المقالات
السياسة
جولة في منطقة "أبو حمد"- 2
جولة في منطقة "أبو حمد"- 2
12-27-2014 12:55 AM

جولة في منطقة "أبو حمد"- 2
A Trek in Abu Hamed District - 2
H. C. Jackson هنري سيسيل جاكسون

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة مختصرة لمقال طويل عن منطقة "أبو حمد" (وسكانها من الرباطاب والمناصير) بقلم الإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون، والذي عمل في مجال الخدمة المدنية في السودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب والتي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد سبق لنا ترجمة بعض مقتطفات من كتب ومقالات هذا الإداري الكاتب. ونشرت هذه القطعة (المدعمة بالصور والرسومات التوضيحية) بالعدد التاسع من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" Sudan Notes and Records والصادر في عام 1926م.
المترجم
******** *********** ********** ********

يؤمن سكان أبو حمد – كغيرهم من سكان المناطق المجاورة (مثل الدناقلة والشايقية) بالخرافات. وتمثل "العين الحارة" مصدر خوف وقلق حقيقي لهم، فيلبسون أطفالهم "حفيظة" وهي قطعة من الفضة تعلق وتتدلي من العنق، وعليها كتابات وتعاويذ لتبعد عيون الحاسدين عنهم، ولتقيهم من شرورها.
وكان هنالك رجل مِعيان (مشهور بشدة الإصابة بالعين) في جزيرة قنديسي غدا مصدر رزق مادي لا ينضب للفكيا (جمع فكي) في المنطقة وما جاورها. فإن رأى ذلك الرجل المعيان حصانا يعدو وعبر عن إعجابه بسرعته مشبها إياه بقطار مسرع مثلا، فإنه من المتوقع أن يخر ذلك الحصان صريعا من فوره. فكل ما هو طيب أو جميل فإنه سيجلب العين الحاسدة... وكل محصول وفير، أو نَّعم كثيرة، أو جواد سباق سيصاب حتما بالعين إن لم يحصن بحجاب أو محاية أو تميمة تعلق. وقد تؤخذ قبضة من تراب قبر ولي أو رجل صالح وترش على المحصول حماية له من العين (وجاء في حديث صحيح أن "العين حق"، وحدد لها "رقية شرعية". المترجم).
وفي منطقة "أبو حمد" فإن أكثر قبور الأولياء والصالحين التي تؤخذ منها قبضات التراب هي قبور شيخ سلمان الجعلي (وهو وجد عمدة الجوير الحالي حسن ود دبا)، وشيخ أبشر من فتوار، وود عوض الله شيخ دبر قرب جبل سيحان، وود صالح من كورو، وشيخ ود قرينو والمدفون في شميخة. ويقال إن الشيخ الأخير هذا مشهور بكراماته حتى بعد وفاته، إذ أن شجرة سيال قرب قبره نبتت بها شجيرة أخرى في منتصف أحد فروعها!
وكذلك من العادة أن تؤخذ حصوات أو قطع صغيرة جدا من طوب القباب، أو حفنة من تراب قبور الأولياء وتصر في قماشة وتوضع بقرب الدوكة، أو في عارضة متقاطعة لأحدى السواقي لحمايتها من السرقة.
وعندما يرغب أحدهم في السفر لمكان بعيد كان يترك ما خف وزنه وغلا ثمنه بقرب قبر ولي أو رجل صالح بغرض الحفظ. وكان التجار وعابرو السبيل يضعون ما زاد من أغراضهم بقرب قبر شيخ أبو حمد، تماما كما كانوا يفعلون قبل قرن من الزمان عندما مر العالم الفرنسي كلود على تلك المنطقة.
وعادة ما يترك الناس أفضل ما عندهم من ذبائح وذرة وتمر ومال بقرب قبر ولي أو رجل صالح أملا في البركة، وربما كـ "بياض" للفكي (في قبره) كي يبارك من سافر، ويؤمن سلامة الغائب، أو إلى ما ذلك. فالافتراض هنا هو أن صلة ذلك الرجل الصالح أو الولي أو الفكي بربه قوية لدرجة أن بإمكانه أن "يشفع" أو "يتوسط" بين العبد وربه من أجل كسب شيء ما، أو درء مصيبة حدثت أو متوقعة الحدوث. وكثيرا ما تقوم النساء بتقديم تلك القرابين لعلاج العقم أو حالات الاجهاض المتكرر (أو غير ذلك من المطلوبات).
وتشيع قصص كثيرة عن ما يحيق بمن ينكر كرامات هؤلاء الأولياء والصالحين أو يعتدي على حرمة قبورهم من مصائب ومحن ومصاعب في الحياة. وتوجد بالقرب من قبر أحد الأولياء في البوشاب صخرة ضخمة تشابه شكل إنسان، و يزعم الأهالي أنها لامرأة مسخت على تلك الهيئة لمحاولتها سرقة جرة كانت قد وضعتها زائرة لقبر ذلك الولي الصالح.
وقبل فترة قصيرة هربت أمة من بيت سيدها ولجأت إلى بلدة "الشريك" (بالقرب من "أبو حمد") في حيلة مبتكرة لنيل حريتها، إذ لجأت إلى قبر شيخ فيها ولزمته. ولم يجرؤ "مالك" تلك الأمة على استردادها وهي بقرب ذلك قبر ذلك الولي الصالح.
وعند ذبح أي خروف يكون هنالك احتفال من نوع ما. فقد يكون وداعا لمسافر، وقد يغمس الرجل يده في دم الذبيحة ثم يلمس (يبصم / يدمغ) بيده الملطخة بالدم على بهيمته المفضلة ليضمن تكاثرها أو ليحميها من عيون الحساد. وهذه العادة شائعة عند الرباطاب وعند البشاريين والعبابدة والمناصير وربما الكثير من القبائل ومجموعات الرحل الأخرى. وقد شاهدتها بنفسي في مناطق "أبو دليق" تمارس على جمل للشكرية أو البطاحين للحفاظ عليها من السرقة.
وتذبح أحيانا "كرامة" عند نية السفر، أو الشروع الفعلي في رحلة طويلة.
ويشق أو يقطع جزء من صِوان أذن الناقة إن ثبت أنها عقيم أو أن مولودها يموت بعد الولادة مباشرة. وتقام كل مناسبات الختان والزواج عند نهاية فصل الربيع وبداية شهور الصيف (أي في موسم حصاد التمر والقمح) اللذان هما مصدرا الثروة الرئيس للسكان.
وعوضا عن تقديم الهدايا المعتادة للعريس أو الطفل الذي سيختن ، فإن الرباطاب لديهم عادة مختلفة فيها يقوم العريس أو الطفل الذي سيختن بتحديد محصول شجرة معينة في كل جنينة في المنطقة لتقدم هدية له.
ويكون مهر العروس عند الرباطاب في العادة قليلا. غير أن كل البيت وما فيه من أثاث وغيره هو من حق العروس، وبذا لا بد أن يفكر الزوج أكثر من مرة قبل تطليق زوجه. وفي الواقع، فإن الطلاق عند الرباطاب نادر الحدوث، إذ أنه إن وقع فسيفلس بالزوج دون ريب..
وعند وفاة زوج (ثري) يكون هنالك تنافس شديد بين الأقرباء للزواج من الأرملة (الثرية). وللأرملة الحق في أن تختار من تشاء من بين خطابها من مختلف الأعمار.
وتختلف عادات العزاء عند الرباطاب قليلا عن غيرهم من القبائل السودانية. فعندهم يتجمع المعزون في بيت العزاء، وتأخذ تعزيتهم لأقرباء الميت شكلا عمليا بتقديمهم مبلغا من المال أو مواد عينية (مثل التمر أو القمح أو غيره) خلال أيام العزاء. ويحضر كل واحد من المعزيين ما يقدر عليه من طعام في وجبات الغداء.
وفي الأيام السالفة كانت أيام العزاء تمتد لأربعين يوما كاملة، يمتنع خلالها أهل الميت عن أكل اللحم وشرب الشاي (وتستثنى القهوة) أو استخدام العطور أو المسوح بالدهن. ولا يستخدم أهل المتوفى المقربين العناقريب للنوم، بل يفترشون الأرض أو البروش خلال أيام العزاء الطويلة.
وتناقصت أيام العزاء الآن (أي في عشرينيات القرن الماضي. المترجم) إلى أسبوعين أو حتى أسبوع واحد فقط، وبعد اليوم الثالث والخامس والسابع من يوم الوفاة توزع الصدقات على الفقراء. ويتحاشى الناس إعطاء الصدقات في الأيام الزوجية (الثاني والرابع والسادس للوفاة) ويأمنون بأن ذلك سيجلب مزيدا من المصائب (زيادة على مصيبة الموت الأولى).
ويعلن عن يوم الصدقة بعد العودة للبيت من مراسم الدفن بالمقابر. وفي يوم الصدقة يذبح خروف أو نعجة أو جمل (بحسب ثراء أهل الميت) ويطبخ اللحم ويقدم للفقراء مخلوطا بالمرق مع الأرز أو الكسرة. ويخصص جزء مقدر من هذه الصدقة للفكيا الذين يستدعون لتلاوة القرآن خلال أيام المأتم.
وفي اليوم الأربعين ترفع البروش عن الأرض ويسمى ذلك اليوم يوم "رفع الفراش". ثم يرش المكان الذي كانت قد فرشت فيه البروش بالماء، ويتناول الجميع وجبة تخلو من اللحم. وبعد ذلك يعود الجميع لأكل اللحم وشرب الشاي والجلوس أو الرقاد مجددا على العناقريب بعد أن كانوا قد عافوها لأربعين يوما متصلة. غير أن والدة وأخوات المتوفى يواصلن حدادهن، فيمتنعن عن لبس الجيد من الثياب ولا يستخدمن أدوات الزينة والعطور بأنواعها لفترة قد تمتد لنصف عام أو تزيد.
وتختلف عادات المناصير في بعض الأوجه عن عادات الرباطاب. فعند الختان أو الزواج يذبح المضيف بهيمة ويدعو أهله واصدقائه للطعام. ويأتي الضيوف عادة بهداياهم، رغم أنهم ليسوا ملزمين (بتقاليد قبيلة) على فعل ذلك. وعادة ما ترد الهدية مع الشكر لمن يقدمها. ويدفع المناصير مهر العروس بقرا، وليس هنالك "صداق مؤجل" عند المناصير الرحل (مناصير البادية)، بعكس ما هو متعارف عليه عند المناصير المستقرين (مناصير النيل) والذين يحددون عند العقد قيمة "الصداق المؤجل"، والذي قد يكون عددا من الأبقار أو أشجار النخيل أو قطعة أرض. وقد يكون مرد الاختلاف بين ما يمارسه مناصير البادية ومناصير النيل هو التفاوت في الثراء (النسبي) بينهما، فالمناصير الرحل أكثر ثراء من المناصير المستقرين.
ويحدد المناصير، مثلهم مثل جيرانهم الرباطاب، يوما معينا للصدقة. وبعدها يتلو المعزون بعض آيات من القرآن ثم يعودن لأعمالهم المعتادة.
ومن أهم الاختلافات بين المناصير وبقية العرب في السودان هو عدم استخدام المناصير لخدمات الأولياء الصالحين والفكيا. فخلال سنوات وجودي في منطقتهم لم أسمع بفكي واحد عندهم. بل لمست عند معظمهم قدرا كبيرا من عدم الاكتراث (إن لم نقل الازدراء) لمن يكسب عيشه بكتابة البخرات والمحيات والتعاويذ للحماية من العين الحاسدة. وأذكر هنا ما قاله أحد رجال المناصير لفكي كانت له معه خصومة حول ملكية أرض. ولما بدأ الفكي في تحريك شفتيه بما بدا لخصمه تمتمة ببعض الأدعية عاجله رجل المناصير وقال له: "يا فكي. أنت تتمنى أن يقضى لك بالأرض بما تدعو به. هلا كففت عن ما تفعله! أنا وأنت من مخلوقات الله، والله سيحكم بيننا سويا".
ولكن من ناحية أخرى، يضع المناصير كل ثقتهم في "العروق"، أي جذور بعض النباتات ويستخدمونها في علاج بعض الأمراض، وفي منع العين الحاسدة، وفي كسب محبة الآخرين (عروق محبة!)، أو إيذائهم.
ويشتهر المناصير بالشجاعة والذكاء، ولا يخلو الرجل منهم من مكر ودهاء يتيح له تبرير كل أفعاله (تضاف هذه لقائمة الأحكام القطعية الجزافية والكاسحة التعميم التي يطلقها المستعمر لمن تحته من الأهالي natives . المترجم).
وللمناصير أبيات شعرية تحذر من عاقبة رذيلة الكذب، ومن معانيها:
"القصة الكاذبة قد تنتشر بين الناس لأسبوعين... غير أن الحقيقة ستظهر لامحالة بعد ذلك
لا تقم بالطفو على الماء على ظهر نفس الطوف وأنت كاذب
فإن فعلت فسوف تغرق أو تبتل ثيابك".
***** ***
وخصص الكاتب بقية مقاله للآثار الموجودة في المنطقة منذ ما قبل التاريخ وعبر العصور حتى عام 1885م. المترجم

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1242

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1177743 [محمد فرح البوهيني]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2014 09:34 AM
وجدت اكثر مقالات هالموقع غثا ولم اعجب بمثل مقالك هنا اشكرك جدا على مجهودك العظيم واقدر ما تقوم به
تحياتي


#1177336 [محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-27-2014 08:01 PM
الاستاذ أو الدكتور بدر الدين الهاشمي إن ما تقوم به من جهد شيء كبير و مفيد فلك الشكر و لك التهنئة على ما تقوم به من جهد كبير . فمثل تلك المقالات تلفت نظرنا لضرورة معرفتنا بالتاريخ و التراث لمناطقنا و قبائلنا و هو الشيء الذي نفتقده. و هذه المقالات و غيرها توضح كيف كان أصحاب السلطان من الغرباء يهتمون بدراسة و تسجيل كل دقائق الحياة في المناطق التي يوجدون أو يمرون بها. بيتما نحن نفتقد هذه الخصلة حتى من المتعلمين و للأسف. لك الشكر و التقدير بلا حدود بالإنابة عن كل أهل السودان حيث بعملك هذا لا تسد ثغرات فقط في الإهتمام بدراسة تاريخنا و مجتمعاتنا بل تثير فينا الرغبة للإهتمام بها. حقيقة تعجز الكلمات عن التعبير عن الإشادة بك بالشكل الذي يليق بك.فتقبل مني مجرد كلمات هي ما أجود به.


#1177236 [ود الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-27-2014 01:49 PM
شكرا لجهدك الراقى واتمنى ان تفكر في جمع هذه الترجمات القيمة في كتاب سيفيد جدا البحاثة والمهتمين والقراء


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة