12-08-2014 02:42 PM

في خطاب الملك السعودي في شهر أغسطس الفائت عبر فيه عن عدم الرضاء عن المشايخ ورجال الدين في محاربتهم للفكر المتطرف وكانت عبارته تلك مفتاح فهم لطبيعة ما يجري في العالم العربي والإسلامي حينما قال فيكم الكسل وفيكم الصمت. وبعده كتب المفكر تركي الحمد مخاطب الملك"إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرميين. يوضح تركي الحمد أن الصمت الذي فيهم والكسل الذي فيهم أي المشايخ سببه أن هولاء الشيوخ ينام في تلافيف عقولهم نفس الفكر المتطرف الذي يتعطاه المتطرفون كأفيون يجعلهم يمارسون بربريتهم وحشيتهم المفرطة.
تذكرني مقولة تركي الحمد أن أزمة الفكر هي التي قد قادت الى مثل هذا الجنون الجماعي الذي ينظم طقوسه الوحشية خطاب الإسلام السياسي المنغلق بفكر الفيلسوفة الألمانية حنا أرندت" إن المساوة والحرية لم تك منحة طبيعة. إن الحرية والمساواة مصنوعتان وهما منتجات الجهد الإنساني ومن صفات العالم الذي خلقه الإنسان"
ما أحوجنا الى هذا الجهد الإنساني الذي يستطيع أن يخلق فضاء يستوعب الحرية قولا وفعل في سودان ظل منذ ربع قرن تسيطر عليه جماعة الإسلام السياسي الذي ينطبق عليهم قول الملك عبد الله فيكم كسل وفيكم صمت وينطبق عليهم قول تركي الحمد إنها أزمة فكر لا أزمة فعل.
فطنت السعودية لخطورة الخطاب الديني المنغلق وكونت حلف سيكون كالستار الحديدي مع مصر ودول الخليج ضد خطورة الجماعات الإسلامية. ورأس المال الإجتماعي لتونس جعل التونسيين ينتصرون للحرية في الإنتخابات الأخيرة.
هل سيكون نداء السودان فرصة أخيرة لكي نكون جزء من أمشاج العالم الذي يتخلق ليولد من جديد؟
الإجابة ستكون نعم إذا آمنا أن الحرية والمساوة لم تكن منحة طبيعة بل من منتجات الجهد الإنساني ومن صفات العالم الذي خلقه الإنسان.في الدين الذي يقبله العقل بعد غربلة التراث سيعرف الإنسان إن الله قد وضع ثقته في الإنسان وجعل الإنسان قادر على أن يعيش في عالم من خلقه. فلا ينبغي أن نترك ما بيننا والله من وسيط كالدور الذي يلعبه تجار الدين اليوم.
إن إيمان العرب بفكرة المستبد العادل قد إستنفدت وقودها و وقفت عن السير لأن عقل العالم اليوم قد فطن الى أن العدالة تمثل نقطة التوازن ما بين الإستبداد وتفسخ الدولة. فأين يجد الحاكم المستبد شرعيته مع مقولة حنا أرندت الحق في الحقوق. لذلك يجب أن يكون نداء السودان بمثابة نداء الحق في الحقوق.ففي ظل الحق في الحقوق حسب فكر حنا أرندت تنخلق حالة من المساواة الإجتماعية ليس لأن الناس متساويين بل لأنهم بالطبيعة غير متساويين لذلك وجب صناعة تجربة بداية جديدة تساعدهم على العيش متحرريين ومتساويين أمام الطبيعة القانونية. ونفس الفهم لحنا أرندت يشاركها فيه جون راولز في نظرية العدالة وحجاب الجهالة.
فالحق في الحقوق لا يمكن أن يكون في ظل نظام فاشي كنظام الإنقاذ ولا تحت أفكار أحزاب طائفية ولا أحزاب تقود أيدولوجياتها الى نظم شمولية. فنداء السودان يجب أن يكون من أجل إسقاط نظام الإنقاذ وفرصة لمجابهة الصادق المهدي من أجل توضيح موقفه من طائفية الخواء والعدم وهل سيختار ديمقراطية الإشراق والوضوح. نداء السودان يجب أن يكون نداء الحق في الحقوق لنخب لا تخدم الطائفية ولا تتعشم في أيدولوجيات تفضي الي نظم شمولية. فحتى النيو لبرالية لفردريك حايك حينما قاربت حدود الأيدولوجية وزعمت أنها تستطيع حل مشاكل العالم أوصلت العالم الى الأزمة الإقتصادية الراهنة. فالعالم اليوم أي المتقدم الذي لم تشغله مشاكل نظم الحكم كحالنا يفكر في فكرة الإقتصاد الإيجابي وهناك من يفكر في طريق ثالث تقوده لبرالية إجتماعية تستطيع أن توازن ما بين ثنائية العدالة والحرية. فمسألة إنتخاب الشعوب الى مصاف الدول المتقدمة ليست بالمسألة السهلة فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى الآن إستطاعت الهند والصين والبرازيل وجنوب افريقيا وتستطيع أن تضيف من عندك ما شئت ولكن لا يمكنك أن تجد أكثر من ثلاثة دول أخرى فمسألة إنتخاب الأمم ليست بالمسألة السهلة. فنداء السودان يجب أن يفكر عن سلطة ودستور ورئيس مساءل أمام الشعب وليس رئيس هارب من وجه العدالة.
العالم العربي والإسلامي يعيش الأيام الأخيرة لألفية الإمام الغزالي وإنتصاره علي عقل ابن رشد الذي إنتصر فكره في أروبا أيام إنتصار تلاميذ ابن رشد على تلاميذ توما الإكويني واليوم سيعود فكر ابن رشد منتصر علي فكر الإمام الغزالي الذي يمثل روح القوانين لخطاب الإسلام السياسي المنغلق وحينها لا يبقي للصادق المهدي أي حيلة كما تعود أن تكون حيله في فكر الصحوة وأهل القبلة والإحياء. ففكرة إحياء علوم الدين للغزالي قد إستنفدت ألفيتها. والمعروف أن لا حيلة مع حيل العقل ومكر التاريخ كما يقول هيغل وكما في إستقراء منطق إبن خلدون. فمن يغلق الأبواب الأمامية للتاريخ فليتوقع الإنفجارات من الأبواب الخلفية و من ثم الطوفان.
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 591

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طاهر عمر
مساحة اعلانية
تقييم
7.75/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة