01-15-2015 07:48 AM


ظننت أن عصر "إطلاق الحديث على عواهنه" قد اكتمل وبلغ أوجه حتى طالعت هذا الأسبوع ثلاثة أخبار حملتها الصحف – كعادتها - دون تعليق أو علامات تعجب، فأدركت أن العصر لا زال في عنفوانه، يُفرهد ويُزهر ويُثمر "دليبا" وجُللا تسقط على رؤوسنا صبحا وعشية.
وأثقل هذه الجُلل ما نُسب لرئيس المجلس الوطني، في معرض تأكيده و"مباهاته" بتحسن الوضع الاقتصادي في السودان، قوله: "والله الزكاة ما تلقوا زول تدوها ليهو"، وأن السودان لن يشهد الفقر مطلقا بعد ميزانية الخمس سنوات المقبلة! شئ عجيب، وإنجاز فريد يجعل نسبة الفقر البالغة 46 في المائة (وفق أرقام وزارة الرعاية الاجتماعية في هذه الحكومة) تستحيل صِفرا يسُر الناظرين في خمسة أعوام؛ إنجاز نُزاحم به إنجاز الهند التي أطعمت من إنتاجها مئات الملايين بعد مسغبة، وإنجاز الصين التي قفزت من ذيل الدول الصناعية إلى المنافسة على المركز الأول مع الولايات المتحدة. تجدر الإشارة إلى أن الصحف حملت أيضا خبر المنحة الأوروبية الإضافية (1,330,000 يورو) لمكافحة سوء التغذية في السودان، كما حملت الصحف خبر تسلُّم السودان لحصته من لحوم الأضاحي المُجمّدة بالمملكة منذ موسم الحج، في حضور سفير خادم الحرمين الشريفين بالخرطوم، ووكيل وزارة الرعاية الاجتماعية، ووسائل الإعلام!
أما الخبر الثاني فهو ما نُسب لوزير الخارجية عن حوار "جاد وموضوعي" مع الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بينهما، وعن قُرب إزالة جفوة مع دول الإتحاد الأوروبي. وقد حمدتُ الله أن جعل الولايات المتحدة تثوب إلى رُشدها وتعامل السودان بندية لم يستطع الإتحاد الأوروبي ولا روسيا إليها سبيلا. فالحوار يحمل في طيّاته شيئا من الندية والأخذ والرد، أما الجفوة (مُفتعلة وحقيقية) فهي ما يحدث بين الأصدقاء.
أما الخبر الأبرز فهو ما نُسب للدكتور عبد المطلب بابكر هلاوي، الأمين العام لمركز نميري للسلام والتنمية في مؤتمر صحفي عقده في المجلس الوطني (لسبب لم يُذكر)، بشّرنا فيه بجهود حثيثة للمركز ستأتي أُكلها في قضايا كبرى فشلت حكومة السودان في تسويتها، منها تعليق إجراءات المحكمة الجنائية الدولية إلى حين إنتهاء ولاية رئيس الجمهورية، ورفع المقاطعة الأمريكية عن البلاد، وإلغاء ديون السودان، وفق ما حملته الصحف. وقد أخبرنا الأمين العام بأن جهود المركز هذه تستند على علاقات طيبة مع بعض منظمات المجتمع المدني الأمريكية (التي تحب الخير للسودان وشعبه، فيما يبدو)، غير أن الأنباء لم تُطلعنا على أسماء هذه المنظمات، أو مصدر نفوذها، أو إنجازاتها في مجال التأثير على مراكز إتخاذ القرار في واشنطن.
هذا غيض من فيض الأحاديث والتصريحات التي تحفل بها، كل يوم، الصحف السيّارة، والمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية. وأكثر ما يُعجبني في أقطاب ورموز النظام والحزب والحركة، والمتحدثين باسمهم، وبغير اسمهم، ومن لفّ لفّهم، شجاعتهم الأدبية المتناهية في إطلاق الحديث على عواهنه دون وجل أو تردد، فذلك استحقاق دستوري فيما يبدو، وحق اصيل من حقوق الإنسان في هذا العهد الأغر، وللجميع الحق في إطلاق الحديث على عواهنه؛ ما يُثير حفيظتنا فقط هو إطلاق الحديث على عواهننا نحن إذ لم يبق فيها موضع لم يُصب!


[email protected]om





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 625

خدمات المحتوى


عوض محمد الحسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة