12-18-2014 08:22 PM


(1)
ما تشهده ساحة العمل السياسي السوداني اليوم من ماراثون محموم، طرفاه تكتل القوى المعارضة التي وقَّعت مؤخرا في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا على وثيقة (نداء السودان)، تقابله الكتلة الإسلاموية التي تتقارب أطرافها المتفاصلة بقوة جذب المصالح المشتركة وحب المحافظة علي الذات؛ هذا الحراك يمثل نذر عملية (استقلاب سياسي) حان أوان حدوثها ستجري على سنة عملية ((الهدم والبناء داخل خلايا)) الجسم البشري، وهي السبيل الوحيد المتبقي اليوم أمام المجتمع السوداني لاستعادة العملية السياسية لصحتها وتعافيها من بؤس الممارسات السياسية السابقة؛ حيث من المؤمل أن يحدث هذا التفاعل فرزا جذريا عميقا بين الكتلة التاريخية الداعية للانكفاء نحو الماضي والتقهقر إيغالا في ظلماته، والكتلة الوطنية المتطلعة لانعتاق الوطن من عصور الجهل والخرافة، والمضي قدما نحو فجر دولة المواطنة المدنية الديمقراطية ودون هذا الفرز الخراب الشامل وضياع وحدة السودان.
(2)
وليس من سبيل لاستعادة العمل السياسي لتوازنه ورشده والمحافظة على الدولة السودانية، ما لم يتعرض كامل المشهد السياسي الحالي لهزة عنيفة (الريخترات) تعيد ترتيب أسسه البنيوية على أساس يخدم ويسرِّع عملية هدم العقليات القديمة والقيم والسلوكيات التي استنفذت قوة دفعها الايجابي وغدت عالة على المجتمع، ومن ثم العمل الجاد على إعادة إنتاج قيادات فاعلة متجردة تراعي مصالح الوطن العليا، وتؤمن بقيم وأفكار قائمة على النزاهة والرؤى الاستراتيجي العلمية؛ تمكنها من قيادة المجتمع وفق معايير رشيدة ترتقي تلقائيا بفعالية المواعين المنظمة لنشاط الجماهير، وتدفعها نحو أداء دورها المرجو في عملية البناء والسير بالوطن نحو أفاق التقدم والازدهار.
(3)
والأمر أيضا يعتمد على مدى احتمال المواعين السياسية القائمة لتفاعلات عملية الاستقلاب الحيوية المعقدة ونجاحها من بعد في عقد شراكة إستراتيجية بين بعضها البعض - منظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية - وجعل هذا التحالف رأس الرمح في كافة أوجه الحراك المجتمعي باعتباره قاطرة التغيير الحقيقية التي تستطيع إعادة صياغة المفاهيم والرؤى المجتمعية بما يدعم مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي فالتنظيمات السياسية والمدنية أيا كانت ليس الغرض من إنشائها مجرد التواجد والشعارات، وإنما الغاية من وجودها هو المساهمة في إحداث التغيير وملاحقة إيقاع العصر وتحصيل النتائج الايجابية التي تلبي طموحات المجتمع، في نشر الوعي وتحفيز المواطن ليضطلع بالأدوار الوطنية المطلوبة منه لبناء دولة معافاة قادرة على مواكبة التقدم الإنساني والاسهام فيه.
(4)
واقع حال السودان اليوم بعد ربع قرن من حكم النظام الإسلاموي يبدو بعيدا كل البعد عن هذه الغايات، وتنذر الأزمة الوطنية التي يرزح تحت عبائها بشر مستطير، فهو يوغل بقوة دفع حماقات الحركة الإسلامية السودانية في عمق أزمة وطنية طاحنة يصعب الخروج من شباكها، أو الفكاك منها، وإيجاد تسوية لتعقيداتها دون انجاز عملية (استقلاب سياسي) متكاملة، يقوم فيها الجسد السياسي السوداني عبر مسارات البناء والهدم بالتخلص من الأنسجة الهرمة، وبناء أنسجة شابة تتولى أمر قيادة حراك التغيير، وتمضي به قدما بطاقة حيوية متجددة قادرة على تخطي عقم أدوات النضال السابقة، واجتراح ممارسات سياسية حكيمة تحتوي سبيكة صهارتها على المبدئي الأخلاقي، بجانب العملي البراغماتي، في تناغم يغرس بذور قيم ومعايير حديثة، تعيد صياغة العقل الجمعي؛ وترتب الأولويات الوطنية وفق فهم جديد، يضع مصالح الدولة فوق ما دونها من مصالح شخصية وحزبية.
(5)
لقد آن أوان انجاز هذه المهمة السياسية الحيوية بالتوازي مع مسعى التخلص من سقم النظام الحالي، باعتبار أن النظام الإسلاموي -الذي وصل للسلطة عن طريق الانقلاب، وخرق الشرعية الدستورية، ثم استمر يحكم طوال هذا المدة- هو تعبير ومظهر من مظاهر الأزمة الوطنية ، الكامنة في الجسد الوطني منذ الاستقلال، وتتجاهل مكونات المشهد السياسي السوداني تأثيراتها السالبة، وترفض مجرد الاعتراف بها خشية دفع استحقاقات حلها، إلى أن سبق السيف العذل وتمكنت الحركة الإسلامية من السطو ليلا على البلاد، وراحت تمارس هوس برامجها الاقصائية، كاشفة عورة الجميع ؛ فقد عجزت مكونات المشهد السياسي القائم عن ردعها، والتصدي لخطر مشاريعها.
(6)
لقد بات جليا أن ما يوفر الأوكسجين للنظام الحركة الإسلامية المتهالك، ويطبع على شفتيه قبلة الحياة ليستمر في الحكم رغم الوهن والعزلة، هو التناقضات الثانوية بين مكونات المعارضة والتي أحسن النظام اللعب عليها، فغدا يتلون ويتخذ الموقف ونقيضه، فيطرح مبادرة للحوار الوطني ويعتقل محاوريه في ذات الوقت، لإرباك المشهد السياسي وكسب الوقت، ورغم استهلاكه الفج لهذا التكتيك لا زالت بعض مكونات الكيان المعارض تلدغ من جحره المرة تلو الأخرى، وفي هذا أيضا دلالة على ضرورة انجاز (استقلاب سياسي) يعيد ترتيب تناقضات الكيان المعارض ، ويعري تناقضات المشهد السياسي الكلية؛ لتتمكن القوى الثورية من تحديد (التناقض الأساس) بدقة، وتميز بينه وبين (التناقضات الثانوية) التي تشغل حيز مقدرا من تفكير كثير من القوى المعارضة وبتالي تأخر عملية نضوج اشتراطات الأزمة الثورية.
(7)
إن فشل مكونات الجسد المعارض في تحريك جماهيرها طوال ربع قرن، رغم أن الجماهير قد تحركت عشوائيا في أحيان كثيرة من تلقاء نفسها، وخاضت المواجهة عُزَّلاً ضد نظام مدجج بالسلاح، وسوء الخلق، دون أن تجد السند التنظيمي، وهذا شاهد ثاني يؤكد عمق أزمة مكونات المعارضة، فمهما حاول البعض تبرير الضعف وإرجاعه لطبيعة النظام العقائدي الباطش، وعدم توانيه في استخدام العنف المفرط ضد معارضيه -وهو صحيح- إلا أن هذا الواقع لا ينفي حقيقة ضعف أحزاب المعارضة، وهوانها، فلو وجدت السلطة الغاشمة ندًّا قويا ومهابا لما استمرأت اتخاذ العنف نهجا لحوارها معه؛ فمن الأجدى لمكونات المعارضة من أحزاب ومنظمات الاعتراف بأزماتها الداخلية، والعمل الجاد على حلها، وتوفيق أوضاعها حتى تسترد ثقة الجماهير (ففاقد الشيء لا يعطيه)، وحينها يسهل أمر إنقاذ الوطن من مخالب الحركة الإسلامية، وإرساء دعائم مشهد سياسي معافى.
(8)
ليس المقصود من هذه الدعوة في هذه المرحلة الحساسة تأجيل قضية تغير النظام، والتفرغ لتحديث الذوات التنظيمية ، مهملين أمر حل الأزمة الوطنية الكبرى، إنما المقصود أن تمضي مساعي التحديث و(الاستقلاب السياسي) بتوازٍ مع حراك التغير؛ حتى نتمكن من أنتاج واقع سياسي جديد تحكمه معادلات سياسية أكثر انضباطا تجنب الوطن والساحة السياسية إعادة تكرار الإخفاق الذي لازم ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة إبريل 1985م؛ فالتحلي بنهج وفكر ثوري جديد، والتخلي عن عقم الممارسات الحزبية القديمة داخل المواعين التنظيمية، وخارجها أوساط التحالفات البينية والاهتمام بنشر الوعي وقيم الديمقراطية، قضية حيوية تضمن سلامة المخرج الثوري، وتقيه شر الاختطاف، والسرقة على يد قوى الثورة المضادة.
الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 16/12/2014م

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 739

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1172286 [شاهد اثبات]
0.00/5 (0 صوت)

12-19-2014 01:07 AM
اقتباس-واقع حال السودان اليوم بعد ربع قرن من حكم النظام الإسلاموي يبدو بعيدا كل البعد عن هذه الغايات، وتنذر الأزمة الوطنية التي يرزح تحت عبائها بشر مستطير انتهى اقتباس
وهل الاخوان المسلمين هم الوباء الوحيد الجانا من مصر وجاب الانقلابات المؤدلجة معاه؟
لم يكن هناك ادنى تغيير بل مسخ بعد الاستقلال 1 يناير 1956 وظلت ازمة السودان في المركز وبدات عملية المسخ الحضاري والفكري والثقافي والسياسي للسودان ياستيراد الايدولجيات "المصرية"...
1- تم مسخ العلم والشعار والتعليم والخدمةالمدنية والقوات النظاميةوالامن والاقتصاد في انقلاب القوميين والشيوعيين 1969
2- اما مسخ القضاء-قوانين سبتمبر والاقتصاد-البنوك الاسلامية في التمكين الاول للاخوان المسلمين 1983 واخيرا السودان نفسه بانفصال الجنوب تم بفعل ثالثة الاثافي القادمة من مصر "الاخوان المسلمين وانقلاب الانقاذ 1989
السؤال هل في السودان ما كان في مشاريع دولة مدنية فدرالية ديموقراطية على اسس ديموقراطية وست منستر قبل ما نستورد دولة "الزعيم "والراعي والرعية والريع والرعاع بوجوها الثلاثة من مصر؟؟
وماذا عن
1- اسس دستور السودان 1955- الحزب الجمهوري
2- اتفاقية اديس ابابا 1972 والحكم الاقليمي اللامركزي
3- اتفاقية نيفاشا ودستور 2005 المتضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمحكمة الدستورية العليا...
الفزر الحقيقي "الاستقلاب السياسي كان مفروض يتم يوم قيامة الساحة الخضراء 2005 لو اصطفت كل القوى السياسة المحترمة والديموقراطية خلف الحركة الشعبية"الاصل" فقط..ورفضت واقع جديد على نظام الانقاذ المنتهي الصلاحية
اما "نداء السودان" فهو اعادة تدوير وليس تغيير ومع نفس الناس بتاعين اكتوبر 1964 و ابريل 1985
والاستقلاب السياسي يطلب وجوه جديدة وابداع سياسي جديد....


#1172097 [تيسير حسن إدريس فضل الله]
0.00/5 (0 صوت)

12-18-2014 09:39 PM
السادة هيئة تحرير صحيفة الراكوبة المحترمين
التحيات النواضر وبعد
احب ان الفت نظر سيادتكم بأن مقالي لهذا الاسبوع قد نشر تحت عنوان مختلف عن العنوان المرسل في رأس المقال فقد تم تبديل لفظ (الاستقلال) بلفظ (الاستقلاب) جوهر فكرة المقال مما افقد المقال قيمته وادخل من اطلع عليه في ارباك.
ارجو منكم شاكرا عمل ما يلزم تجاه تعديل العنوان وفقا لما هو وارد طي المقال.
مع وافر الود والاحترام
تيسير حسن إدريس


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة