المقالات
السياسة
حباً... جاءكم الإستقلال
حباً... جاءكم الإستقلال
12-21-2014 10:36 PM


أيام تفصلنا عنا ذكرى الاستقلال المجيد وفي الخاطرة والبال ما يعتمل من اشجان من حب لهذا الوطن ونبحث في المساحات الداخلية عن قصاصات حب نبرزها في هذه الايام عسى ولعل توقظ فينا مخذون صار يتضاءل بشكل مخيف مع دورة الخزي التي نيعشها . دورة ولشدة وطئتها علينا بدأت تتمادى الى نقاط كنا نصونها متينة في وجه المأسي . هل اصبح هذا الوطن واحد من المتغيرات؟ هل يعقل ان تغطي الهالات السوداء خارطته الوضيئة في وجداننا . هذا ما نحاول الخروج به من خلال تداعينا هذا .
ان تزامن ايام الاستقلال مع احتفالات رأس السنة والتي تمثل لكثير من الناس مناسبة ينتظرها سنوياً مركزاً جل فكره وجهده للاحتفالات الساهرة او الخروج صباحا في ( رحل) تأخذ يومه او اعتبار بعضنا ان هذا اليوم مناسبة لملازمة النوم . لدليل على هشاشة وعينا الوطني فالكل يستعد للسهر والكل يرفع سقف توقعاته للخروج من هذه المناسبة بمتعة بتواقيع آنية ماجنة في معظمها. يأتي هذا اليوم ولا واحد فينا استعد وجدانيا ليعطي هذا الوطن الغائب لشهور في وجدانه لحظات او كلمات يذكره بها فالكل مفتون ومأخوذ باحتفالية رأس السنة الميلادية مسلمهم ومسيحيهم . الوطن هذا اليتيم وضعنا له في اجندتنا الباهتة يوم واحد يوم ولحظ هذا الوطن جاء مغيبا بمناسبة يعتبرها ابناءه العاقين مناسبة للّهو والمجون وان كانت مناسبة دينية للبعض ولكن حتى هذا البعض يمارس تدينه بها سهرا في شارع النيل والمطار لعبا ولهوا وقذفا بالبيض والماء . ليصبح عليه الصباح مرهقاً مترنحاً منهكاً لا يعرف ماهذا الصباح ، هذا الصباح هو صباح الوطن هذا اليوم هو اليوم الذي يحتاجك فيه الوطن يقظاً متفتحاً مقبلاً عليه بكل احاسيسك واعياً بان دينه على عاتقك لا تؤديه عنك وان وقفت كل ساعاته حباً وإجلالاً.
نتعلم من الشعوب كيف تحب اوطانها . سنوات عشناها في هذا البلد الخليجي ( قطر ) ولو ترى اعينك لرأت العجب من تفاني هذا الشعب لوطنه وتسابقهم وتباريهم في ابراز حبهم له بكل ما أوتو من امكانات وأفكار . يأتي عليهم يومهم هذا يوم باربع وعشرين ساعة ولكن بالنسبة لهم يوم تحكي كل ثانية فيه عشق سرمدي أخذ بشغاف القلوب والالباب . الكل يباري الكل هنا لابراز مدى حبه وتفانيه لوطنه . يبدأ المواطنون ومنذ بداية شهر ديسمبر والذي يصادف الثامن عشر منه يومهم الوطني يبدأون في تطريز الاعلام الضخمة والتي يتنافس الجميع في ابراز جمالها وضخامتها بحيث تغطى واجهات الابنية الضخمة والبيوت . كما تزين السيارات باعلام وصور امراءهم . ان هذا الفعل البسيط العميق في مداليله مدرسة تربي النشء منذ نعومة اظافرهم بان لهذا الوطن دين على كل حر . هل نحن السودانين صرنا عبيدا للمارساتنا الماجنة للحد الذي نقتل بمجوننا يوم الوطن بهذا الشكل ؟
نعم ان الشعوب الحرة الابية هي التي تعلم ان الوطن شئ يجب ان يضع في حدقات العيون وان للوطن مناسبات لزاماً علينا فيها ان نبرز فيها هذا الحرية التي كفلها لنا ولكننا نحن السودانيون ولاننا عبيد شهواتنا ومأسوري فروجنا لا نفتى نتخذ كل مناسبة وطنية او غيرها لابراز هذه العبودية حتى مناسباتنا الدينية ، فالكثير منا يعتبر بداية رمضان مناسبة لدمغ احتفاليته الشهوانية بختم المجون فاستحدثنا ( خم الرماد ) توديعاً لشهواتنا لايام عجاف . وكثير منا ينتظر العيد لفك حصار شهوته وغرائزه . ومناسبة اعياد الاضحي عندنا ليس مناسبة للسموء الروحاني في هذه الايام المباركات انما هي مواسم (الشربوت ) والولغ في ملزات النفس الدنيئة .
نحن شعب صادرنا حقوقنا بأنفسنا ونأتي لنرمي بها في وجه الحكومات . الكثير منا يعتبر الاحتفال بعيد الاستقلال صباحا هو شئ يخص الحكومة للحد الذي درجت عليه الحكومة إلزام موظفيها للحضور صباحاً لميادين الاحتفال . متناسين ان هذه مناسبة وطنية لايلزم التعبير عنها التراص مع الحكومة او غيرها ولكن إن كان فينا ذرة حب لهذا الوطن لاستحدثنا احتفالاتنا بالطريقة التي نراها بعيدا عن الحكومة ولكننا ولاننا شعب ميت نعتبر هذا اليوم هو يوم اما للنوم او الخروج فيها صباحاً ( للرحل ) ومن بخلنا على الوطن لم نتصدق عليه حتى بأسم لهذه الرحلات فنحن نقول ( رحلة رأس السنة ) و ( حفلة رأس السنة ) حيث انه موسم يشحذ فيه فنانونا حلاقيمهم لإتحافنا بنسيان وطننا باغاني الحب والغزل من غير ان يستحدث واحد فيهم فاصلاً يخصصه في حفلته الصاخبة هذه لاغنية للوطن أو يذكر ان هذا اليوم وهو يوم استقلالنا .
مؤسفة هذه الحالة النفسية الوطنية المتهتكة التي نعاني منها لا يعقل ان يكون الوطن بالنسبة لنا شئ ننتمي اليه اسمياً فقط . والخبر الذي نطالعه في بعض الصحف منذ أيام بتنازل بعض الافراد عن جنسيتهم السودانية طوعاً لصالح جنسياتهم الاوربية الجديدة المستحدثة ( لست اكيد من الخبر ولكن لا يستبعد ) لدليل على ان الكثير عندما يضع الوطن في موازاناته الخاصة يكون الوطن خاسراً . الحال التي وصل اليها السودان ضعضع تماسك كثيراً من الركائز التي لم تكن لتضعف لو ان الحالة داخل البلد لم تكن بهذا السوء . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه . هل هذا الشئ ممكن؟ هل يعقل ان يأتي يوم نتخلى فيه عن سودانيتنا الوجدانية طوعاً لو اعتبرنا ان المدخل لهذا الشئ هو هذه الاوراق الثبوتية التي نبرزها عند بعض الكاونترات . الا يعتبر التخلي عن بعض الاوراق هو ترجمة لاحساس داخلي قُهر مع مر السنين والأزمات الى ان وصل الى حد التشبع فصار سيان عنده التمسك بها او التخلي عنها الا تعتبر هذه الرمزية مدرجة تمهد لابناءنا في المستقبل بان هذا الوطن ماهو الا متغير يمكن ان نتخلى عنه عند او اول مفترق مصالح ؟ ان الاحداث الصغيرة والسلوكيات التي لا نرمي لها بالاً هي مايصنعنا وما يصنع تاريخنا . ومع تاريخ وطنيتنا الضعيف هذا لا تحتاج هذه الاحداث لكثرة وتكاثف حتى تقصمنا فنحن فالاصل مضعضعين وطنياً ومهيئين في اي لحظة ان نتنازل عن هويتنا .
إذاً هذه مناسبة تطل علينا ونحن نحاول ان نجمع شتات انفسنا لنمنح هذا الوطن مايستحق ، بما اننا شعب احترف رمي سؤاته على التاريخ والزمن هاهو التاريخ يأتينا معبأ بالوطن ، التاريخ والزمان هو ما اعطانا كينونتنا التي نحن عليها فنحن شعب انكر التاريخ وانكر احقيته لهذا الوطن عندما طمر تأريخ اجداده العظماء منذ الاف السنين تحت دواعي العروبة واستنسخ لنفسه تاريخ حديث بغيض لا يتعدي مئات السنين الا يعتبر هذا انسلاخ عن الوطن والتأريخ ان نرجع احقيتنا التأريخية لبضع المئات من السنين واحقيتنا الجينية لبعض الشعوب التي تنكرنا أساساً . نحن شعب يتخلي عن أشياءه فما عيب علينا ان نرمي تاريخنا ونهرول خلف تواريخ مزورة ولا عيب عندنا ان نتخلنا عن ( اصوليتنا ) ونركض خلف دواعي عنصرية اعلت فينا البخس النفسي والاجتماعي فبخسنا حتى تاريخنا ووطنيتنا .
كيف يُعلى صوت الوطنية فينا ونحن تشبعنا بمناهج عبثت بوجداننا منذ الصغر وأرضعته ان المعاني السامية والاخلاق الكريمة والنزيهة والشريفة لا يمكن ان تكون الا عربية ، فالكرم عربي والشجاعة عربية وكل ماهو جميل عربي وكل ماهو قبيح للاعاجم فركضنا تجاه العروبة وانكرنا عجميتنا المبخسة . كيف نكون سودانيون ونحن لا ندرس عن بعانخي وعن كوش والبجراوية وغيرها . من الذي طمر مناهجنا بالفتوحات والغزوات العربية واستكثر على جدودنا فتوحاتهم التي وصلت حدود الاشورين. لماذا لم نعرف هذا التاريخ لماذا لم نعرف ان كوش هذا هو واحد من ابناء حام وجد في هذا الرقعة الجغرافية منذ الاف السنين فلفظناه وصرنا نختبي تحت عبأءة عربية لايتعدى تاريخها في السودان بضع مئات من السنين . نعم نجيد التسلخ والتفسخ من حقيقتنا لهذا لا نستطيع ان نتذكر ( يوم الاستقلال ) هذا ، فهذا اليوم مطموراً كاشياء كثيرة مثله تحت نفسيتنا المريضة نفسيتنا التي لم تستطع الى الان ان تحدد هويتها .
ان يوم الاستقلال هو رمزية تمنح المواطن استقلاليته المستمتدة من استقلال وطنه فارتباطك بالوطن منوط بممارسة هذه الرمزية بعمق وجداني يستقوى يوم بعد يوم وهذا السحق والدهس الشنيع لوطنيتنا والذي مارسناه على انفسنا عبر الزمان بمختلف طبقاتنا من مواطن بسيط او مثقف او مؤسساتنا او حكومتنا او مناهجنا لهو شئ محبط ومربك ودائرة يستحيل الانفكاك عنها. حيث تظهر بعض التشكلات السلوكية تترجم وهن هذا الارتباط عند الشخصية السودانية والتي قد تعلى عندها مداعي القبيلة والطائفة والحزبية اكثر من المداعي الوطنية . فارتباطتنا بالقضايا الوطنية واهن وضعيف بما يقابله من هذه الدواعي الاخرى . فالوطن ككتلة متماسكة لا يعلى عليها صوت شئ يصعب التمسك به عندنا فهو خاسر في كل التحديات للحد الذي صرنا نري فيه البعض يشجع الفرق الاجنبية عندما تلعب مع فرقنا الوطنية ان لم يكن ينتمي لهذا الفريق . فشخصيتك المعتبرة يجب ان تستمد من شيئين لا غير لها دينك ووطنك ومتى ماتحللت شخصيتك بعيداً عن هذه الركائز صرت مسخاً استعبدتك الاهواء الرخيصة وماتت اركان استقواءك فهنت على الناس اجمعين وهذا ما نراه عند كثير من مروجي العروبة وما يحدث معهم هنا من انتكاسات نفسية بعيدة الاثر والمفعول . انت حر وانت مستقل ان كنت وطنياً غيوراً تتحمل تبعات هذا الدين عليك فالحرية ليست شعارت ترفع.


حيدر الشيخ هلال
الدوحة قطر

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 611

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1174619 [الأزهري]
0.00/5 (0 صوت)

12-23-2014 04:09 AM
انت قايل الوطنية دي شيء بتعلموه أو بطالبو بيهو المواطنين مطالبة؟ الوطنية دية إحساس يعايشه المواطن من خلال البذل والعطاء المتبادل بين الدولة والمواطن - فكلما بذل المواطن زاد عطاء الدولة المتمثل في منظومة الحكم الرشيد وأهل الخليج هيأ الله لهم من الثروات والحكم الرشيد ما يجعلهم يحبون أوطانهم التي لم تبخل عليهم بخيراتها وإن لم يبذلوا للدولة إلا هذا الحب فهم يعيشون في رفاهية ورغد من العيش بلا ضرائب ولا جمارك ولا جبايات ويحصلون على خدمات الصحة والماء والكهرباء والتعليم والرعاية الاجتماعية مجانا وبأعلى مواصفات الجودة والديمومة تماما كما كان لدينا في السودان إلى عهد النميري - فكيف لا يحبون أوطانهم وحكامهم وكيف تقارنهم بالسودانيين في عهد الانقاذ حيث تخلت الدولة عن أي خدمة حكومية مقابل الضريبة التي يدفعها المواطن، فلا صحة ولا تعليم ولا ماء ولا كهرباء ولا قوت ولا غذاء ولا نظافة ولا حرية وفوق ذلك كثرت الجبايات حتى على الشارع الذي تمشي فيه وياريت الأمر توقف عند هذا الحد فصار الحكام الذين احتكروا كل شيء عن المواطن صاروا يتبجحون على المواطن ليل نهار بقصورهم وأبراجهم وفارهاتهم ويخوتهم وعاثوا في الأرض فساداً فلم تسلم الملكيات ولا أعراض ولا كرامة الانسان فتفسخ المجتمع وانتشرت فيه الرذيلة وضاعت الأخلاق والقيم وتفككت الأسر وضاع الاحساس بالمجتمع وغرق بالأجانب من كل حدب وصوب مجلوبين لخدمة النظام وإعانته في إغراق القيم وصياغة مجتمع جيد محل القديم الأصيل كما ضاعت الأرض وتبدلت الحدود وتغير الوطن فمن من قاطنيه تطالب بإظهار الوطنية؟ مجتمع الانقاذ أم المجتمع الذي كان؟


حيدر الشيخ هلال
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة