12-02-2014 08:10 PM

ربما جاء العنوان متأخر فالذي سرقنا اعمارالسودانيين وأموالهم واحلامهم معروف منذ ربع قرن. .وبالطبع كان من المستحيل اخراج عمل بأسم كهذا في تلك الأيام المظلمة. لكن العرض يحمل الكثير من التساؤلات .فهل أرادنا الكاتب أن نكمل العنوان بسؤال ( السرقونا إتعرفو.. كيف نرجع حقوقنا؟)

.فكرة إستعادة الشباب قديمة إلا ان موضوعها متجدد. نجح الكاتب علي ابنعوف في إنزاله على واقع سوداني مأزوم. واقع يمسك فيه الإجتماعي بنسيج رقيق يتجاذبه السياسي والإقتصادي بقسوة. السياسي بإستبداده والإقتصادي بجشعه. وهما هنا وجهان لعملة واحدة
كما ان جدلية التصادم بين أخلاق القرية وقيمها مع إيقاع المدينة المتسارع وإنتهازية بعض من أبناء المدن وإستغلالهم لطيبة القادمين من الريف. موضوع تم التطرق إليه كثيرا إلا ان المعالجة تعتبر مواكبة والرؤية نفذت إلي جوهر الأزمة السودانية
لا يشبع الجشع ابدا هاهو يريد ان يعود مزيد من الزمن ليستمتع بالأموال التي إكتسبها. فليلجأ لتجربة تعيد الشباب لكنه يفشل فيها وتاتي بنتائج عكسية تماما.

وجود صلاحيات كبيرة للسلطات تتيح لها الحذف والمنع في كثير من الحالات. تلجئ الكاتب أو المخرج للرمز و الإشارات البعيدة التي تستوجب التفكير العميق. هنالك تأويل بعيد لكنه يبدو محتمل .
فهل البروفسور الفاشل في تجربته هو رمز لأثرياء السلطة؟.أنه يمتلك المال (الصيدلية) والإعلام (الجريدة) والتساؤل يتمتد حتى شهاداته . كما نجده يريد ان يمتلك الشباب والجمال(الصيدلانية الشابة ) بالتجربة وبالمال .يمارس إنتهازيته لسرقة نتيجة التجربة وينسب النجاح لنفسه . لكنه عند إعتقاده بفشل التجربة يتنصل تماما منها.
اهل لإدعاء اللص بسكنه في مبنى المحلية- رمز السلطة- دلالة ما ؟
هل عودة البروفسيور للحوار مع الصيدلانية حنان( عائشة ساغة) بعد خروجه من المسرح. تعني أهمية العوده إلى الداخل للحوار بدلا عن الخروج واللجوء لوسائل أخرى؟
قامت المسرحية نيابة عنا بتجريب خيار العودة بالزمن على إستحالته لتثبت للحالمين أنه ليس حل وإنما أمنية مستحيلة.
يبدو ان كثيرين يتمنون استعادة سنوات من أعمارهم . إلا ان الرسالة(سميرة سعد) زوجة حاج أحمد (عماد فقيري بإقتدار) كان لها رأي آخر. رفضت توسلات زوجها لتعود مثله شابة..كانت مقتنعة بأن عمرها قضته في ماهو طيب وجميل وهما أمران يقومان على المشقة التي تحقق الإنجازات الجيدة فلماذا تريد أن تعود للوراء ثانية؟

عودة الشباب لحاج أحمد أفقده امور جميلة . أختفت القيم الطيبة التي حملها معه من القرية وحلت إنتهازية مستنكرة في الريف. وهي بعض امراض المدن. وأعراضها ظهرت بسرعة عليه .حاج احمد الشاب يساوم حنان على الزواج منه لعدم توقعه وجود تركيبة تعيده كما كان.

بعودة حاج أحمد لحالته الأولى تعود له أصالة القرية. ينزاح كابوس الشباب الذي سلبه في زمن قصير جدا الأمور الجميلة في حياته.
هل يود المخرج ان يقول ان أمنيات الناس بالعودة للمربع الأول .هي أمنية براقة فقط وليست كما تبدو من بعيد؟
ان لا جدوى من التفكير في الماضي وان الأجدى هو التركيز في المستقبل؟
هل يريدنا الكاتب والمخرجون أن ننتقل خطوة للإمام؟

كل هذه تساؤلات تشغل عقل المتفرج. تجعل العرض لوحة ممتعة قابلة لمختلف القراءات.

تماسك العرض ونجاحه في عتقادي يعود بالدرجة الأولي لهذا الشغف والتفاني الذي يحسه المرء في كل المجموعة. يدهش المرء حين يجد الدور القوي الذي يلعبه الكومبارس في تجسيد حركة السوق وتجسيد عادية المشاهد بصورة مقنعة جدا.
كما ان ادوارهم المساعدة تدعم العمل بشكل فعال في صمت. حركة البيع من الصيدلية حركة المارة إندهاشهم للتغير الذي طال حاج أحمد.رقصاتهم المصاحبة .
العرض الناجح لا يقوم على نص جيد فحسب بل على تنفيذ جيد أيضا. وهذا يحدث عندما يكون هنالك شغف للعمل والإستعداد للتضحية بالوقت والجهد والمال لإنجاح العمل.
المسرحية بفصليها وديكورها الثابت تشد الحضور حتى النهاية. ثبات الديكور تقابله حركة متواصلة. .
المخرجون نجحوا في نقل جزء من السوق إلى داخل المسرح . حملت بضعة أمتار مكونات الشارع السوداني دون تصادم أو تداخل أنسابت الحركة عادية مقنعة تماما للمتفرج.
العرض رغم خلوه من المفاجآت إلا انه نجح في إبقاء الجمهور في المقاعد حتى النهاية.
ان تجذب بعض الجمهور في ليل الشتاء وتبقيه حتى نهاية العرض امر ليس سهل.
اللغة سهلة ومفهومة من الريف والمدينة وغير غارقة في المحلية المتكلفة التي إعتدنا عليها في كثير من الأعمال الدرامية.كما ان االأداء بصفة عامة غير متكلف.
هذا يؤكد قدرات الممثل السوداني الهائلة العفوية والتي غالبا ما يطيح بها الإخراج غير الجيد. وإصطناع المشاهد غير المقنعة.

العرض محفز ويساهم مع غيره من العروض في إستعادة المسرح السوداني المغيب بفعل الظروف السياسية والإقتصادية التيى صنعتها الظروف السياسية أيضا.
عظم المسرحية يقبل الكثير من الحمولات المفيدة في حال وجد مناخ أكثر حرية.
قدم المخرج عبد الحكيم الطاهر مجموعة من الوجوه.وهي التجربة الأولى لمزمل التريكي كمخرج منفذ. الأداء مقنع من الجميع وممتاز من العمالقة فقيري ورضا و هيثم كابو و عباس اللفيف ومعتصم مصطفى وعمارآدم .

الوجوه الجديدة تعرف أدوارها وتتقنها وهذا مفتاح النجاح في العروض الجماهيرية . إرتجالات الأبطال كانت في وقت مضى تحقق تجاوب الجمهور الآن دور االإعداد الجيد الذي يقوم على خيال المؤلف ورؤية المخرج وقوة أداء الممثلون المشبعون بالشخصيات المعينة.

نختلف مع الكاتب والمخرج في مشهد هروب الجميع عند رؤيتهم للصيدلانية على الأرض.
الهروب من مساعدة شخص يحتاج المساعدة ملقى على الأرض ليس من شيم السودانيين فهم أهل مروءة وشهامة . يتداعون بسرعة لإعانة المريض ويبادرون للمساعدة والإسعاف .البعض يتحمس ويبادر بالعلاج والتحقيق حتى دون دراية. أيضا من تناقاضات الإستعراض الغنائي أنه يدعو للسودانوية علي إيقاع الراب.
هنالك عدد من المنح من اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية لدعم الآداب و الفنون وحفظ التراث لكنها لا تجد طريقها للمبدعين. (نذكر بعنوان المسرحية) لذا تستحق شركات كبيرة مثل كولدير وشركة عبد اللطيف(بيبي كان) الإشادة .القطاع الخاص شريك أساسي في عملية تطوير المجتمعات ومساعدتها اللإرتقاء بفنونهاو آدابها.
لم تمتلي جميع مقاعد قاعة الصداقة لكن المسرح إمتلأ بشغف المؤدون.
مغريات التقنية الحديثة قد تقلل من حماس البعض للخروج في ليل الشتاء لحضور عرض مسرحي لكن متعة العروض الحية تجعل المبادرون بالخروج من الغرف المغلقة يثقون في شجاعتهم على إتخاذ القرار. وربما تحفيزهم لإجتراح عمل ما مثل كتابة مقال .

السرقونا اتعرفونا عنوان يطرح تساؤلات كبري ومصيرية.أحدها:
وجد حاج أحمد اللص الذي إحتال عليه واستعاد ماله .وعرف محمد احمد السوداني الذين سرقوا – ولا يزالون- عمره وأمواله . فكيف يستعيد ما سرق منه؟
ربما في مسرحية تحمل اسم مثل ( جاتكم تارة).

أمنياتنا بالتوفيق.
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1405

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




منير عوض التريكي
منير عوض التريكي

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة