المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
محمد عبدالله برقاوي
ماذا لو .. عاد الأجداد والأباء في هذا اليوم..!
ماذا لو .. عاد الأجداد والأباء في هذا اليوم..!
01-04-2015 05:12 AM


كثيرا ما كنا نسخر ونغضب ونحن في فورة الثورية الشبابية ،من كلام بعض أهلنا الكبار الذين يتحسرون على أيام الانجليز!
نعم فقد يكون كلامهم مبني على ما عاصروه في أيام الاستعمار من نظام ونماء وانضباط، وما يستشرفونه وقتها من مستقبل قاتم ، ترأى لهم من مناظر أفعال العنصر السياسي الوطني الذي دلف الى سراي الحكم وقد وضع رجله في منزلقات التجاذبات بين ثنائية الكيانات الطائفية التي لم تصمد الا سنوات قليلة في تجربة الحكم الوطني بعد جلاء ثنائية الانجليز والمصريين!
و لكنها ما لبثت احدى الطائفتين نكاية في الأخرى أن رمت بلجام الحكم الى قيادة الجيش ، فانغرس المسمار الأول في ظهر الاستقلال والديمقراطية في وطن لم يزل وقتها يحبو على طريق السودنة!
ولكن بالتأكيد لا يمكن لانسان حر أن يقبل الاستعمار في أي شكلٍ من أشكاله البغيضة ، بيد أنه بالمقابل يصبح ما أقسى أن يتحول استقلال وطن ما ..من ربقة الاستعمار الى استغلال من أبنائه لموارده و مقدراته والعبث بترابه و انتهاك حقوق مواطنيه والإستهانة بارواحهم بالدرجة التي تولد فيهم حنينا لحكم الغريب أو الإحتماء بقوته ، لان ظلمه يكون على بينة من قبيل العداوة أو على أقل تقدير لتحقيق الجانب الأكبر من مصلحة بلاده الذاتية ومن ثم يرمي بما تبقي لأهل المستعمرة أو طالبي الحماية !
خرج عنا الانجليز ومعهم المصريون ، لكن الأثر الانجليزي في الحياة العامة كان هو الأبرز ، في التعليم والخدمة المدنية والمشروعات المنتجة والبنى التحتية والقوات النظامية ، وجمال المدن وسلوك البشر العام في المظهر المدني والحضاري!
ولانهم كانوا مطمئنين لكفاءة متعلمينا وأخلاقيات شعبنا في الحفاظ على تلك الأساسيات ، فقد أوصوا بقية مستعمراتهم أو محمياتهم وفي أكثر من قارة ، بالاعتماد على الكادر السوداني لتأسيس وتنظيم خدمتهم المدنية والعسكرية والادارية !
لم يكتمل نصف القرن بالكاد من استقلالنا عنهم ، حتى انفرط عقد كل شيء عندنا ، انهارت البنى التحية التي تركتها الانجليز ودونك منشأت مشروع الجزيرة والسكة حديد والخدمات الصحية والمؤسسات التعليمية وغيرها من مظاهر الروعة التي كانت تجمّل الحياة وتسهلها ، فلم نطورها ولا هي حافظنا على بقاياها !
وعوضاً عن أن نستمر في تطوير تعليمنا نوعيا وخبراتنا التي بدأت تؤتي أكلها ليس في الداخل فحسب بل و في بلاد الاخرين الناشئة ، انتكسنا بنسبة مذهلة ، فأصبحنا عالة على غيرنا نتسول لقمة العيش في أوطانهم التي اسرعت الخطى نحو العلا !
فيرضى الجامعي المتفوق في علمه الذي ملّ طول العطالة والظلم في توزيع الفرص ، بتأشيرة راعي مع إحترامنا لمهنة الرعي وممتهنيها ،ليخرج فقط من البلد راكبا البحر شرقا وبعد ذلك يحلها الحلال !
أما من سنحت له فرصة العبور الى البلاد البعيدة ، فقد وجد وفقا لكفاءته تقديرا ضنت به دياره في غمرة تغول غثاء السيل على شواطيء الخدمة العامة بكل أشكالها المدنية والنظامية !

على أيام بداية غربتنا والسودان ليس فيه الا جامعتي الخرطوم والاسلامية والمعهد الفني والمدارس الثانوية القوية ، لم يكن يطلب من السوداني حتى توثيق شهادته ان لم يتيسر له الأمر وهو يتقدم لنيل الوظيفة في دول الخليج مثلاً !
الان وفي ظل سياسة جامعة لكل الف مواطن ومدرسة ثانوية لكل عشرة من البدو الرحل مع الغاء مجانية ذلك الحق مضافا اليه تكليف المريض أو المريضة بعصب الخياطة وشاش العملية والبنج كما تقتضي عدالة دولة الشريعة المزيفة في رعايتها الصحية لمواطنها الهالك!
صارت الشهادة السودانية وان كانت مؤثقة من القصر الجمهوري مصدر ريبة وفي اي مجال كان، في عهد صارت فيه درجة الدكتوراة تمنح جزافا لأهل قربى الحكم وفي تخصصات لم يعرفها العلم إلا في زمن الإنقاذ الرديء!
وبعد كل ذلك الاجترار الذي يتساقط قبله الدمع دما على مآل ومصير سودان دفنت أمجاده في تراب أرضه وباياد ابنائه ، وقد ذهب أهلنا الكبار الذين قبروا أيضا وفي قلوبهم باقي حنين..لا للاستعمارفي حد ذاته فهو مكروه مهما كانت حسناته، وانما تحسرا على العمار الذي ذهب كثيرا بعدهم وقد تنبأوا بكل ذلك من منظور الحكمة التي ترى بعيدا ، فحملوا معهم في أفئدتهم كتل الخوف الحارقة بالقلق من عاقبة الدماراللاحق !
ولعلهم لو عادوا الى الحياة لبرهة، لقالوها لنا بالفم المليان!
لا زلتم في حاجة لاستقلال جديد ، ولعلهم لن يطيقوا أن ينتظروا قدوم ذلك اليوم فقد يكون بعيدا نظرا لما حاق بنا من عدم الشعور بحب الوطن كفرض واجب ، دعك عن نافلة احساسنا به كونه مستقلاً!
فيؤثرون حيال كارثتنا الماحقة، راحتهم في العودة الى مثواهم الأخير عن البقاء في عالم مواطنتا الناقصة والعليلة في ذات الوقت !
ونحن لا نملك من موقع جحيم واقعنا في دنيا الذل، الا أن ندعو لهم بالجنة .
ولا حول ولا قوة الا بالله العظيم .

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 971

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1182316 [المكشكش]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2015 05:11 PM
اذا عاد الاجداد فسيندمون على فعلتهم هذه ، وسيعترفون ان نظرتهم سطحية وخيالهم بائس وابناءهم واحفادهم لم يبلغوا سن الرشد بعد وليسوا جديرين بالاستقلال.


محمد عبدالله برقاوي
محمد عبدالله برقاوي

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة