01-27-2015 01:02 AM

image

في مناسبة محضورة واحتفاءيه مؤثرة، احتفت الجاليات السودانية بالمملكة المتحدة وإيرلندا مساء السبت الماضي الرابع والعشرين من هذا الشهر بالأستاذ الخضر دالوم محمود بمناسبة نيله وسام MBE في خدمة الإنسانية والطفولة من جلالة ملكة بريطانيا العظمي، امتلأت قاعة المناسبة عن آخرها قبل بدأ الإحتفال، وإنتظم الجميع في مقاعدهم في مهابة ، ومن اتى متأخراً دخل على أطراف اصابعه ... حضور نسوي ملحوظ، ولمسات ضيافة ناعمة لا تخطئها العين منذ الوهلة الاولى ... وما أن نطق مقدم البرامج اسم الفارس المحتفى به الخضر دالوم ، دوت القاعة بالزغاريد والتصفيق الحار، هذه المشاعر الجياشة حسمت طابع المناسبة منذ الوهلة الأولي، وبين الفينة والأخرى، يندفع الحضور وقوفا بصورة لا إرادية، مناسبة مهيبة لم تشهدها قاعة ابرار هاوس مثيلها على الإطلاق.
في تواضع أبناء البلد، وخشوع الدراويش اخترق الفارس دالوم حجب الزغاريد ودوي التصفيق المتصل إلى مقعده على هامش منصة الإحتفال، وما أن باشر حديثه، همدت القاعة وسكن الأطفال، والأيادي تربعت على الصدور، وفغرت أفواه حتى الذين يعرفونه، يكاد لا يصدقون أعينهم فارس الإدارة، ورسول الإنسانية من غمار الناس، الكل يجد فيه ملامحه، ويكتشف فيه ذاته، استطاع بمثابرة فذة، وتفانِ منقطع النظير أن يأتي بما لم يأتِ به الأوائل، في أنبل واشرف مضمار Save the childrenإنقاذ الطفولة من براثن المرض واتون الحرب وإنتشالها من مستنقعات الجهل والفقر.
أي شرف اعظم من يكرس المرء حياته في هكذا عمل؟ وأي حظ يحالف المرء في التوفيق والنجاح في هكذا مهمة من غير رضى الله ورضى الوالدين الذين أسند إليهما الفارس دالوم نجاحاته في مستهل حديثه؟ مردفا إليهما، دور أساتذته الأجلاء في اساس مراحله التعليمية، فقد استشهد بما تعلمه من أحد أساتذته بالمرحلة الابتدائية عن الأبجدية الوطنية
في الفؤاد ترعاه العناية
بين ضلوعي الوطن العزيز
لي عداه بسوي النكاية
وان هزمت بلملم قواي
غير سلامتك ما لي غاية
إن شاء الله تسلم وطني العزيز
بهذه المقدمة الموفقة، أستهل الفارس دالوم محاضرة عصماء غير متوقعة ، عن مشوار حياته التي انطلقت من الريف السوداني في محراب منزل عائلته المتماسكة بضواحي مدينة عديلة بشرقي دارفور، وكنف والده الشيخ دالوم حلاّل المشاكل ، وقبلة الضيفان ، وأوضح كيف أنه لازم حمل "الإبريق" ومباشرة غسل الأيادي للضيوف رهبةّ ورغبة منذ طفولته وحتى خلال دراسته للاقتصاد بجامعة الخرطوم، واوضح إلى أي مدى تعلم تراكميا في طفولته الباكرة من جلسات "الجودية" التي يعقدها والده لفض نزاعات الأهالي ويلزمه بالحضور، في الوقت الذي يطوق فيه للعب مع رصفائه.
حدّث الفارس دالوم الحضور عن أنفسهم، شارحاً لهم بشوق مميزات الشخصية السودانية، التي يكتسبها الجميع مجانيا من مدرسة المجتمع السوداني المفتوحة، والتي يعتبرها اساس نجاحاته في خدمة الطفولة لأكثر من إحدى وعشرون عاما، ذاكرا من هذه الصفات السودانية الجدية والدفيء والإيجابية والكرامة، مؤكدا في تواضع جم أنه لم يفعل شيئا خارقا، وأن الجميع يتمتع بهذه الصفات، ومتى ما سنحت لهم الفرص، بإمكانهم والنجاح التفوق على الآخرين، حاضاً الجميع على التمسك بهذه الصفات النادرة في حياتهم العملية أينما وجدوا.
ثم عرج إلى الإشارة إلى مواقف مؤثرة في مشوار حياته العملية التي ابتدها بالسودان موظفا بمنظمة إنقاذ الطفولة Save the Children واستمر فيه لعشر سنوات قبل الانتقال للعمل الإقليمي ثم الدولي، ذاكراً بأسى شديد كارثة انتشار وباء الكوليرا في منطقة البحيرات بجنوب السودان في نهاية الألفية، والتي حصدت أكثر من مائة ألف مواطن، وكيف انهم استطاعوا بتطوع كوادر طبية سودانية خاصة من احتواء الوباء وإنقاذ مئات الآلاف، ذلك أن السلطات السودانية رفضت الإعلان عنها دوليا، ذكرا أن دليلهم في تلك الكارثة للوصول إلى المرضى، هو تتبع جثمانين الضحايا، مشيدا بشهامة وتفانِ الطبيب السوداني، مضيفا أن ابتسامة الأم التي اُنقذ طفلها لهي ارفع من أي وسام واشرف من اية قلادة.
ثم تطرق لتحديات تأهيل الأطفال الذين تم إنقاذهم من أيادي جيش الرب في يوغندا، والذين صاروا وحوشاً بشرية تبرأت منهم أسرهم، إلا انهم بصبرهم ومثابرتهم وطول النفس، نجحوا في إعادتهم إلى طفولتهم المسلوبة ومن ثمَ دمجهم في مجتمعاتهم، واوضح الفارس دالوم في محاضرته القيمة كيف أنه استفاد من جلسات "الجُودية" خلال عمله في الصومال، فقد تعرضت بعثته لابتزاز المسلحين لإجبارهم على تعيين منسوبيهم أو إيقافها عن العمل في مناطق نفوذهم، فقد أسعفته مميزات الشخصية السودانية الاستثنائية ومهارات التفاوض الأهلي في كسب احترام وود قيادات العمل المسلح، الأمر الذي مكنت منظمته من إنقاذ الطفولة في تلك الأراضي الخارجة عن القانون.
واختتم نماذج هذه التحديات المهنية، بمحنة أطفال كولمبيا بأمريكيا الجنوبية وتهديدات منظمة الفارك الإرهابية لمنع إعادة النظام التعليمي في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وأن هذا المشروع الذي بدأ تحت إشرافه يضم الآن مئات الآلاف من الأطفال، فقد تمكنوا بحنكة نادرة اقناع منظمة فارك الإرهابية عبر تفاوض غير مباشر بجدوى العملية التعليمية لكافة الأطراف بما فيها مستقبل الفارك نفسها.
في ختام محاضرته، بعث الفارس دالوم الأمل في نفوس الحضور، بأن البلاد متى ما وضعت على الطريق الصحيح، في غضون فترة وجيزة بإمكان أبنائه المخلصين إحداث تغيير جذري في واقع حالته المتردية، على اثير هذه الكلمة، ضجت القاعة بالتصفيق الممزوج بالزغاريد.
ثم قدمت الجهات المنظمة للاحتفالية وهي الجالية السودانية ومنظمة كردفان للتنمية ورابطة أبناء دارفور دروع تكريمية للمحتفى به، بعدها إمتشقت زوجته الإستاذة رقية الميكرفون، ليعرف الحضور السر الحقيقي لنجاحات الفارس الخضر دالوم، فقد برهنت للجميع انها نعمت من تقف وراء فارس عظيم، ست بيت راكزة، وأستاذة خرجت من بيت علم، وسيدة معترفة بموافق وجمائل جيرانها في الغياب المتكرر لزوجها، متحدثة لبقة، وام رؤوم لبناتها الناجحات، حقيقة لقد تفاجأ الحضور بقدرات شريكة حياته ورفيقة دربه وسر نجاحاته المهنية، فقد كانت كلمة الإستاذة رقية بنت مربي الأجيال الأستاذ يوسف سليمان نعم الختام للحفل، والذي سرق فيه الوقت الجميع لولا تلويح حارس القاعة من طرف خفي بإنتهاء الوقت المخصص للاحتفال.
خرج الحضور من هذه المناسبة السودانية الخالصة وهم يفركون أيديهم، فقد ثملت رؤوسهم بالفخر وانتشت جوانحهم بالثقة في أنفسهم والأمل في مستقبل مشرق لبلادهم، طالما أمثال الفارس الخضر دالوم بين ظهرانيهم.
تمنيتّ حضور ومشاركة ممثلين من الجاليات العربية والإسلامية لهذه المناسبة السودانية الاستثنائية، لكن تذكرت أننا جميعا "دراويش".
[email protected]
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1088

خدمات المحتوى


التعليقات
#1197441 []دقش القش]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2015 01:32 PM
شكرا أخي ابراهيم جعلتنا نعيش معكم الفرحة رغم البعد فى حفلكم البهيج بذلك الفارس النبيل دمتم ودامت السودان


#1197187 [احمد البقاري]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2015 07:58 AM
شكراً الصحفي المبدع إبراهيم على المقال
فأن كان الخضر دالوم قد رفع جباهنا عالية بالفخر أمام الأمم والشعوب، فأنت بيراعك السلس قد عبرت عن مشاعرنا وجسدت فرحتنا بهذا الكريم. شكرا لكم ولجميع حضور هذا الحفل البهيج.


#1196578 [احمد هاشم]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 10:07 AM
نعم الاستاذ ابراهيم كان هذا الشرف العظيم فخر للسودانيين والجالية الاسلامية فى بريطانيا التى نال اعضاءها 13 وسام MBE مع الاستاذ الخضر. هذه ليست المرة الأولى التى ينال فيها الخضر وسام في العمل الإنساني بل سبق وان تم اختياره كأفضل قائد في العمل الإنساني في افريقيا في يونيو عام 2011 بعد دراسة مستفيضة من شبكة التعلم الإيجابي للتقييم والأداء في العمل الانسانى. التى تهتم بتحسين الأداء من خلال التعليم والمساءلة http://bit.ly/1uWlUXX
"ثم قدمت الجهات المنظمة للاحتفالية وهي الجالية السودانية ومنظمة كردفان للتنمية ورابطة أبناء دارفور دروع تكريمية للمحتفى به"
تصحيح : مؤسسة كردفان للتنمية البريطانية ( ليست كاد).


#1196393 [fanar]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 07:51 AM
الخضر وما أدراك ما الخضر

بعد الصلاة والسلام على الحبيب ( ص )

أقول بشرى ومليون مبروك للسودان وإبن السودان

وأقول بشرى لدارفور التي أنجبت مثلك يا خضر

وتهانينا الحارة لأهله وزملائه وأصدقائه وأحبائه ومعارفه

وشكرا جزيلا لك أخي كاتب هذا المقال

وتقبل الله خالص العمل من أخونا الخضر وجعله في ميزان حسناته
كما الشكر أجزله للفته البارئة من أهل السودان في بلاد المهجر

فنار


إبراهيم سليمان
إبراهيم سليمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة