الهديّة
01-18-2015 08:11 AM

الهديّة
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(قالت أمي مرةً الذي يُحبك هو مَنْ
رأى فيك 99 عيباً وخصلة جميلة أحبَ الخصلة
وتركَ العيوب..).


.. قيل - والعهدة على الراوي- أنّه حين كانت طائرة أحد سلاطين الشرق تحلّق فوق جزر آسيا الساحرة، نظرت صديقته الأوروبية الشقراء من الشباك فسحرها منظر جزيرة خضراء على شكل سمكة، أيقظته من نومه ودعته للتمتّع بروعة ما شاهدت.. ألقى نظرة سريعة وقال لها: (إنّي أهديتك إياها)… ثمّ عاد يغطّ في نوم عميق.
لم تصدّق الفتاة الحسناء ما قاله مليكها وعشيقها حتى جاءها عقد الشراء مع القهوة في صباح اليوم التالي مبرماً، واضحاً، جليّاً ومصدّقاً لا غبار عليه.
نعم، لقد أهداها جزيرة بكلّ سكّانها من الشجر والبشر والحيوان .
قال صديقي معلّقاً على الحادثة: (هكذا تكون الهدايا… يا من لا يهدى إليه سوى قلم يزيد من وجعه وغربته، أو ورد يذبل قبل الوصول أو ربطة عنق دون طقم ولا مناسبة… أو في أحسن الحالات ساعة تخجل من بيعها… ما جدوى النظر في الوقت دون مواعيد مهمّة).
نفس الصديق هو الذي اتصل بي يوم ميلادي قائلاً:(أهديك هذا الصباح الجميل وهذه السماء الزرقاء.. كل عام وأنت هكذا..).
شرد ذهني بعيداً متأمّلاً في تاريخ الهدايا وفلسفتها، مقاماتها وأغراضها، قيمها العينيّة والرمزيّة.
أذكر أنّي قد حضرت في بعض العواصم الأوروبية معارض للهدايا المتبادلة بين الملوك والأمراء والدوقات والنبلاء، لم تقع عيناي على أيّ هديّة تكتفي بالقيمة الرمزيّة وحدها، كانت كلّها مرصّعة بأنفس الأحجار والمعادن… أمّا النوايا فقد رحلت مع أصحابها وكتمت سرّها هذه المعروضات الصامتة خلف الواجهات المحروسة بعناية فائقة.
تذكّرت ما قرأته عن (قافلة) الهدايا التي يصل أوّلها إلى بيت الفردوسي صاحب ملحمة (الشاهنامة) وتنبع من بيت أحد الولاّة، كشكل من أشكال الاعتذار بعد الإهانة… ولكن هيهات، فلقد مات الفردوسي الذي كان كفيفاً قبل أن تكحّل ناظره .
تذكّرت أعجوبة (تاج محل) كأثمن ما يقدّمه زوج إلى زوجته.. وحيّ إلى ميّت.. فهل يهدى الأموات أيضاً بغير طلب الرحمة والغفران… الصراحة أنّي قد وجدت بيت جرير أجمل… وربّما أبقى:
(لولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار).
توقّفت عند سير المشاهير من قادة المماليك وحتى القيان من الجواري العازفات والمغنيات، كيف كانوا يباعون ويشترون في أسواق النخاسة ثمّ يتم تبادلهنّ كهدايا ..!
ابتسمت في سرّي رغم الوجع الإنساني وتخيّلتهم (ملفوفين) في الأوراق البرّاقة المخصّصة للهدايا بشريط أحمر، ثمّ يتمّ الكشف عنهم أمام صاحب المناسبة وضيوفه في حفل صاخب، فيعلّق الأخير بقوله: (ليه تعبّت حالك)؟!
- ما في شي من واجبك.
جال في خاطري الهدايا المسمومة والملغومة والصاعقة عبر التاريخ، من رأس المملوك جابر في ألف ليلة وليلة إلى الطرود المفخّخة التي تقضّ مضجع أوروبا في (مواسم الإرهاب).
أجمل الهدايا هي تلك التي تأتي دون مناسبة مثل قبلة يباغت بها الحبيب حبيبته، أمّا تلك التي نتوقّعها فليست هدايا، بل يلفّها الواجب مثل قبلات الأزواج في المناسبات العائلية، إذ لا ترتعش أصابعنا عند فتحها ولا نقول لصاحبها (شكراً) بذات اللهفة والحرارة، ثمّ أنها تخلو من الارتجال والغرابة والطرافة.
الهديّة قديمة قدم التعارف والتوادد والمصالح أيضاً، قبل بها الأنبياء لأنها تمدّ جسور المحبّة والفرح، مارستها كل ثقافات الشعوب لأنها تعني تذكّر الأحبّة في حالات البعد والسفر، لذلك وجدت أكشاك التذكارات والهدايا الرمزيّة في المطارات والمحطّات… أمّا في وطنا السودان فأغلب الناس ينظرون إلى قيمتها العينيّة لا الرمزيّة، فلا يرضون ببطاقة بريديّة أو علاّقة مفاتيح أو ولاّعة رخيصة، إنهم يربطون قيمة الهديّة بهاديها ومهديها وكأنّهم يقرّون ضمنيّاً بأنّ قيمتهم الفعليّة تتمثّل في قطعة ذهب أو حجر ألماس أو زجاجة عطر فاخرة.
مازال فهمنا للأشياء حسيّاً وماديّاً ولم يرتق الكثير منّا إلى الجانب المعنوي بعد.. مثل الذي أهدى صديقه كتابه الجديد بكلمات جميلة ومطبوعة على الصفحة الأولى ثمّ رفض أن يعطيه نسخة ورقيّة مجبراً إياه على شرائه من المكتبة .
إنّ ما تقدّم هو تأكيد على قول العامّة: (كل شيء بلاش كتّر منّو).
لذلك قبلت بالسماء الزرقاء والصباح الجديد من صديقي وشكرته على هديته في يوم ميلادي… وقدّرت قصيدة ايليا أبو ماضي:
(أي شيء في العيد أهدي إليك).
وأدركت معنى أن تعطي للواحد فرصة أن يهدي نفسه عبر ما يسمّى بـ(الخرج الناشف).
كلمة في الختام:
مؤلمٌ عندما
تشتاق لشخص تود محادثته
ثمّ تتراجع
لأنك تَشعر بعدم حاجته لك
ولحديثك.
[email protected]

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 754

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1190288 [علبة صلصة مخفجه فوق زير]
3.00/5 (2 صوت)

01-18-2015 12:56 PM
ومن طرف الهدايا ذلك الشخص الذى اجهد نفسه كثيرا فى سفر صديقه لاداء فريضة الحج ولم يترك شاردة او واردة الا اهتم بها بانتظار هدية الحاج المدنكله وانقضى الحج ورجع الحاج وصديقه بأنتظار الهديه وبعد الكرامة وتفرق الجمع اخرج الحاج مصحفا صغير وقدمه لصديقه راجيا منه ان يتقبل هديته التى اختصه بها من دون الناس اجمعين دا شنو يا حاج؟ مستفسرا الشخص ,,,,,, دا مصحف من مكة المكرمة بيت الله ومهبط الوحى فرد عليه الشخص غاضبا ( كتاب الله ماعندنا فيه قول ,, لكن الفيك اتعرفت


#1190205 [محمد عبد الله برقاوي]
3.00/5 (2 صوت)

01-18-2015 11:08 AM
شكرا نبيلاً أخي دكتور نائل على هذه السياحة الإحترافية في الكتابة التي يتمتزج فيها بحرا الأدب والسخرية عند مقرن اللغة الرفيعة الأمواج.. ولعل أجمل ما نهديك في يوم ميلادك هو أن نبثك لهفة الوجد الحارق أملاً في أن نلتقي كلنا شتاتاً ومقيمين في عيد ميلاد وطن جديد يخرج من رحم الوعي الجماهيري بعد أن نرمي في مزبلة الزمان هذا النظام الذي أنجب سفاحا كل منغصات الحياة ...!
ونقول لك أخي تناجياً عبر المسافات التي تزرعها خطوات الشوق اللاهثة ..

في البعد للأرواحِ عينٌ .. قد ترى مثل العيون ...
والقلب يخنزل المدى حين تهتاج الشجون ..
الليل للعشاقِ بحرٌ .. والسهد شراعٌ وسفين ..
والنجم محرابُ التناجي في سماء الساهرين ...


فميلاد ذلك اليوم ليس ببعيد .. طالما أن الغد لناظره قريب ..
وكل عام وأنت ساحر القلم .. باهر الكلمة ..


#1190127 [MANO ALI]
3.00/5 (2 صوت)

01-18-2015 10:03 AM
ابداع والله


#1190083 [سيف الدين خواجة]
3.00/5 (2 صوت)

01-18-2015 09:26 AM
اشكرك كل يوم تفتح نافذه لفكرة جديدة في وطن يكتسحه البوار وتاكله نار الحسرة علي الذي مضي منه وعلي ما تبقي اصدقك بامانه قديما حين كنت بالوطن لا اغادره حتي في الصيف حبا به وكان بامكان ذلك وحين هجرته هجرته مليا بحب علي الموت عصيا في ذلك الزمان كانت هداياي لكل الاحباب عبارة كتاب كان له في النفس وقع وكان اولي الناس بذلك جدي التربال الامام حين ياتي فيقول (اما هديتك لي فمعروفه ) تصور كنت اهديه اخر اصدارات الشيخ الشعراوي وكان يبسطها للناس في القريه حيث يؤمهم وكان حكيما في الكلام والمؤانسه وحكيما في الطب العربي القديم عالج شقيقه من الششل بعد ان يئس الاطباء بالجنوبي وقال لي في الكتب هذا علاج (الفالج ) من فلج الشئ لذذلك اقول في اركان دنيا طبا لم يعرف بعد حتي فقدنا الحديث منه كما تعيش وتري انها محنة المحن ولك شكري الهدايا حسب طبيعة الزمن والثقافه والمهدي اليه وفي تقديري الهدية روح اكثر منها مادة


#1190038 [نازك]
3.00/5 (2 صوت)

01-18-2015 08:54 AM
نائل أيها الألق المتجدد
المسافر ابداً في ألق العذوبة
يفترش دروباً مقفرة
هجرها ساكنوها والأهل والأحبة
ينادي بخفقات قلبه المتعب.. عسى ان يسمع جواباً
عسى أن يتردد صداه في انين النيلين وضفافه
الجدباء إلاّ من أوجاع ابنائه التي اينعت قلوباً
تتراقص متعلقة على اغصان اشجار
الهجليج والسنط والطلح تنشج فراق اصابها
حمداً لسلامتك يا أخي أنتَ كالسودان تنثر الحب
لكل الجهات رغم الوريد المنحور الماً..
طبت روحاً وقلباً وعافاك الله وعافى السودان.
مقالك السرمدي تنبض كلماته في عيني كلما اعدت قراته
بلون جديد.. دمت مبدعاً.. ودام يراعك يا سيد الحروف
والفكر النير..


الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة