01-20-2015 08:04 PM

مقدمة لتاريخ التعليم الحديث في السودان
Introduction to Education in the Sudan
Liza Sandell ليزا ساندل
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في الفصل الأول من كتاب بعنوان: "اللغة الإنجليزية في السودان. تاريخ تدريسها وسياستها English Language in Sudan. A History of its Teaching and Politics لمؤلفته ليزا ساندل، والذي صدر عام 1982م من دار نشر ايثاكا بلندن.
ولم أجد في الشبكة الإسفيرية أو في الكتاب أي نبذة للقارئ عن المؤلفة، إلا أنه يبدو أنها كانت قد عملت مدرسة أو مفتشة لمادة اللغة الإنجليزية في السودان في فترة ما.
المترجم
******* ************** ***********

يمكن تقسيم السودان إلى جزئين: الشمال والجنوب. وبدأت من القرن السابع عشر عملية تعريب شمال السودان مع دخول قبائل عربية جنوبا للسودان عن طريق مصر بحثا عن مراعي غنية لقطعان بهائمهم، وللحصول على الرقيق، وللهروب من جامعي الضرائب في مصر.
وكان دخول العرب للسودان دخولا سلميا عبر التحول للإسلام والتزاوج مع المجموعات المحلية، ولم تصاحب تلك العمليات مواجهات دموية سوى ضد بعض الممالك. وكان من نتائج كل ذلك انتشار اللغة العربية والدين الإسلامي. وغدت العربية هي اللغة السائدة، ولم تحتفظ بلغاتها الأصلية سوى أعداد قليلة من القبائل مثل الدناقلة والنوبة. ويفرض الإسلام تعلم القرآن باللسان العربي، وهذا يعني محو الأمية. وقد قامت بهذا الدور الخلاوي في غالب مناطق السودان الشمالي. ووقع عبء إدخال كثير من الناس في الممالك البعيدة (كالفونج مثلا) في الإسلام على شيوخ الدين (الفكيا) والذين بقوا في الأرياف يعلمون الناس القرآن ويحاولون تعديل سلوكيات السكان الاجتماعية لتتماشي مع التعليمات الإسلامية. فقبل عام 1684م كانت بين الخرطوم وAlyas سبعة عشر خلوة، قضت على معظمهما مجاعة ضربت البلاد، وأجهز مرض الجدري وهجوم لرجال الشلك على ما بقي منها. وعلق بيركهاردت في عام 1814م أثناء رحلته خلال مناطق السودان الشمالي على المستوى العالي للنظافة والانتظام الذي شاهده في الدامر، حيث كانت بها العديد من المدارس التي كان يقبل عليها الكثير من الطلاب من مختلف أرجاء السودان، والمكتبات العامرة بالكتب الدينية المجلوبة من القاهرة. ودرس كثيرون من فكيا الدامر في الأزهر أو مكة.
ويتضح مما سبق أن للتعليم في السودان (الشمالي) تاريخا بعيدا.
وفي عام 1821م غزا محمد علي باشا خديوي مصر (والتي كانت – اسميا – تحت سيادة السلطان العثماني) السودان بحثا عن الذهب والرقيق والبضائع الأخرى. غير أنه لم يجد الذهب بكميات كبيرة، فلجأ إلى أخذ أكبر عدد يمكنه أخذه من الرقيق والعاج والصمغ العربي. وتطلبت عملية إدارة السودان والتوسع في زراعته خدمات سودانيين متعلمين لتسيير بعض الأعمال الكتابية والفنية البسيطة وغيرها. فقام الحكم المصري التركي بفتح مدارس أولية للأولاد بين سني 10 و15 عاما. وكان المصريون المتعلمون يبغضون العمل والعيش في السودان في تلك السنوات، ولا يقبلون العمل فيه إلا بمرتبات ضخمة نسبيا. وكان احتلال السودان يكلف مصر نحو 50000 جنيه مصري سنويا، إذ أن الدخل الذي يأتي من السودان لم يكن كافيا لمقابلة ما يصرف عليه. ولتقليل تلك النفقات قررت الحكومة المصرية – التركية التوسع في تعليم السودانيين ليعملوا في خدمة الحكومة. وتم تعيين عدد من خريجي المدارس الدينية قضاة شرعيين، وتم إحلال اللغة العربية محل التركية في مكاتبات الحكومة. وفتحت في عام 1863م خمس مدارس أولية في الخرطوم وبربر ودنقلا وكردفان وكسلا، وبعد سنوات فتحت مدرستين أخريين في سواكن وسنار. وبلغ عدد طلاب مدرسة الخرطوم 124 طالبا، و75 طالبا في كل واحدة من المدارس الأخرى. وكانت كل تلك المدارس تتبع النظام المصري في التعليم وتشرف عليها وزارة المعارف المصرية. وفي ظروف الأمن والاستقرار التي وفرها الحكم المصري – التركي بدأت الارساليات التبشيرية في الدخول للبلاد. ففي عام 1846م فتحت أول مدرسة كاثوليكية في الخرطوم. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر فتحت أعداد من ذات المدارس الكنسية، سميت مدارس كمبوني، على اسم مؤسسها القسيس الإيطالي كمبوني. ولا تزال هذه المدرسة موجودة حتى الآن.
وبدأت بريطانيا في تلك السنوات تلتف إلى مصر لتنفيذ سياساتها الإمبريالية النشطة. وفي عام 1856م عقد الخديوي محمد سعيد اتفاقا مع فريدناند دي لاسو لبناء قناة السويس. وسرت بريطانيا ببناء تلك القناة إذ أنها تسهل عبور تجارتها وقواتها للهند ولغيرها من المستعمرات المحتملة. وخلف الخديوي محمد سعيد آخر اسمه الخديوي إسماعيل، والذي بدد ثروات البلاد وأدخلها في ديون ثقيلة، وتمت في نهاية المطاف إزاحته بسبب كثرة الضغوط الدولية. وفي عهد ذلك الخديوي توسعت الحكومة المصرية – التركية في السودان، وحاولت منع الرق وتجارة الرقيق، وعينت عددا كبيرا من السودانيين (من غير المسلمين أو المسيحين اسميا) في وظائف عسكرية ومدنية. وفي سنوات ذلك الخديوي حل غردون باشا محل صمويل بيكر كحاكم للاستوائية، وكانت إحدى مهامه منع الرق وتجارته. وبعد عامين تم تعيينه حاكما عاما للسودان كأول حاكم مسيحي على السودان. ومع عزل الخديوي إسماعيل عن الحكم بدأ الحكم المصري – التركي في التضعضع، مما اضطر غردون للاستقالة والعودة لبلاده. ثم طلب منعه بعد انتصارات المهدي المتوالية على جنود الحكومة أن يعود للسودان للقيام بإخلائه من المصريين والأجانب الآخرين. وقتل غردون وهو يحاول الدفاع عن الخرطوم ونجح المهدي في السيطرة على العاصمة وغالب مناطق السودان (عدا سواكن ووادي حلفا ومناطق قليلة أخرى)، وبدأ عهد من الاستقلال الوطني تحت راية المهدية من 1881 – 1898م.
ولم يكن المهدي مهتما بشئون التعليم بقدر ما كان همه مواصلة الجهاد، على الرغم من أنه شخصيا كان مهتما بتعليم أولاده وبناته القرآن. وفتحت في عهده بعض الخلاوي شريطة أن لا يتقاعس شيوخها عن تلبية نداء الجهاد حين يدعون للمشاركة في الحروب، وأغلقت المدارس المصرية والتبشيرية الأوربية أبوابها، عدا تلك التي كانت في المناطق التي لم يسيطر عليها الحكم المهدوي. وفي عهد الخليفة عبد الله تم فتح مئات الخلاوي في أمدرمان وفي الغرب والشرق كذلك. غير أن الاهتمام بالتعليم في عهد الخليفة، وعلى وجه العموم، ظل ضعيفا لضعف الدولة نفسها. وظلت الخلوة هي من تقوم بعبء التعليم في السودان حتى أستعاد البريطانيون والمصريون السودان مرة أخرى في عام 1898م.
وفي نهايات القرن التاسع عشر اشتد تنافس الدول الاستعمارية على السيطرة على أفريقيا. فتقدمت فرنسا في غرب أفريقيا، وعدت بريطانيا الجزء الشمالي من السودان أراض مصرية، وكانت مصر تحت حمايتها، وبالتالي فقد كانت تعد السودان واحدا من مناطق نفوذها. واستغلت بريطانيا مقتل غردون لإذكاء الحماس لاستعادة حكم السودان بالاشتراك مع مصر. وأعلنت الحكومة البريطانية في مجلس العموم في 5/2/ 1897م أن مصر لن تكون آمنة أبدا إن كانت هنالك سلطة معادية لها في السودان، وأن من واجب بريطانيا أن تسدد ضربة قاصمة ونهائية للخليفة. وبالفعل نجحت الحملة البريطانية – المصرية في هزيمة الخليفة وجنوده في سبتمبر من عام 1898م. وبعد شهور من ذلك واجه البريطانيون منافسيهم الفرنسيين في فشودة ومنعوهم من التقدم في الأراضي السودانية.
وبعد أن ساد الهدوء معظم الأراضي السودانية في عام 1899م عمدت الحكومة الثنائية لتسيير الحكم بذات الطريقة التي كان يعمل بها النظام المهدوي في بعض الأمور مثل جمع الضرائب. وكان البريطانيون يحرصون على تطمين السودانيين بأنهم لن يمسوا دينهم بسوء. غير أن تقرير الحكومة عن حالة التعليم بالبلاد، والصادر في 1899م كان شديد الانتقاد لنظام التعليم (والخلاوي تحديدا)، فقد جاء فيه أن "المدرسين (أي الفكيا) كانوا جهلاء، ويقتصر تعليمهم للتلاميذ على القراءة والحفظ دون تفسير أو فهم من أي نوع. وكانت المدارس (أي الخلاوي) تتسم بالقذارة وليس فيها أدنى اهتمام بالصحة العامة." وأقترح كاتب التقرير عمل معالجات لذلك الوضع كما يلي: "يجب في البدء فتح مدرسة أولية (كتاب) أو اثنين في كل المدن الكبيرة. ويجب عمل نظام دقيق لتفتيش تلك المدارس. ويجب إعطاء تلك المدارس وتلاميذها منحا مالية. وتجرى الآن استعدادات لفتح مدرسة كتاب في أمدرمان، وستفتح في القريب مدارس مشابهة في مدن أخرى بالسودان تشابه مدارس الحكومة المصرية. وسيتراوح عمر الطالب في تلك المدارس ما بين 10 و15 عاما، وستدرس فيها باللغة العربية مواد مثل القراءة والكتابة والحساب وقواعد اللغة العربية. وستدرس اللغة الإنجليزية في الفصول المتقدمة فقط".
وقام كتشنر أول حاكم عام للسودان بالدعوة لبناء كلية تخلد ذكرى غردون، وأتفق على أن تبدأ كمدرسة أولية، ثم ترفع تدريجيا لتصير مدرسة ثانوية ثم جامعة في نهاية المطاف. وفي العام التالي عين السير جيمس كيري مديرا للتعليم ومشرفا على كلية غردون. ونشر كيري في عام 1901م تقريرا شكا فيه من شح مزمن في الدعم المالي للتعليم، ومن البطء في تنفيذ الأعمال، وفي عدم الصرف على أمور مهمة مثل التعليم، وصرفه في أوجه أقل فائدة، وليس لها علاقة بالاحتياجات الاقتصادية للبلاد. وحدد كيري احتياجات التعليم في تلك السنوات في الآتي: خلق طبقة من الفنيين (أو العمال المهرة) السودانيين، وتعميم ابجديات التعليم في أوساط الناس لتعليمهم أبجديات ومبادئ إدارة الحكومة، وخلق طبقة صغيرة من الإداريين (السودانيين) والذين سيقومون لاحقا بشغل الوظائف الإدارية الثانوية بالبلاد. وأقترح أن تكون الفئة الأخيرة المذكورة من الملمين باللغة الإنجليزية. وأكد اللورد كرومر (الحاكم الفعلي لمصر) على هذه النقطة الأخيرة فجاء في تقريره الصادر في عام 1902م ما يلي: "أود أن أعبر عن موافقتي على غالب ما جاء في تقرير السيد كري من نقاط بالغة الأهمية والدقة. غير أني أخالفه الرأي في أهمية تأسيس مدارس لتعليم اللغة الإنجليزية، وأعارض زعمه القائل بأن تعلم اللغة الإنجليزية سيكون له بطريق غير مباشر عظيم الفائدة السياسية للطبقة الحاكمة.... فالرأي عندي أنه إن حلت تلك السياسة مشكلة واحدة فإنها ستخلق بلا ريب عشرات المشاكل الأخرى. وأعتقد أنه من الأصوب ألا يدرس اللغة الإنجليزية من هؤلاء الصبية إلا من سيستفيد منها في خدمة الحكومة، أو من سيقتحم مجال الأعمال التجارية والتي قد تتطلب معرفة باللغة الإنجليزية..... وإن أنشأنا مدارس لتعليم الإنجليزية، فينبغي أن تكون تلك مدارس جيدة، وفي ذات الوقت قليلة العدد.... وأوكد هنا على رفضي التام ومقاومتي الأكيدة لأي مقترحات لتدريس نذر قليل من اللغة الإنجليزية لا يعطي تلاميذ مدارس الكتاب غير معرفة بالغة السطحية باللغة الإنجليزية".
أما بالنسبة لكلية غردون فقد تقرر أن تكون لغة التعليم فيها بالإنجليزية. وفسر البعض هذا القرار بأنه جاء نتيجة لتجربة التعليم المصري. ففي عام 1907 ذكر دوقلاس دينلوب (وهو مبشر عينه اللورد كرومر مستشارا للتعليم في مصر. المترجم) في تقرير عن لغة التعليم في المدارس الحكومية المصرية أن لغة التدريس في الكتاب يجب أن تكون بالعربية، وأن تدرس كل المواد في الفصول المتقدمة من المراحل الأعلى باللغة الأم عدا مادتي اللغة الإنجليزية والفرنسية، ثم تتدرج حتى تصل إلى تدريس المواد المختلفة بالإنجليزية أو الفرنسية. وتأتي أهمية تدريس المواد المختلفة بالإنجليزية أو الفرنسية في المراحل المتقدمة (مثل الثانوي والكليات المختلفة) من عدم وجود عدد كاف من المدرسين المؤهلين لتدريس تلك المواد باللغة الأم، ولضرورة أن يقوم بالتدريس أشخاص ذو كفاءة وخبرة لا تتوفر إلا عند من يتابع آخر مستجدات العلم في أوربا. وذكر دينلوب أيضا أنه لا توجد كتب مدرسية علمية مناسبة باللغة العربية. وأنتقد دينلوب اللغة العربية نفسها وطبيعتها التي لا تتفق وتدريس المواد العلمية والتقنية. وقابل بعض المتعلمين السودانيين رأي دينلوب بالرفض الشديد (وضربت المؤلفة مثلا بمصطفى عبد الماجد والذي أبان رأيه المعارض لرأي دينلوب وذلك في رسالة غير منشورة قدمها للحصول على الدكتوراه من جامعة أدنبرا في عام 1972 بعنوان :"دور اللغة الإنجليزية في التعليم بالسودان". المترجم).
أما بالنسبة لكلية غردون فإنه يجوز القول بأن فلسفة دينلوب اللغوية كانت تتماهي مع سياسة الكلية التي تعتمد الإنجليزية لغة للتدريس. غير أنه لم يكن متصورا بعد إن كان طلاب كلية غردون سوف يحصلون بعد تخرجهم على دراسات أعلى، ولا بد أن هنالك أيضا اعتبارات عملية كان لها دورا مهما في اختيار لغة التعليم منها عدد الأساتذة والمواد المتوفرة وغير ذلك.
وأتى كل الأساتذة في مدارس السودان من مصر وسوريا. وكان بعضهم هدفا للسخرية من بعض الكتاب. فقد كتب المصري /الأرميني آرتن يعقوب في كتابه الصادر في عام 1911م بعنوان "إنجلترا في السودان" (والذي قدمنا له عرضا نشر في عدد من المواقع الإسفيرية. المترجم) يقول: "أما في مجال التقدم في المجالات الأخلاقية (غير المادية)، فالأمر بادي الوضوح. فزيارة واحدة لكلية غردون تكفي لإقناع أي متشكك بعظمة ما تم انجازه. فهنالك يدرس ما بين 200 و300 طالب من كل الأصول والجنسيات، موزعين على مختلف الكليات والمستويات. فهنالك مدرسة أولية ومدرسة عليا، ومدرسة للهندسة المعمارية التطبيقية والمساحة، ومدرسة الميكانيكا التطبيقية، وكلية تدريب مدرسي اللغة العربية، ومدرسة لتخريج القضاة الشرعيين. ويقود سفينة هذه الكلية الربان الماهر السيد / جيمس كيري. وبشهادة الأساتذة البريطانيين، فإنه لا يمر عام دون حدوث تقدم ملحوظ في مستويات الطلاب من أبناء الأهالي، وهذا مما يبعث على الرضاء عند كل الأطراف.
وليس هنالك الآن من مشكلة في تلك الكلية غير استجلاب الأساتذة، فكثير من هؤلاء كانوا يأتون من مصر، ولا شيئ يعادل الاشمئزاز (abhorrence) الذي يحس به المصريون تجاه السودان إلا حبهم للمال حبا جما. وظل الدافع المادي هو الحافز الوحيد لجعل هؤلاء يأتون للسودان للعمل في سلك التدريس. وعلاوة على ذلك، فأعداد المدرسين في مصر نفسها ليست بالكثيرة، ولا تكفي لمقابلة كل احتياجاتها المحلية. وهذا مما يمثل مشكلة عويصة لكل من السودان (ومصر أيضا)، ولا يمكن حلها إلا بتوفير موارد مالية كافية تسمح بإعطاء المدرسين مرتبات عالية تغريهم بالعمل في هذه المهنة بالسودان، وتستبقيهم فيه".
غير أن كيري أشاد بالمدرسين المصريين لعملهم الرائد في مختلف أرجاء البلاد، والذين لولاهم لما بدأ التعليم في السودان ولا تطور.
وفي بداية العشرينيات بدأ تنفيذ سياسة "الحكم غير المباشر". وكان الغرض من تلك السياسة هو ترك شئون الإدارة المحلية لزعماء القبائل والعشائر والاعتماد على ولائهم أكثر من الاعتماد على المتعلمين من خريجي كلية غردون. وأثرت تلك السياسة سلبا على التعليم الأولي، وساهمت في إنعاش التعليم التقليدي في الخلاوي.
وفي تلك السنوات ازدادت القلاقل في مصر بسبب الاحتجاجات على تلكؤ بريطانيا في منح مصر استقلالها، والذي كان المصريون يتوقعونه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وانتقلت هذه المشاعر المعادية لبريطانيا إلى بعض المجموعات في السودان، خاصة تلك التي أطلقت على نفسها اسم "جمعية اللواء الأبيض". وقامت في عام 1924م مظاهرات عديدة في مناطق مختلفة ضد البريطانيين، وانتهت بتمرد قوات مصرية وسودانية مسلحة وذلك في أغسطس من ذات العام. وأعقب ذلك في نوفمبر اغتيال السير لي استاك (حاكم السودان العام) في القاهرة. وأتخذ البريطانيون من ذلك الاغتيال ذريعة لطرد الجيش المصري من السودان. غير إن إخلاء ذلك الجيش لم يتم دون إراقة دماء، وذلك لتعاطف بعض القوات السودانية (من جمعية اللواء الأبيض) مع رفقائهم المصريين. وأثرت تلك الحوادث الدامية على إدارة التعليم في السودان، إذ أن الطرد لم يقتصر على الضباط والجنود المصريين، بل شمل المدرسين المصريين أيضا. ثم تناقص الطلب على خدمات مدرسي المرحلة الأولية بسبب إعادة الخلاوي وزيادة أعدادها، وتناقص عدد الطلاب في كلية تدريب المعلمين من 81 في عام 1921م إلى 16 في 1923م، ثم قفلت تلك الكلية في ذلك العام ولم تفتح مجددا إلا في عام 1925م، عندما ظهرت آثار الشح في عدد المدرسين في الظهور بعد رحيل المدرسين المصريين.
وكتب كيري في عام 1935م مقالين عن أحوال التعليم في السودان كان لهما أثر واضح في سياسات التعليم اللاحقة رغم أنه كان قد ترك الخدمة في البلاد حينها. وفي المقالين كال كيري النقد لسياسة الحكم غير المباشر لآثارها الضارة على التعليم في أفريقيا وعلى مشاعر وعواطف الأهالي. وعزز كيري مقاليه بعديد الأمثلة عن الأنشطة التي توقفت أو تباطأ نموها. ولام كيري الحكومة البريطانية على عجزها عن تدريب أعداد كافية من السودانيين ليحلوا محل البريطانيين والمصريين، وعلى عجزها عن استيعاب حتى السودانيين الذين تخرجوا في مدارسها وكليتها الوحيدة.
وأصاب الكساد الاقتصادي السودان في عام 1930م، فقد انخفضت أسعار القطن انخفاضا شديدا، وتناقص دخل حكومة السودان بين عامي 1929 و1932م إلى النصف تقريبا. فلم تجد الحكومة بدا من تخفيض مرتبات موظفي الحكومة من خريجي كلية غردون. وقابل طلاب الكلية ذلك بالاحتجاج الشديد وطالبوا بإرجاع المرتبات إلى ما كانت عليه، ونادوا بتغيير السياسات التعليمية. وعند رفض الحكومة لمطالبهم أعلنوا الإضراب. وظلت الكلية مغلقة إلى حين نجاح تدخل الوسطاء، فتوصل الطرفان لتسوية مرضية لهما.
ومع انقشاع الكساد الاقتصادي، التفتت الحكومة البريطانية لتقرير كيري عن التعليم وبدأت في النظر في عملية إصلاح شامل. وافتتحت في عام 1934م معهدا لتدريب المعلمين ببخت الرضا بغرض تطوير التعليم الأولي، وساد بعد ذلك جو عام من روح الإصلاح والرغبة في التقدم إلى الأمام.


بدر الدين حامد الهاشمي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4559

خدمات المحتوى


بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة