المقالات
السياسة
القابلية للتوحش والإسلام السياسي ومصر والسودان
القابلية للتوحش والإسلام السياسي ومصر والسودان
11-30-2014 03:40 PM


الحكم – قبل النهائي - الذي صدر مؤخرا على الرئيس المصري ومعاونية بالبراءة من دم شهداء ثورة 25 يناير المجيدة الأبرار يراه كثيرون ضربا من التبرئة المذنبة ولو أنه صدر بالإعدام فإن كثيرين أيضا سيرونه بمثابة إعدام ميت. ذلك أن المسألة في نهاية المطاف تقع بين حدين هما أهمية وضرورة القضاء وإلى الأبد على ثقافة الإفلات السلطوي من العقاب؛ لا سيما في جرائم القتل، وأهمية وضروة – بقدر مماثل – أن لا يكون هذا القضاء غرقا في مستنقع التشفي والانتقام "الثوروي" الآسن. والمحصلة النهائية بين هذين الحدين هي التمكين لمبدأ سيادة القانون والمحاسبة التي لا تستثني أحدا ولا يقفز فوقها أحد. ولسنا هنا بصدد مناقشة الشأن المصري في هذا الصدد بقدر ما نحن معنيون بتلمس تأثيرات وتداعيات هذا التطور على شأننا السوداني.
الإحباط السوداني مركب، ف"السمع والبصر والفؤاد" الدولي والإقليمي احتفى بمحاكمة رئيس متهم بقتل بضعة مئات من مواطنيه ولم يهتم بقدر مماثل بمتهم قتل مئات الالاف من مواطنيه. بل شكل استعداد مبارك المسئول – قياسا بآخرين – للتنحي المبكر مقابل عدم تعريض بلاده وشعبه لمزيد من القتل والتشظي مدخلا لمحاكمته بين ما شكلت كنكشة الآخرين في عروشهم المشيدة بالجماجم والجثامين وتفريطهم في وحدة واستقرار البلاد مقابل الاستمرار في السلطة، مجالا لدوائر متنفذة عديدة في المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي للتبضع المتوحش في دماء شعب بأكمله والمضاربة في الاستقرار الاستراتيجي لمساحة شاسعة شديدة الحيوية والتأثير في خارطة أفريقيا والعالم العربي تبلغ مليون ميل مربع.
خيبة الأمل السودانية المندهشة من هذه المفارقة لم تقف عندها. فقد كان الأمل والعشم بأن صدور حكم منطقي على مبارك، أو على أي قاتل سلطوي آخر سيمنح الملايين من ذوي الضحايا السودانيين عزيمة إضافية وتفاؤلا عزيزا أنه من الممكن ذات يوم قريب أن يحدث شيء مماثل للمتهمين السلطويين السودانيين بقتل كثيرين جدا من المواطنين والمتظاهرين. لكن مشهد الثكل المتجدد على وجوه أمهات شهداء ثورة 25 يناير ثبت في الأذهان – مزيدا مزيدا – منظر الحزن والغضب الكظيم على وجوه امهات الشهداء السودانيين الكثيرين جدا.
وماهو أخطر من ذلك، كانت الوحشية الناعمة أو القابلية القصوى للتوحش، تلك التي ظهرت بوضوح قاس في شماتة أنصار المخلوع مبارك من صدمة أمهات الشهداء وذويهم بالحكم الذي صدر. هذه القابلية للتوحش هي المسئولة الرئيسية عن كل ما يصيبنا ويصيب أوطاننا من إبادات وتشظيات وسقوط مستمر في أتون الظلم والفوضى وهي تتبدى في ملامح إصرارنا اليومي المستمر على الخروج كل صباح بأقمصة مكوية وموبايلات مشحونة الكهرباء بينما الغالبية العظمى من السودانيين تتردى بشكل لحظوي مستمر في مهاوي اللاوجود ، اللا حياة، اللا انتصاف.
تظل التجربة السياسية المصرية في مجملها مضيئة وملهمة للسودانيين فيما يتعلق بالتجاوز الشعبي الخلاق لفخ الإسلام السياسي الذي لازالت الخرطوم تتردى في سراديبه المظلمة وتتجرع كأسه التخريبي الدهاق. لكن هذه القابلية القصوى للتوحش والمتمثلة في الانفصال والتشظي الوجداني الانساني عن معاناتنا الجمعية وقلة إحساسنا بآلام بعضنا البعض هي البوابة الواسعة التي سيعود منها هذا الخطر الماحق ليقضي على بنية الدولة هنا وعلى ما بقى منها هناك.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 768

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1160252 [طائر الفينيق]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2014 01:42 AM
أبو شيماء ألست أنت من كتب هذا التعليق, يوم اعتقال الصادق المهدي على الراكوبة ؟؟؟



انا من وجهة نظري الشخصية وتحليلي العلمي والذي ينطلق من المعرفة الكبيرة لي بشخصية الامام المهدي اعتقد ان الرجل مصاب بداء الحسد والغيرة شأنه كشأن اغلب السودانيين وخاصة السياسيين والنخب وذلك ببساطة ان الرجل عندما شعر بما لا تهواه نفسه ولا يتسق مع خطه وخطته المتطلعة دائما للزعامة وتقدم الصفوف والتي لا يملك مؤهلاتها القيادية والادارية سوي (النضم الكتير) عندما شعر بان الحوار الذي اقدمت عليه قيادة الانقاذ حسب رؤيته ربما يفضي الي اطالة عمر النظام وحقنه بادوية انقاذ الحياة (وهي رؤية نرجسية وغير واقعية ) لان النظام هذا تجذرت اوتادته وضربت بقوة في الاعماق لذلك لن يزيده طول بقاء رضاء المعارضة ولن يطيح به سخطها وغضبها حتي ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا
اما تحليلي العلمي والمنطقي فانه ينطلق من معرفتي بشخصية الامام فهو انسان (هراش) يخاف من ضله وقد سبق ان حققت معه في مطلع التسعينات وبالرغم من معاملتي الكريمة له باعتباره انه كان يمثل رمزا للبلاد الا انه كان يرتجف وكل ما نحوله من مكان لاخر لاجراءات فنية كان يسأني بخوف (عليك وادني وين ؟؟-- الحاصل شنو) وكنت ابذل جهدا كبيرا لتطمينه ,, وهنالك الكثير ,, هذا هو الصادق المهدي لا يمكن ان يكون رجل دولة باي حال من الاحوال

[ابو الشيماء]


#1160055 [أبو الشيماء]
1.00/5 (1 صوت)

11-30-2014 06:47 PM
ليس لمصر اي تجربة جديرة بالاتباع ، وأعتقد أن من يصفق للإنقلاب في مصر وجرائمه لا يحق له أن يلوم أي نظام إنقلابي آخر يسحق شعبه. فالإنقلابات مله واحدة وليس هناك إنقلاب محمود وآخر مذموم. أما بالنسبة لتبرئة مبارك فهي الحلقة الأخيرة التي فضح بها النظام الإنقلابي نفسه وأوضح أنه فعلاً ثورة مضادة لثورة 25 يناير ، مع أن الأمر كان واضحاً منذ البداية.
أما بالنسبة لما يسمى بالإسلام السياسي فاعتقد أن مشكلة مصر تتجاوز التيار الإسلامي الذي هو في الواقع مثل الزبد الذي يطفو على السطح. قائد الإنقلاب أوهم مؤيديه أن المشكلة هي الإخوان المسلمين فأخذ ما يسمى بالتفويض فقتل من قتل وسجن من سجن وكنا نتوقع أن يمضي بمشروع وطني يخرج به مصر من المستنقع فإذا به يراوح مكانه وانسد الأفق أمامه تماماً. الإنقلاب على محمد مرسي لم يكن بسبب أنه من الإخوان أو أنه أخطأ ولكن بسبب أن النظام السياسي في مصر لا يمكن أن يكون على رأسه شخص يهدد مصالح الجبش الذي أنشئ أصلاً لخدمة مصالح الكيان الصهيوني في المنطقة العربية وهو أمر لا يتورع الصهاينة من البوح به. إذن أي قائد وطني في مصر بصرف النظر عن اتجاهه الفكري لا يمكن أن يحكم ما لم يتلق مباركة الجيش وأسياده. هذه هي الحلقة التي يفتقر إليها العديد من المحللين.
إن أي شخص يؤيد ضرب المعارضة المصرية سواء كانت معارضة إسلامية أو ليبرالية لا يستحق أن يعيش إلا مقهوراً. ذلك لأن الشخص الحر يحب الحرية له ولغيره. إذا كنت تفرح لأن شخصاً ما أن تكرهه يتعرض لاضطهاد فأنت لا تستحق أن تتمتع بالحرية.


فتحي البحيري
فتحي البحيري

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة