حمد" وذلك لمرض ألم بميلي. وتوفي ميلي صباح يوم 19/ 1 ودفن في مقابر تلك القرية بعد أن كفن في بردة كان أحد شيوخ القرية قد أحضرها معه من مكة. وأمر الحكمدار لطيف لاحقا ببناء قبة صغيرة بالطوب على قبر ميلي غدت من المعالم التي يغشاها الرحالة والسواح وغيرهم. غير أن عائلة الرجل في إنجلترا كلفت من يحضر رفاته ليدفن في ليفربول. وفي عهد المهدية أزيل كل أثر للقبر. غير أنه تم، بعد سقوط المهدية، وضع حجر كبير ليدل على موقع قبر ذلك الرحالة.

[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1108

خدمات المحتوى


التعليقات
#1160187 [Quickly]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2014 12:40 AM
مافي اي وصف لأهل المنطقة وعاداتهم وثقافتهم ممارساتهم في ذلك الزمن ؟!!


#1159758 [muslim]
0.00/5 (0 صوت)

11-30-2014 12:09 PM
"في صباح اليوم التالي زار خورشيد بك حاكم جبال النوبة وموسى بك حكم كردفان (كل على حده) دار ميلي (يبدو أن قبوع حكام الأقاليم في العاصمة تقليد حكومي قديم. المترجم). "

Nice comment from the translator:)


ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة