11-06-2015 07:18 PM


أخْتِمُ هذه السلسلة "العنصرية والأنانية هُمَا أسُ الدَاءْ" بتعقِيباتٍ على مخاوف جِدَّية أثارَهَا القُرَّاء الكِرام فى تعليقاتِهم. وبتأكيد أنَّ العيشَ الكريم فى وطنٍ عزيز يتساوى فيه مواطنيه على المحبَّةِ والإحترام والثقة والعمل المشترك، مُمْكِن.
وتوصلتُ إلى أنَّ حاضِرَنا المُعاش منذ الإستقلال كان تعبيراً عن حالتين ذِهنيتين ما زلنا بعيدين جِدَّاً عن البَوْحِ بهما والخروج من هيمنتِهما، وهُمَا:
الأولى: الحالة الذِهنية التى تُهيمِن على أهلِ المركز فى مواجهةِ الهامش، وقوَامه آثار وترِكَة الدولة التى أدارَها الخليفة عبد الله التعايشى، أو "خليفة المهدِى" كما يُسمِّيه الأنصار وحزب الأمَّة، (لا يُطيقُون حتَّى ذكر إسم الرجُل!).
الذى يهمَّنا نحنُ كسودانيون نعيش مع بعضِنا اليوم وغداً، أنَّ تلكَ الحِقبة وترِكَتِها يجب أنْ نترُكها وراءَ ظُهورِنا بخيرِّها وشَرِّها. لا نتحاكَمُ إليها ولا نتحمَّلُ أوزَارِها، فلسْنَا طرفاً فيها، ولم يكُنْ ما كانَ بإسمِنا، ولم نَرِثه أو نحْتفِى به، ولا أحد مِنّا يريدُ تكرارها. يجب أنْ نهرُبَ للأمام ونقلِبَ تلك الصفحة من تأريخِنا.
أمّا الثانية: أيضا حالة ذهنية قاتِمَة تُهيِّمِن على أهلِ الهامش ضد المركز، هى أنَّ أهل المركز قد تآمرُوا على أهلٍ الهامش وجلبُوا تُجَّارَ الرقِيق لإصطِيادِهم وبيعِهم فى أسواقٍ الرقيق إنتقاماً لمظالِم دولة الخليفة عبد الله "إبن الهامش" الذى نَكَّلَ بالمركز. وترتَّبَ على ذلك إقصاءِهم وتهميشهم وشطبِ وجُودِهم من هُوِيَّةِ السودان، وأكلِ حقوقهم فى والمواطنةِ المتساوية، والإقتسام العادِل للسلطة والتوزيع المُنصِف للثروة، والمشاركة فى إدارةِ جهازِ الدولة.
هذه المعادلة المؤسَّسة على الحالتينِ الذِهنيتيِن هى حقيقة الصراع "المكتُوم" وغير المُعلنْ بين الهامش والمركز، المركز والهامش. مركز مُنتقِم لمراراتِ "دولة" الخليفة عبد الله. وهامش فشلَ فى أنْ يثبتَ لأهلِ المركز أنَّ تجربة الحُكم السابقة (حُكم الخليفة عبد الله) لم تكُنْ بإسمِ الهامش. وأنَّ أهلَ الهامش ليسوا بصددِ إعادتها، لكنَّهم يقدِّمُونَ أنفسهم كشركاء فى وطن، على قدمِ المساواة مع الآخريِّن. أهل الهامش السودانى اليوم أناسٌ لا يدَّعُون "كرَمَات" من السماءِ، ولا يُطالِبُون بأكثرَ من حقوقِهم العادلة فى أنْ يكونُوا مواطِنُونَ سودانيون كُرمَاء، متساوُون فى المواطنةِ والحقوق والواجبات مع أشقاءهم فى المركز والأقاليم الأخرى.
أرى بكلِ تواضُع، أنْ يتوصَّلَ أهل المركز والهامش إلى ميثاقِ شرف، يلتزمُونَ بموجِبه بنسيانِ الماضى خلفِ ظُهورِهم بعد أخذ العِبَرِ منهُ. لأنَّه لا يُعقلَ أن يعيشَ شعب السودان أسير هواجِس الماضِى وشكوكِه، وحياةٌ مِلحُهَا الظُلم والشكّ والكراهيِّة وعدم الثقة. حياة بائسة تلك التى عاشها السودانيون منذ فجر توحيد السودان على يدِ الدولة المهدية وحتى تاريخ اليوم! كراهية وظُلم وتوجّس ورغبة فى الإنتقام والإقصاء والتحقير، إستناداً وإجتِراراً لمَاضٍ لم يكنْ الحاضرين الآن جزءاً منه وليست لهم أيَّة رغبة فى تكرارِه، وليسُوا مسئولوُنَ عنه ولا يُستساغ أنْ يُحاكَمُوا بجريرةِ غيرهم، ولا تزِرُ وَازِرَةً وِزْرِ أخرَى.
أهل المركز هَزَمُوا دولة الخليفة عبد الله، مُتضامِنينَ مع المُستعمِر الإجنبِى وقضُوا على آثارِها تماماً، وكتبُوا تاريخ السودان الحديث لمصلحَتِهم كما يفعلُ كل المُنتصرِين فى الحروب. ولكن أهل المركز بالَغُوا فى ردَّاتِ فِعلِهم تجاه حُكمِ المهدية خاصّة عهد الخليفة عبد الله "خليفة المهدى". فنكَّلُوا بـ (الغرَّابة) وبقية الشعوب التى كانت قَوَام حُكم دولة "الخليفة" وجَعلُوهُم خُصوم"مزعُومِين"، فحرمُوهُم من أقل حقوقِهم وهى المواطنة المُساوِية لمواطنةِ أهلِ المركز. ثُمَّ حرّضُوا عليهم تُجَّار الرقيق الذين جاءُوا مع المستعمر الأجنبى فجَاسُوا خلال هوامِش السودان يعيِثُونَ فيها فساداً كبيراً. أهل المركز حرَّضُوا وشاركوا المستعمر الأجنبى لصَيدِ أبناء وبنات الهامش السودانى وبيعِهم فى أسواق الرقيق انتقاماً من حُكمِ "خليفة المهدى" الذى أذلَّ أهل المركز ونَكَّلَ بِهم، فصَمّمَ أهل المركز على كسرِ شوْكَة أهل الهامش وإذلالِهم والحَطّ من قدرِهم بكافَّةِ الأشكال، والغاية تُبرر الوسيلة.
ولمَّا خرجَ المُستعمِر الأجنبى من السودان، طواعِيَة، بعد أنْ درّبَ حُلفَهُ "أهل المركز" على الحُكمِ والإدارة، قرَّر أهل المركز، ربَّمَا بتوصية أو تحريض من حَلِيفِهم بريطانيا، أنْ يهيِّمِنُوا على السلطة والثروة وجهاز الدولة منفردِين و(كنْكَشُوا) بقوة فى مفاصلِ الدولة السودانية، ومن هُنَا بدأ خَطَل تصوّرَاتِ أهل المركز وتصوِيِّرهم لمُستقبلِ السودان. قد فاتَ على أهلِ المركز إدراكِ ما ستؤول إليه الأحوال فى مُقبلِ الأيام، وأنّ أهلَ الهامش سوف لنْ يكرَنُونَ ويصبِرُونَ على ذلك الواقع الظالم طويلاً، لن يستكينُوا للأبد.
تأوَّجَ نِضال أهل الهامش ضد هيمنة المركز على مفاصِل الدولة فى بداياتِ العقدِ التاسع من القرنِ الماضى أى (فى بداية ثمانينيَاتِه). ولم تكنْ قيام الحركة الشعبية لتحرير السودان هى الشرارة الأولى للمقاومة الحديثة لهيْمَنةِ المركز على السودان!. أنا أزعُم أنَّ انتفاضة دارفور فى شتاءِ عام 1981م هى الشرارةِ الأولى لثورةِ الهامش ضد ظُلم المركز.
ولفائدةِ الذين لا عِلمَ لهم بثورة دارفور 1981م: قامَ رئيس السودان الأسبق جعفر نميرى بإعادةِ تعيِّين السيد/ الطيب المرضِى الطيب (ضابط جيش من كردفان) الذى كان مُحافِظاً لدارفور الكُبرَى، أعادَ تعيِّينه حاكِماً لإقليم دارفور عند إعادة هيْكَلة الحُكم فى السودان إلى نظامِ حُكمٍ إقليمى فى تطورٍ طبيعى نحو اللامركزية. ورفض أهل دارفور ذلك التعيين رغم حُبِّهم الكبير وإحترامهم الجَمّْ للمحافظ السابق الطيب المرَّضِى، وكان الرجلُ إدارياً من الطرازِ الأول، وقدَّم لدارفور وحاضِرته فاشر السلطان "أدَّاب العَاصِى" خدمات تنموية جَمَّة ما زالت شاهدة على حُسنِ صنيعِه. لكنَّ الأمرَ تعلّقَ بالمبدأ ذاتِه، لأنَّ تقسيمَ السودان إلى أقاليم معناه حُكمٌ لا مركزى، ومُرتكزَه الأول: أنْ يحكُمَ أبناء كل أقليم أقليمِهم فى إطارِ السودان الواحِد.
والنميرى لم يكُنْ خالياً من "جرثومةِ" كراهيَّةِ المركز للهامِش وإضطهادِه وخاصة دارفور الذى جاء منه الخليفة عبد الله الذى ظللنا ندفع فواتير أخطاء حُكمِه. فكان أنْ تقدَّمَ أهل دارفور من حاضِرتِه الفاشر، بطلبٍ للرئيس جعفر نميرى، مُلتَمِسينَ منه مُراجعة قرارِه وتعيين أحد أبناء اقليم دارفور حاكماً عليه. لكنَّ النميرى مثلَ كل دكتاتور جبّار "ركِبَ رأسَهُ" ورفض "مُراجعة" قرارِه بتعيين حاكِم لإقليم دارفور من أبناءِه.. فغضِبَ أهل دارفور ثم انتفضَوا فى ثورةٍ كاسِرَةٍ هادِرَة فى كلِ مُدنِها فى أكتوبر/ نوفمبر 1981م إستمرَّت لأسبوعين تقريباً، قدَّمَت خِلالها مدينة الفاشر شُهدَاء كِرام (أمُّوُنة وحسَن)، وجَرْحَى كُثر.
ولو لا يقِظة و وطنِيَّة قائد القيادة الغربية حينها اللواء/ فِيبيان أمَانْ لُونج (الذين صار لاحِقَاً عضواً بالمجلسِ العسكرى الانتقالى لثورة مارس/ أبريل 1985م التى أطاحت بحُكمِ جعفر نميرى)، حيث رفضَ اللواء أوامِر جعفر نميرى بضربِ المتظاهرين وقمعِهم، وحال بذلِكَ دون سقوط شهداء كُثر. أكرِّر هذه الجُملة لأهمِيتَهِا أيها القارئ الكريم: لو كان قائد القيادة الغربية (الفاشر) يوم ذاك ضابط شِمالِى أو حتَّى من دارفور لسَال دِماء غزيرَة وعزيزة، فليُدوِّن التاريخ هذا الفضل والحِكمة للواء الإنسان/ فِيبيان أمَانْ لُونْق، ويجْزَاه اللهُ عن أهلِ دارفور خيراً كثيراً، لأنَّه رفضَ سفكَ الدِماء وقمْع الثورة يوم ذاك وحقنَ دِمَاء عزيزة فى العروق من أنْ تسيلَ.
ليس حقن الدماء فحسب، إنَّ حِكمة و وطنية اللواء فِيبيان وامتناعه عن قمع وضرب ثوار دارفور قد عَمّقَ الشُعور بالوطنية لدى أهل دارفور، و وَحَّدَ بينهم توحِيدَاً أرعَبَ أهل المركز فى الخرطوم. وكان شعبُ دارفور يهتِفُ دَاوِياً بحناجِر من فولاذ:"يحْكِمكُم مِين؟ إبن الإقليم."، "مليون شهيد لعَهدِ جديد"، "لا وُصايَّة على دارفور"، "بذلنَا الدَمْ ولنْ نندَم".
ثورة أوقَدَ شرارتِها وقادَها طلائِع رابطة طلاب دارفور بجامعة الخرطوم والجامعات الأخرى، ولقِلَّةِ التوثيق فى زمانِنَا هذا، لا ضيرَ من ذكرِ "الكشف الذهبٍى" لأولئك الأبطال الأشاوس من طلابِ الجامعة الذين سطّرُوا أسماءَهُم بمِدادِ الذهَبْ: (الشفيع أحمد محمد (خريج). من جامعة الخرطوم: محمد آدم عبد الكريم (حنين)، هارون عثمان سام، سليمان محمد آدم خليل، آسيا المَليِح، المرحوم/ جوهَر سليمان كُجك، موسى نور بوش. ومن جامعة القاهرة فرع الخرطوم الطالب/ طه عبد الشافع سنين، ومن جامعة جوبا الطُلَّاب/ حسين أركو مناوى و محمد الأمين قاضى مليط).
وشكَّلَ حُكمَاء وأعيان مدينة الفاشر حكومة شعبية تولّت إدارة شئون الثورة والناس، شدَّدَت علينا نحنُ طلّابُ المدارس حينها أنْ نحافِظَ على المال العام والخاص، وقد فعلنا. لمْ نطَأ ورَّدَة ولم نقطعَ ليِّنَة، ولم نَحرقْ أو نتلِف طوال فترة الثورة، والله على ما نقولُ شهيد.
أعزى كل ذلك، لتصرّفِ اللواء فِيبيَان الذى عمَّقَ الشعور بالوطنية فى ثوار دارفور، وكنَّا نستمتِعُ أيِّمَا استمتَاع بسماعِ خُطبٍ بترَاء فى الثورة وأهدافها وصيانتها لوحدة الوطن وصيانة تُرابِه وسيادته. كم كنّا نسعدُ بخُطبِ أستاذنا المُربِّى الجليل، الشيخ الوقور/ التجانى سِراج بصوته الجَهُور حين يخطبُ فى الجماهيرِ الهادرة قائلاً: (إذا تجرَّأ من تُسوِّلُ له نفسه المَسَّ بأرضِ السودان وسيادتِه إو كرَامَة أهلِه، سنَرْصِفُ الطريقَ من الجنينة إلى بورتسودان بِجَماجِم الأعدَاءَ)، وكنا نرعدُ بهُتافٍ داوِى بينما تمْلاءُ نساء وبنات الفاشر عنان السماء بالزغاريد، فننْسَى الجوع والعطش، ونواصل مسيرة الثورة حتى العصر من كُلِّ يوم.
وكانت الإشاعات تأتِى من ناحيةِ إعلامِ الخرطوم، أنَّ أهلَ دارفور قد تمَرَّدُوا، وهَيمنُوا على الإقليم، وصاروا خارج سلطان الدولة، وكان ذلك يُحزِنُ الثوار. لذلك، أعتقدُ أنَّ ثورةَ الهامش ضد المركز قد بدأت بإنتفاضةِ دارفور خواتيم العام 1981م، واللهُ أعلم.
ولمَّا تأوَّجَتْ ثورة دارفور بسيطرةِ الثوار على الإقليم، وتشكِيل حُكومة شعبية فيها، تحفظُ الأمنَ وتُطعِمُ الناسَ من الجوع، إستسلم جعفر نميرى للأمرِ الواقع وخضَعَ لضغطِ الثوار وألغَى قراره الخاطِئ الذى سالت دِمَاء طاهِرَة مَهْراً لمقاومتِهِ، فأصدر قراراً بإلغاء قراره السابق، ولاحِقاً نزل لرغبةِ أهلِ دارفور فأصدر قراراً عين بموجبِهِ العَمْ الفاضل السيد/ أحمد إبراهيم دريج حاكِمَاً لإقليم دارفور.
لكِنَّ العسْكر لا ينسُونَ هزائمِهم ومستعدُونَ دوماً للإنتقام والقصاص لخيباتِهم، ومعلوم قصة مُغادرة حاكِم دارفور دريج الإقليم، بل عموم السودان لمَّا إستشعرَ من الرئيس نميرى رغبة فى الانتقامِ والاحتقار. لكنَّ العَمْ دريج انتصرَ لكرامَته وكرامة أهل دارفور الذين لم يركعوا لقرار النميرى بل قاوموه حتَّى رضخ. غادرَ دريج السودان ليفوِّتَ على جعفر نميرى التشَفِى والإنتقام منه ومن أهلِ دارفور.غادرَ الزعيم دريج السودان وهو يُردِّد بيت الشعر: "إذا خُطِبَت لى أمَارَة،على أنْ يكُونَ مَهْرِهَا ذُلَّ ساعة، لآثرَتُ أنْ أُزَفَّ إلى قُبرِى قَبلَ أنْ تُزَفَّ إلىَّ الأمَارَة".
لستُ ادرِى ماذا أصابَ أبناء دارفور الآن؟ لماذا لا يكسِرُونَ الأقدام التى تطأ كرامَتهم؟ ولا يلطِمُونَ الأفوَاه التى تنطِقُ بسَبِّهِم بأقذَعِ الألفاظ؟ ولماذا يقبِّلوُن الأيدِى التى تقذِف لهم بفتاتٍ من اموال السودان بإزدراءَ؟ واموال السودان حقَّهُم على الشيوع، وليس نِوالاً يمْنَحُه لهم حاكِمٌ أتى لكُرْسِىِّ السلطة، كاللِصِّ، بِلَيل.
يجب على السودانيِّين الخروج من حالةِ "عَضِّ الأصابع" هذه لأنَّها لا تُؤسِس دولة ولا تؤلّف بين قلوب شعوبٍ سودانية متعددة، ولا تبنِى مَجْدَاً. ويجب على أهلِ المركز أنْ يُوقِفوا هذا النهج وفوراً، نهجُ الظلم والتكويش و"الكنكشة"، لأنّهم قد كسرُوا "القَرْعَة" ودلقُوا "السمْنَ" يوم أجْبرُوا الجنوبَ على الذهابِ مُغَاضِباً.
والحَلّ معظمُه بِيدِ المركز، لأنّه هو من يملك كلِ إرث السودان الذى إستلمه من مُورِّثِهم بريطانيا، وانفردُوا به ولم يوزعوه بين السودانيين. يجب جعل ثروات السودان وسلطته وجهاز دولته على الشيوع بين كلِ مواطنيه وفوراً. وقبل هذا وذاك لا بُدَّ أنْ نضعَ جانِباً أوزَار قومٍ قضُوا وذهبُوا عن هذه الفانية، أقصد آثار دولة خليفة المهدى فى نفوسِ أهل المركز. كذلك يجب تجاوز المظالم اللاحِقة التى إرتبطت بدولةِ الانتقام وتجارة الرِق وتزييف الهوية السودانية وإختزالها فى المركز وأهله، والإستئثار بسلطة وثروات السودان. وقبل ذلك يجب إقرار الهوية السودانية الشاملة للجميع "السودانوِيَّة"، والمواطنة المُتساوِية لجميع السودانيين، وأنْ تكونَ الأساس الأوحد لنيلِ الحقوق، وأداءِ الواجِبات.
يبدأ الحَلّ بخطوةٍ إفتتاحية هى أنْ يتوَاثَقَ شعب السودان فى كلِ أقاليمِه على عَقْدٍ إجتماعى جديد قائم على ميثاقِ شرف يتواضع عليه جميع شعوب السودان فى الهوامش والمركز، وأنْ يتسَامَحَ الناسُ ويتسَامُوا فوقَ مرارتِ الماضِى الذى لم نكُنْ طرفاً فيه، ولا نُريدُ أنْ نكرِّرَه أو نعيده. وأنَّ لدىَ الجميع الرغبة الأكيدة للعيش فى أمانٍ وسلام ومحبة وإلفة وتسامُح، والتأكيد على كلِّ مفردات المِلكِية الجماعية للأرضِ والموارد والمستقبل المشرق للسودانِ الجديد.
هُناك ردود مُكرَّرة جامِدة ومسجَّلة يستخدِمُها أهل المركز عندما تُثار القضايا الجوهرية لأزمة الدولة السودانية:
عندما يكتب أحد فى مواضيع مُهِمَّة ومفصلية مثل "عنصرية وأنانية أهل المركز" التى ستُضيِّع السودان وتقضِى عليه قريباً، أستطيع أنْ أعرِفَ رُدود قراء أهل المركز قبل الإطلاع عليها: أنَّ الكاتب "عنصرى" و"عَبْ"، وأنَكم تُكثِروُن من الشكوى ولا "تقلعون" حقوقهم بالقوة. أو "إنَّكَ توقِظَ فنتة نائمة!، و"اتركوُهَا إنَّها مُنتِنة"!.
يا أهل المركز، ظللتُم فى غيبوبةِ ظلمٍ حانَ الوقت أنْ تفيقوا منها. أيَّة عنصرية تلك التى يستطيع "ضحيَّة" عنصريتكم من أهلِ الهامش أنْ يُمارسَها عليكم؟ أم تريدون أنْ نقول لكم، رمتْنِىّ بدَاءِها وإنسَلّت؟. العنصرية السودانية بمعناها "القاموسى" هى: التمييز والظلم والإقصاء والإحتقار والإزدِرَاء والقتل والإغتصاب والتهجير الذى يُمارسه أهل المركز ضد أهل الهامش فى كل شئ، وأى مجال من مجالات الحياة.
عندما يتحدث احد أبناء الهامش عن أزمة الهوية السودانية وانها مزيفة وفيها انكار للتنوع وإلغاء أهل الهامش وهم الغالبية لتحليل اكل حقهم. يطلع عليك أحد الذين يعلقُون بأسماء مزيفة دون حياءَ ليلتَهِمُكَ مثل إعصار"كترِينا"، لا يُبقِى لك شيئاً ولا يَذَرْ! يسب ويلعن بلا هَوادَة.. وأى خيرٍ يُرجَى مِن شخصٍ وُلِد وشبَّ وترعرع على السُحتِ والزيف وظلام الظُلم؟ ويجبُن عن كشف قِناع وَجهِه ليراه الناس فى النور. هذا الشعب لا أرَاهُ يبرَعُ فى عملِ شئٍ قدر براعتِه فى الشتمِ والسَباب، مُندسَّاً خلف إسماء مُستعارة بالطبعٍ، هى ذرّوَة سِنام الرُجولة عِندَهم.
جرثومة الكذب والإشاعة والشَتمْ وإشانةِ السُمعة تحت سِترة الأسماء المُزيَّفة انتقلت إلى اهلِ الهامش وخاصة دارفور وتحديداً داخل الحركات المسلحة! صارُوا لا يطيقونَ بعضهم، ويكيلون الشتائِم والبذاءات، وإشانة السمعة لبعضهم البعض. ومثال ذلك حامل الإسم المستعار "الذِكرَى المنسيَّة"؟!، وهو شخصٌ معروف للناس، هو أمين أمانة مُهِمَّة وحسَّاسة هى عِماد مُستقبل حركة/ تحرير السودان (مناوى) يستخدِم هذا الإسم على "فيس بوك" لنصْبِ مَنصَّة يطلِقُ منها الشتائم والتعريض وإشانة السمعة لرفاقه فى نفسِ الحركة إذا إختلفوا معه فى الرأى أو تعدَّدت وُجهَات النظر. الغريبة أنَّ هذا الشاب بعد خروجه والتحاقِه بالحركة فى حوالى نهاية العام 2012م حدَّثنى أنه يدير هذه الصفحة "الذِكرى المنسية" لمصلحة الحركة، وكان يضع عليها صورة رئيس الحركة. وطلب مِنّى التداخل فى تلك الصفحة لإثراءِ النقاش فى المواضيعِ التى تُثار فيها لمصلحة الحركة ومشروع التحرير العريض، وفعلاً شاركْنَاهُ أنا وآخرون. الآن نفس الشخص يسبّ ويشتم رفاقه ببشاعة تفوق"الكيزان"الذين يعتقدُ أنّه أفضل منهم ويناضل ليخلِفَهم! لينطبِق عليه قوله سبحانه وتعالى: (فخَلفَ من بَعْدِهم خلْفٌ أضاعُوا الصلاةَ واتَّبعُوا الشهُوات).
على رٍسلكَ يا هذا، من أين تأتى بكل هذا السوء والبذاءة ضد رفاقك؟ وانتم جميعاً ضحايا المركز؟ أفلَحَ فى قتالِ أهل المركز الذين ترتجف رُكبَك أنت وشيعتِك البؤساء خوفاً منهم وطمعاً. ودرِّب لسانَك على العفّة وفؤادكَ على حسن الظنِّ برفاقك وأهلك، وخيركم خيركم لأهله. ولا تكنْ فظاً غليظ القلب هكذا. ضَعْ حدَّاً لتطاوُلِكَ على رفاقِك فوراً.
ونقول للذين يضيقون بِنَا كأهْلِ هامش أنْ نكتُبَ ونطرحَ ونُشْهِدَ الناس على سوءِ ما نجد من المركز. ونطرحُ ما نرى لصيانةِ السودان من "فيروساته" التى شلّتُه واقعَدَت به طويلاً عن ركبِ الدول، نقول لهم: أنًّ الوحدةَ خيارٌ إستراتيجى لأهلِ الهامش السودانى ولكن، بعدالةٍ ومساواة، وإنصافٍ وهوية "سودانوية" تظِلّ الجميع بظِلّها.
وأنّ الانفصالَ ليس خياراً البتَّةَ، لكنَّه نتيجة حتمِيَّة للظلم والإصرار عليه، نتيجة للكراهية ونقضِ العهود والمواثيق. نتيجة للعنصرية والأنانية، الإنفصال يأتى كالأجلِ المحتُوم، كالموت لا احد يستطيع وقفه أو تأجيله، وإذا حُمَّ القضاءُ على إمرئِىٍ فليس له بَرٌّ يقِيِّه ولا بحْرُ. واضمحلال الدولة "العمِيقَة" الحالية القائمة على الظلمِ والإقصاء والأوهام وآقعٌ لا محَالة. الحَقٌ والعدلُ، أو الطوفان.. فأعلموا أفادَكُم الله.
(إنتهى)


[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2661

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1366346 [Salintod]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2015 03:14 AM
الكاتب اختزل المركز في اهل الشمال و اختزل الهامش في اهل الغرب ،، و المقال كله
قائم علي هذا الاختزال . يا سيدي كثير من اهل الشمال هم هامش حقيقي بمعني كلمة
هامش لا تربطهم اي صلة بالعاصمة و مناطقهم مهمشة و لا تنال اي حظ من التنمية ،،
كما ان الكثيرين من اهل الشمال صلتهم بالعاصمة بدأت من الستينات .
العاصمة الآن يكثر فيها اهل دارفور و جبال النوبة اكثر من الشماليين .
كلمة آخيرة : الفتنة الموجودة الآن في السودان هي صنعة كيزانية بأمتياز ،، فأخوان
الترابي يمارسون سياسة الاقصاء علي الجميع بما فيهم الشماليين .


#1366030 [عبدالله احمد]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2015 09:10 AM
التحية الفاخرة لك الاخ الاستاذ عبددالعزيز سام على المقال الرائع الذي اصاب كبد الحقيقة , وانا اتفق معك تماما في ما ذكرت من فوبيا اهل المركز من فترة حكم الخليفة عبدالله التعايشي وانهم ينتقمون من اهل دار فور لذلك الفعل الذي جناه اهل المركز على انفسهم عندما رفضوا خلافة التعايشي للمهدي واصبحوا يؤلبون عليه القبائل وهو يواجه جيشا مستعمرا كبيرا , فماذا يفعل ؟!! اخي العزيز ان شاء لنا الله ان نعيش في هذا السودان موحدا فسنعيش كراما عزازا مرفوعي الراس وان قدر الله غير ذلك فسنذهب غير نادمين .


#1366013 [الوجيع]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2015 08:37 AM
لو ان السيد سام درس وتأمل فى كيفية نشوء وتطور وتوسع الدولة السودانية بمسمياتها المختلفة والمتدرجة تبعا لتطور الزمان والمكان لتراجع عن كثير من قناعاته ومفاهيمه المغلوطة ولكفى نفسه عن كثير من الضغوط التى يحملها عليها .وبسرد موجز فكيان الدولة نشأ فى اقصى الشمال بالنوبيين الذين سكان وادى النيل مع البجا حتى تخوم كردفان مختلطين بالعرب وتلك حدود اثارهم ولم تكن بقية الاقاليم جزءا منها الا بمقدار التبادل التجارى فى ريش النعام والابنوس والعاج وغيرها والتوسع فى الرعى وفى مراحل اخرى قامت ممالك وكيانات منفصلة فى دارقور وحبال النوبة وسنار و سادت اللغة والثقافة العربية وتوسعت على حساب النوبية والبجاوية نتيجة لازدياد الهجرات العربية بعد بزوغ فجر الاسلام . صلات الهامش بالدولة السودانية بدأت فى عهود متأحرة جدا من تاريخها والمؤسف انها بدأت بتجارة الرقيق والتى تسببت فى احداث حاجز نفسى بين الدولة والهامش الجنوبى الغربى فاثر الانعزال والانزواء لفترة طويلة من الزمان و ما تزال اثارها تقود الاحداث الى اليوم . الصلة الحقيقية بدأت مع الدولة المهدية وما ترتب عليها لاحقا فمنذ ستينيات القرن الماضى بدأت هجرات الهامش الى مدن كردفان تم الوسط والشمال بعد الثمانينات وتكاثرت حتى اصبخ الهامش هو المركز الحقيقى وقد وفد فى معية قوافلهم كثير من الجنسيات الاجنبية من غرب افريقيا خاصة ولم يعد يميز بينهم جميعا .ونواصل اثار هذه الهجرات واثارها لاحقا .


ردود على الوجيع
[طلس] 11-07-2015 07:14 PM
الشي الذي دائما نكرره الاسلام لم ياتي الي السودان من شبه الجزيرة العربية بل اتي من غرب افريقياوالسودانيين من زوي اصوال غرب افريقيا هم اسسو دولة سنار


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية
تقييم
1.72/10 (50 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة