02-11-2015 12:20 PM


في مقال لـ د. أمل كردفاني يتم طرح سؤال معاد الإنتاج حول "ماهي الثقافة؟"، وهو موضوع لا يبدو جدليا بحد كبير في سياقات المجتمعات التي انتهت من تحديد الأدوار والمفاهيم ودخلت مرحلة تهشيم هذه المفاهيم في حد ذاتها في محاولة لإزاحتها وتشكيل عالم آخر يتم فيه إنتاج تصنيفات وتعريفات جديدة للأشياء والأدوار والقيم والمسائل الحياتية البحتة.
فإذا كان المثقف الغربي في مرحلة "ما بعد الحداثة" التي بدأت منذ مطلع سبعينات القرن العشرين قد بدأ يشكك في فكرة الذات وكونها كيانا كليا وشاملا ومتماسكا، وفي المدينة كوحدة ينظر لها على أنها متكاملة يمكن الهيمنة أو السيطرة عليها من قبل قوالب جامدة من الوعي، وفي النخب ومواقعها والمثقفين وهل هم فاعلون بحق في الحياة الإنسانية وكيف يحدث ذلك، أم بالإمكان توليد مفهوم وسياق جديد للثقافة بحد ذاتها وكذا المثقف.
في مقابل ذلك فإن المنطقة التي نعيش فيها من الجغرافية والوعي ما زالت أسيرة سؤال ما قبل التحديث، أي ابتداع الأدوار والأنماط والأشكال والمواقع، ومن ضمن هذا يأتي سؤال الثقافة والمثقف، فمن الجلي أن استفهام كردفاني يعبر عن أزمة مستمرة لم تحسم منذ نهاية القرن التاسع عشر وإلى اليوم، ربما منذ تلك اللحظات التي كان فيها ثمة "مثقفون" يذهبون إلى الغرب ليعودوا إلى ديارهم باحثين عن الأصول والجذور، لقد تعلموا من تلك المدرسة الجديدة في حياتهم منازعة الأنا، وكيفية رؤية الأصل، وهل المنبع إذا تمت تنقيته سيقود إلى مصبات نظيفة أم أن الطريق نفسه قد يكون كدرا.
لكن المشكل الذي ظل مستمرا أن هذه الأسئلة وتدويرها ظل مغلفا بطبقة الثقافة في صورتها "الانتقائية" – بتعبير كردفاني – أي النخب التي تقوم على رؤية العالم وفق مظلة الفكر والفن والأدب فحسب، وما سوى ذلك ليس مثقفا، وربما كان لانعكاس صورة التراث بعدا في ذلك من حيث نزعة الشمول في الفكر التي تبلورت في عصور المدنيات الإسلامية، فعالم كابن سينا أو البيروني أو الرازي كان يتجه نحو التنويع والكليات في المعرفة والتجريب والتطبيق، بممارسة الطب والهندسات وفي الوقت نفسه كتابة ربما الأشعار والتفكير في غموض الوجود، وهذه النزعة هي قائمة إلى اليوم بتكريس منظور البحث عن العالم أو العارف الكلي، وافتراض "الجهل" في غياب المعرفة بمحتوى ثقافي معين، مثلا يبادرك أحدهم بسؤال معين وأنت لا تعرف الإجابة، فتضع في خانة الجهلاء، أو ذلك السؤال الذي يمارسه عندنا الأجداد وكبار السن مرات كثيرة، "في أي سورة وردت الآية المعينة؟" أو "ما هي عاصمة الدولة المعينة؟".. وأنت لا تعرف.. فتصنف على أنك لم تتعلم شيئا في المدارس وبالتالي لست مؤهلا لتكون نخبويا وفق التعاريف الأرثوذكسية في بنى المجتمع القديم.
قد يكون ذلك تم تجاوزه نوعا ما، لكن القائم أن المثقف الجديد نفسه والصفوي والنخبوي يمارسون ذات الأدوار التي كان كبار السن يعكفون عليها، بملاحقة أحيانا الأخطاء البسيطة التي لا تحتاج لأكثر من "فلاش" صغير لتخزينها وتفريغها. فالبحث اليوم ليس عن حاشدات للعلم وتخزين وتفريغ، بل ذهنيات تساءل الواقع وتستبق الظنون بحيث يكون كل ما هو أمامنا محل مجادلة، قائمة على إدراك الأصول وليس على مجرد الهوى والمناكفات الدونكيشوتية.
واعتقد أن لصورة المثقف المشرقية ذات النزعة الشمولية عندنا سواء قديما أو جديدا جذورا في تصورات مدرسة الفقهاء عموما، فهم ينزعون إلى الهيمنة على كل شيء. بحيث تكون الفتوى مثلا ذات تنقلات متشابكة في مسائل معنوية وحسية، وتدخل في مساحة باتت اليوم من اشتغال العلم المجرد وليس للقول أو الكلام فقط أن يحدد النتائج دون الدخول إلى المعامل ومعرفة النتائج. وهذا التجريد الذي يبدو رائعا من حيث البعد الفلسفي وسيئا من حيث الدلالة العملية والواقع، يرجع جذره إلى نظرة ترى بأن الحلول قائمة في مستويات النصوص سواء كان السؤال عن السلوك والأخلاق والمكارم أو عن جوانب علمية بحتة، ليس ثمة فرق، وذلك بالاتجاه الذي يقول بأن الحقيقة داخل نص محدد يشكل المرجعية لكل المنتج الإنساني في ماضيه وحاضره ومستقبله، في حين المفترض أن ذلك النص المقدس يقدم إشارات لكليات المعرفة والوعي دون أن يخوض في التفسيرات والحلول الإجرائية سواء على مستوى القوانين والأنظمة والمؤسساتية أو المسائل العلمية وكيفية إدارة الطبيعة.
والغريب أن هذه النزعة نحو الهيمنة الكلية على المعرفة كما تتمثل في الفتوى، لم تقم بتشكيل عقل يفهم أبعاد الحياة المختلفة داخل دائرة الفعل الثقافي، فقد ظل النظر إلى الثقافة انتقائيا جدا في الأمس واليوم.. وقد ظل هذا التفكير الانتقائي في النظرة إلى الثقافة والسائد هو تكريس لمثال عبّر عن مراحل تاريخية معينة في التاريخ من المفترض تجاوزها، وهو ينم عن نوع من التسلط ورغبة تمديد سلطان الفقهاء بالسيطرة على العالم عبر مجازاتهم وحدها لا غير ما يجعلهم النخبة التي تحرك دفة الحياة. وفي مقابل ذلك لم يتحرر المثقف الجديد - افتراضا – من أن يكون نازعا نحو تحرير الاشياء من استاتيكية النظرة إليها بحيث يكتسب كل فعل وشيء وجانب من الحياة صورته الثقافية التي يمكن انتقائها والتفكير فيها والعمل على تركيبها لتكون فاعلة في تحرير الحياة نحو الأحسن.
ونجد أنه في حين أن شروط وفرضيات الزمن الآني ومنذ قرن وأكثر تغيرت كثيرا ما يتطلب إعادة التفكير بقوة في محصلة تلك القضايا وجدل الثقافة والمثقف، بالانتقال إلى التخصصيات الدقيقة وجعل مفهوم الثقافة شاملا للحياة داخل دوائر التخصص، إلا أن المتمثل لا يعكس أي حركية ذات أثر ملموس. فكما في طرح كردفاني فإن "المطبخ" مثلا يمكن أن يمثل ثقافة ذات مردود في الوعي وتركيب معطيات التاريخ لتكون في خدمة المستقبل، لكن ذلك ليس قائما عندنا.
قد لا يكون مطلوبا من الشعوب أن تقفز على الموضوع والظرف، لأن سياق الثقافة هو جزء من المجموع المعرفي الاجتماعي وتشكلات السياسي والسلطوي والعقائدي في نسيج كليات الحياة في بلد أو موقع معين، لكن مطلوب تحديدات وتعريفات وحشد للمعارف التي تمكن من موضعة كل شيء في نصابه وموقعه بحيث أن هذا التحديد يلعب دورا في الانطلاق نحو الممكن والأكثر تقاطعا مع الذات في رغبة التماهي مع العالم ومعطياته الخارجية.
إن الثقافة اليوم في العالم الأكثر حداثة، هي موضع شك كما ورد سابقا.. ذلك لأن العالم نفسه في تمظهراته بات سردية أكثر من كونه حقيقة.. ومن هنا ففي الوقت الذي يكون علينا أن نتجاوز مرحلة تصنيفات وأدوار سيكون المنتج الإنساني قد اجتاز تلك المنطقة إلى ما هو أكثر ارتباطا بالدلالات المستقبلية العميقة وتوصيفات العالم وابتداعه بهيئة تتشكل من خلال التغير الكبير في أشكال المعرفة وقوالبها وحركيتها السريعة والمتقلبة الخ..
[email protected]






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 557

خدمات المحتوى


التعليقات
#1206421 [د.أمل الكردفاني]
1.00/5 (1 صوت)

02-11-2015 07:42 PM
أشكرك للإشارة إلى موضوعي والتفاعل معه بهذا المقال القيم ، وأعتقد أنك أثرت نقطة هامة وهي نقطة تهشيم المفاهيم ، كمرحلة جديدة في المجتمعات الغربية ، في هذا السياق ، نجد تلك المرونة بل والانسيابية في بناء وإعادة بناء المفهوم ، وعدم الخضوع للأنساق التي كانت ثابتة ، مثلاً ، الفلسفة كمصطلح ، لا زال المفكرون يشتغلون عليها منذ حب الحكمة وحتى ابداع المفاهيم لدى دولوز ، والحداثة كمصطلح ، لازال قائماً في فرنسا في حين احتوته دراسات ما بعد الحداثة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو يحتمل عدة مكونات ، ثقافية ، كعلم الاجتماع والهندسة ، والمسرح ، ولا يوجد -من ثمَّ- استقرار نمطي ، بل حركة دائمة ومرور متواصل ، وخط هروب دائم إلى الأمام ، ومن هنا يشتغل المثقف بحرية ، ليتحول إلى مفكر ، لا إلى مردد ، ولا إلى (فلاش) كما ذكرت أنت ، .. أخيراً ، وفقاً للمفهوم الكلاسيكي للمثقف ، العارف بشيء من كل شيء ، يطرح التساؤل الآتي: من هو أكثر ثقافة من جوجل؟


عماد البليك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة