المقالات
منوعات
حلّة البطاطس المحترِقة
حلّة البطاطس المحترِقة
02-14-2015 04:51 AM

كان عصام , يتابع بدهشة طفولية , أعمدة دخان سيجارته , وهي تصّاعد في خطوط عمودية نحو الأٌفق , ثم تتلوى في حركات حلزونية راقصة لتختفي تدريجياً في فضاء شرفته المطلة على الشارع . كان يقارن ذلك بواقع حاله وأفكاره التي سرعان ما تذروها الرياح كلما شرع في تنفيذها على أرض الواقع . كانت سيجارته في رمقها الأخير عندما همّ بإشعال الأُخرى , مؤمناً بأن إشعال سيجارة إثر أُخرى سوف يدعم بنات افكاره التي كان يقطع تسلسلها رنين الهاتف من وقت الى آخر . في سره يصب جام غضبه على الهاتف ؛ هذه الآلة التي لا تحمل في طياتها سوى ” الهوا ” . ولا ينسى تفريغ ما تبقى في جعبته من لعنات الى صندوق البريد الذي لا يأتي الا بالفواتير , في بلد يأخذ بشماله ما يعطيك إياه بيمينه بكل ظرف ولطف . مع نفسه يدندن : يا زمن وقف شويه واهدي لي لحظات هنية . يردد هذا المقطع عدة مرات ، مرسلاً نظراته الملتاعة , الى ساعته الحائطية , التي تتلاقى عقاربها لدرجة الالتحام , ثم ما تلبث أن تفترق , لتنفرج زاويتها شيئاً فشيئاً كأنها تسخر منه ضاحكة , دون أن تستجيب لنداءاته المستحيلة . كان المقطع , يخرج من دواخله بحشرجة تثير الشفقة ، ومن أعماقه يضحك على صوته الأجش , وترجع به الذاكرة الى سني المرحلة الإبتدائية , عندما تقيأ يوماً خجله , وتطوع بكل حماس بتلحين نشيد إسماعيل والقط وما لاقاه من زملاء صفه من موجة ضحك وسخرية ، وأخيراً , حكم الإعدام الذي اصدره مدرس اللغة العريبة : صوتك يا عصام يذكرني , بطاحونة قريتي . انصحك بعدم تكرار هذه المهزلة !!
( يا زول أمريكا دي إما بزنس إما دراسة !! ) … عبارة , طالما سمعها مراراً وتكراراً . بعد كل جلسة نقاش مع الأصدقاء ، فآمن بها إيماناً مطلقاً وأضحت شعاراً , يحمله بين ظهرانيه , اينما حلّ . لكن أنىَ له بالبزنس أو الدراسة , مع التزاماته المادية تجاه أهله , و” طائشة الضفائر ” التي تنتظره منذ سنوات لإقتحام القفص الذهبي ؟ . كانت المعادلة صعبة , وجد حلها أخيراً بعد اقتناعه بنظرية , خاله ” ابو شنب ” . فأرسل له من – دم قلبه – آلاف الدولارات , لشراء سيارة ” أمجاد ” , علها تغنيه , عن التحويل الشهري . وقبل أن يلتقط عصام أنفاسه , ويتنفس الصعداء , تتوالى عليه الإتصالات الهاتفية من السودان , تخطره مرة , بهروب السائق بالايراد الشهري , ومرة بعطب السيارة , والحاجة الفورية الى قطع غيار , وأخيراً وليس آخر استشهاد أمجاد في حادث حركة مروّع , أرسلها – مأسوفاً عليها – الى زريبة الحلبي بأُمدرمان !! . وقبل أن يفيق عصام من صدمته تتوسع دائرة الطلبات و تأخذ طابعاً آخر هذه المرة , حينما يطالب , بمضاعفة ما كان يرسله بحجة انهيار الجنيه السوداني أمام الدولار الامريكي !!! وتنقضي خمس سنوات حسوما بدون بزنس أو دراسة أو ” بطيخ ” , بل تنقلات “مكوكية ” من شركة الى أُخرى , وتساؤلاتٍ متكررةٍ , من الأُم : متى تعود يا عصام للزواج ؟ اريد أن افرح بك , قبل أن اموت !!
تساؤلات صعبة , يبحث عن اجاباتها , في لفافات السيجاير , فلا يجدها الا دخاناً يتلاشى في فضاء الحيرة والضياع . رائحة حريق , تنبعث من داخل المطبخ , تعقبها صافرة انذار , يقفز على إثرها عصام , من مقعده كالملدوغ , ويندفع كالقذيفة نحو الموقد , ليجد ” حلة البطاطس ” قد احترقت قبل أن تنضج أفكاره المشتتة.
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 563

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مالك معاذ سليمان
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة