02-19-2015 06:43 PM


تناولنا في الحلقات السابقة حول " التقييم النقدي للفكر الجمهوري " :" مصادر الفكر الجمهوري"، و"الجمهوريين وانقلاب مايو 1969"، و"اعدام محمود محمد طه كيد سياسي"، كان ذلك في معرض مناقشتنا لمؤلف :عبد الله الفكي البشير :" صاحب الفهم الجديد للاسلام: محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ "، واشرنا الي أن التوثيق الجيَد الوارد في المؤلف يفتح شهية الباحثين للدراسة الناقدة للفكر الجمهوري ، ونتابع في هذه الحلقة بعنوان " الجمهوريون والماركسية" ، ونقدم تحليلا نقديا لتناول الاستاذ طه للماركسية، فكيف تناول طه الماركسية؟؟؟.
صدر للجمهوريين كتيب " الماركسية في الميزان" ، وهو عبارة عن متن محاضرة بهذا العنوان، قدمها الأستاذ محمود محمد طه بدار الحزب الجمهوري بمدينة أم درمان "الموردة" ، وذلك في مساء الأربعاء :22/5/1968م. بعد الإطلاع علي المحاضرة ، نلاحظ أن الاستاذ طه استند فيها علي كتاب جوزيف ستالين " في المادية الديالكتيكية والتاريخية"، ومعلوم أن هذا المرجع لستالين فيه تبسيط مخل، وعرض غير دقيق للماركسية ، بحيث يمكن القول أنه لايساعد في العرض السليم للماركسية قبل مناقشتها.
وكما هو معروف ، فان الماركسية تركت بصماتها على تطور الفكر الانساني العالمي ، بتصديها لتحرير الانسان من القهر الطبقي والقومي والاثني والجنسي ومن لعنة الحاجة، ولتحقيق الفرد الحر بوصفه الشرط لتطور المجموع الحر .وبالتالى من السذاجة القول أن الماركسية أفل نجمها بانهيار التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا.
وكان الأجدي للاستاذ طه أن يرجع لاصول الماركسية باعتبارها مراجع اولية ، كما ورد في مؤلفات كارل ماركس وفردريك انجلز مثل: "البيان الشيوعي" لماركس وانجلز ، " الايديولوجيا الالمانية " لماركس، "انتي دوهرينغ" لانجلز ، و"رأس المال أو نقد الاقتصاد السياسي البورجوازي" لماركس...الخ
ماهما أهم اكتشافين للماركسية؟؟:
فماركس وانجلز انجزا 65 مؤلفا ، ولكن من اهم مؤلفاتهما ، كما أشرنا سابقا ،: "الايديولوجيا الالمانية ( 1846 )" لماركس وانجلز، و"رأس المال" لماركس (1867 المجلد الاول ،1885 المجلد الثانى بعد وفاة ماركس ، 1894 المجلد الثالث ) ، وفي هذين المؤلفين انجز ماركس وانجلز أهم اكتشافين هما : المفهوم المادي للتاريخ كما جاء في "الايديولوجية الالمانية" ، ونظرية فائض القيمة التي أوضحت سر الاستغلال الرأسمالي كما جاء في مؤلف ماركس "رأس المال" . .
أشار انجلز في مؤلفه انتى دوهرينغ (1877) الى: أن الماركسية تحولت الى علم باكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة التى كشفت سر الاستغلال الرأسمالي.
بهذين الاكتشافين تحولت الماركسية الى علم ، بحيث يصبح الواجب تطويرها في كل الاتجاهات ، ولأن العلم لايعرف النهائية والاكتمال ، فان تجديد الماركسية عملية مستمرة ، وتنبع من منهجها الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وشمولها وتحولها وتغيرها الدائم ، وعليه فان التجديد كامن في طبيعة ومنهج الماركسية ، المشكلة كانت في الجمود الذي جرد الماركسية من طابعها النقدي والثوري.
أولا : المفهوم المادي للتاريخ :
انطلق ماركس في الفهم المادي للتاريخ من حقيقة بسيطة وهى الناس قبل أن يمارسوا السياسة والفن والدين عليهم أن يوفروا احتياجاتهم الأساسية من ماكل ومشرب وملبس ومأوى ، ولكى يتم ذلك عليهم ان ينتجوا ، ولكى تتم عملية الانتاج لابد من توفير وسائل الانتاج والعمل البشري ، واثناء عملية الانتاج تنشأ علاقات بين الناس تسمى علاقات الانتاج وتتعلق بالملكية والتوزيع ، وحول البنية التحتية للمجتمع التى تتكون من قوى الانتاج وعلاقات الانتاج تنشأ بنية فوقية تتعلق بافكار الناس السياسية والدينية والفلسفية والفنية .. الخ . ووحدة البنية التحتية والفوقية اطلق عليها ماركس التشكيلة الاجتماعية.
على أن العلاقة بين البنية التحتية والفوقية معقدة ومتشابكة وذات تأثير متبادل ، صحيح ان البنية التحتية لها تأثيرها على البنية الفوقية ، ولكن البنية الفوقية ايضا لها تاثيرها في البنية التحتية ، فالعلاقة ديالكتيكية بحيث يصبح من الصعب الحديث عن ادنى واعلى وخاصة في مجتمعات ما قبل الرأسمالية.
وهذا ايضا يقودنا الى العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي والتى ذات تأثير متبادل ، صحيح أن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي ولكن الوعى الاجتماعي يؤثر في الوجود الاجتماعي ويعمل على اعادة تشكيله.
اشار انجلز في خطابه على قبر ماركس انه مثلما اكتشف دارون قانون تطور الانواع بالانتخاب الطبيعي ، اكتشف ماركس قانون تطور المجتمع البشري ، فقبل ماركس كان علماء الاجتماع يرجعون تطور المجتمع البشري الى افكار الناس ، ولكن ماركس انطلق من العكس ، من الانتاج المادي واعادة انتاج النوع البشري باعتبار ذلك القوى الحاسمة في تطور المجتمع البشري . أما المفكر الماركسي الفرنسي لويس التوسير فقد أشار الى أن مساهمة ماركس لاتقل عن مساهمة طاليس في تأسيس علم الرياضيات أو اعمال جاليلو في الفيزياء ، وأن اعمال ماركس تحتاج الى دراسة متأنية ، وبالتالى من المهم تحرير الماركسية من الجمود الذي كرسته الستالينية.
ومنذ اكتشاف ماركس حدثت تطورات كثيرة في علوم الاجتماع والاثار والتاريخ والانثروبولوجيا وغيرها اثرت الفهم المادي للتاريخ ، مثلما حدثت تطورات في علم البيولوجيا اثرت وطورت نظرية دارون حتى اكتشاف الشفرة الوراثية في عصرنا الحالى . كما حدثت تطورات في علوم الفيزياء والفلك والجيولوجيا ، كان لها الاثر الكبير في تطور تلك العلوم و الفكر البشري . فما أن تظهر نظرية تفسر ظواهر معينة ، حتى تظهر ظواهر جديدة تحتاج لنظرية جديدة لتفسيرها وهكذا تطورت النظريات والعلوم.
في علم الاجتماع على سبيل المثال كانت مساهمة عالم الاجتماع مورغان الذي درس المجتمعات البدائية للهنود الحمر بعد ان عاش وسطهم لمدة عشرين عاما ، استند انجلز على تلك الدراسة في مؤلفه : "اصل الدولة والعائلة والملكية الخاصة (1884) "، والذي أشار فيه الى أن الدولة هى نتاج تطور المجتمع في لحظة معينة بعد تفكك المشاعة البدائية وظهور الملكية الخاصة ، أو بعد ظهور المجتمعات الزراعية الرعوية ، كما أشار فيه الى التقسيم الاجتماعي للعمل بين المرأة والرجل في المجتمعات البدائية حيث يذهب الرجال الى الصيد ويقوم النساء بالعمل المنزلى من نسيج واعاد الطعام وتربية الاطفال والتقاط الثمار وصيد الحيوانات الصغيرة غير المؤذية . واشار ايضا الى المساواة بين المرأة والرجل في المجتمعات المشاعية البدائية ، وبتفكك المجتمع البدائي وظهور المجتمعات الطبقية بعد اكتشاف الزراعة والرعي ظهرت عدم المساواة بين الرجال والنساء ، وكان ذلك اول هزيمة لجنس النساء في المجتمع البشري .ومنذ دراسة انجلز تلك، تطورت الدراسات التى تناولت قضية تحرير المرأة بمدارسها المختلفة.
وبعد مورغان تطورت دراسات الثقافات للمجتمعات البدائية ، مع الاختلاف النابع من ظروف كل مجتمع ، ولكن السمة العامة تؤكد صحة المفهوم المادي للتاريخ والذي كان هاديا ومرشدا لدراسات كثيرة حول النوع ، ودراسة العلاقات المتبادلة والمتشابكة بين الاقتصاد والدين والسياسة وانظمة القرابة التى تتداخل فيها العلاقة بين البنية التحتية والفوقية للمجتمع . وقد تناول الماركسي ارنست ماندل في مؤلفه ( النظرية الاقتصادية الماركسية ) امثلة كثيرة من دراسات معاصرة في علوم الاثار والاجتماع والانثروبولوجيا وثقافات المجتمعات البدائية ، اكدت صحة المفهوم المادي للتاريخ الذي اتخذه ماركس كمرشد له في دراساته وابحاثه مثل: "رأس المال".
وعلى سبيل المثال في مؤلف ستالين " في المادية الديالكتيكية والتاريخية " الذي استند عليه الاستاذ طه ، حاول ستالين أن يعمم اللوحة الخماسية والتى أشار اليها ماركس لنشأة وتطور الرأسمالية في أوربا ( تشكيلة بدائية ، رق ، اقطاع ، رأسمالية ،اشتراكية ) على كل التاريخ البشري ، في حين أن ماركس كان يعارض تحويلها الى نظرية فلسفية وتعميمها على كل بلدان العالم ، واشار الى ضرورة دراسة خصوصية كل مجتمع بذهن مفتوح وبطريقة مستقلة ، وفي هذا الاطار أشارماركس في مؤلفه ( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ) الى نمط سادس خاص ببعض بلدان الشرق ( الصين ، مصر ، الهند ، .. الخ ) ، يتمايز عن الانماط المشار لها في لوحته الخماسية ، اطلق عليه نمط الانتاج الاسيوى ، وهو يتعلق بملكية الدولة للارض والرى مقابل خراج يدفعه الفلاحون للدولة . وقد حاول بعض الماركسيين تعميم نمط الانتاج الآسيوى على كل البلدان غير الاوربية وهذا ايضا غير صحيح ، والسليم هو الدراسة المستقلة لكل مجتمع بذهن مفتوح لمعرفة واقعه وخصوصيته.
الجانب الآخر الذي انتقده انجلس في كتاباته الأخيرة اعتبار الاقتصاد هو العامل الوحيد الحاسم في التغيير ، فالى جانب الاقتصاد هناك عوامل اخرى: دينية ، قومية ، سياسية ، تقاليد كل بلد وشخصيات القادة فيها، تسهم في التغيير ، فللاقتصاد دور حاسم ولكنه ليس الوحيد . اما الماركسي انطونيو غرامشي ، فقد طور ملاحظة انجلس ، وأشار الى أنه من الصعب تحديد اى العاملين الاقتصادي أو الثقافي هو الحاسم في التغيير ، وأن الثقافة ضرورية لبناء القاعدة الاجتماعية نفسها ، وان النظام الرأسمالي لايعيد انتاج نفسه بوسائل اقتصادية او بالقهر ، وانما يعيد انتاج نفسه بوسائل ثقافية ايضا ، وبالتالى من المهم التأثير الثقافي والاخلاقي للطبقة العاملة وأن يكون لها مثقفين عضويين مرتبطين بها ، كما انتقد المفهوم المبتذل للمادية الفلسفية التى تلغي دور الانسان والممارسة باسم الحتمية التاريخية وتلغي التفكير النقدي ، وأشار الى ان التاريخ ليس له معنى الا بارتباطه مع التاريخ الانساني ،وكما اشار ماركس ان الانسان ليس نتاج سلبي للبيئة ، بل يسهم في اعادة تشكيل البيئة نفسها.
النقطة الثانية التى ركز عليها انجلز في نقده لمريدى المفهوم المادي للتاريخ الذين اعتبروه بديلا لدراسة التاريخ ،وأشار الى أن المفهوم المادي للتاريخ ليس بديلا لدراسة تاريخ كل بلد على حدة بهدف معرفة واقعه وخصائصه بذهن مفتوح ، وليس حشره في المخطط المسبق للوحة الخماسية أو نمط الانتاج الآسيوى أو اى مخطط ايديولوجي مسبق .مثل هذا الفهم ضار بالمفهوم المادي للتاريخ.
النقطة الثالثة هى ضرورة الاشارة الى أن ماركس لم يضع نظرية مكتملة حول الدولة ، وقد طورت دراسات معاصرة نظرية الدولة لماركس مثل مساهمة غرامشي ، نيكوس بولانتزاس .... الخ ، والذين أشاروا الى توسيع وظائف الدولة الرأسمالية المعاصرة والتى تعيد انتاج نفسها بها ، والابتعاد عن الفهم الضيق بأن الدولة تعبر فقط عن مصالح الطبقة أو الطبقات الحاكمة ، وان الدولة تحظى بالقبول بوظائف اقتصادية وسياسية وايديولوجية وثقافية وتاريخية . وبالتالى من المهم توسيع زوايا النظر في وظائف الدولة ودراسة الاشكال المختلفة التى تعيد انتاج نفسها بها.
نقطة جوهرية أخرى أن الماركسية كانت في حوار وجدل مع التيارات المعاصرة لها ، وانها كانت تتخصب بهذا الحوار وتسقط ماعفى عليه الزمن في استنتاجاتها وتضيف الجديد في ضوء المتغيرات الجديدة ، فماركس وانجلز بعد اربعين عاما من صدور البيان الشيوعي (1848) كتبا في مقدمة له ان البيان شاخ في بعض جوانبه ، وأن البيان نفسه يوضح أن تطبيق المبادئ يتعلق دائما وفي كل مكان بالظروف والاوضاع التاريخية في وقت معين . وضرورة عمل تحليل جديد يستوعب المتغيرات الجديدة التى حدثت في الرأسمالية. .
الجانب الآخر هو المتغيرات التى حدثت في تركيب الطبقة العاملة بفعل الثورة العلمية التقنية حتى اتسع مفهوم الطبقة العاملة نفسه وأصبح يضم العاملين اليدويين والذهنيين الذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي ، ودارت مناقشات واسعة في الستنيات من القرن الماضي ، على سبيل المثال: استنتاجات ماركوز الذي اشار الى أن الطبقة العاملة فقدت ثوريتها وأن الطلاب اصبحوا البديل لها في قيادة التغيير ، في حين السليم هو اتساع قوى التغيير في المجتمع والذي اصبح يضم قوى الثقافة والعمل ، كما أشار غرامشي الى ضرورة الاهتمام بالعمل وسط المثقفين لما لهم من دور في التحويل الفكري والثقافي للمجتمع وكسب المواقع في الجبهة الفكرية والتاهيل التاريخي للطبقة العاملة ( والتى اتسع مفهومها ) لتلعب دورها في تغيير تركيب المجتمع.
كما كانت الماركسية حاضرة في حوارات المثقفين والفلاسفة الذين جاءوا بعد ماركس بمدارسهم المختلفة مثل مفكري مدرسة فرانكفورت ( ماركوز، اريك فروم ، هابرماس ، .. الخ ) ، والذين اشاروا الى ضرورة تحريرها من الجمود الستاليني وتخصيبها بمساهمات فرويد في علم النفس والفلسفة الوجودية ، والبنيوية.... الخ . وقد اجهضت فترة الجمود هذا الحوار لما له من دور في تخصيب الماركسية ، ورغم ذلك كانت هناك مساهمات من فلاسفة ماركسيين مثل لوكاتش الذي كانت له حوارات خصبة مع الفلسفة الوجودية في مؤلفه (وجودية أم ماركسية ) . كما حاور غرامشي الواقع الايطالي وأشار الى أن اهم سمات الواقع الايطالي هو وجود الكنيسة الكاثوليكية وثقل المسيحية الكبير فيها ، وخلص الى ضرورة دراسة الدين ، والاستفادة من نقد استغلال الدين لخدمة مصالح دنيوية زائلة كما كان يتم في عصور النهضة والاصلاح الاوربيين ، بحيث يستوعب بسطاء الناس ، وطالب الماركسية بتلبية حاجات الناس الروحية حتى تكون الماركسية قريبة من تكوينهم الثقافي والنفسي . ونشير هنا الى تقدير ماركس مع انجلز لموقف رجل الدين ( مانزر) في حرب الفلاحين وثنائه على دوره الخلاق الواعى كرجل دين ثورى مصلح ، وكذلك نشير الى دور لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية في الانحياز للمستضعفين والفقراء ، وهذا هو روح الماركسية الرافض لاستغلال الدين لخدمة مصالح دنيوية ضيقة أو تبرير القهر باسم الدين.
كما تجاوزت الاحزاب الشيوعية في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ، وطرحت استراتيجية الوصول للسلطة عن طريق البرلمان ، كما طورت مدرسة الشيوعية الاوربية في السبعينيات من القرن الماضي مفهوم التداول الديمقراطي للسلطة، وضرورة حكم القانون واحترام حقوق الانسان وتجاوز نظام الحزب الواحد الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي.
وفي السودان منذ دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ، في اغسطس 1977 ، تم طرح التعددية الديمقراطية كأداة للوصول للسلطة أو الوصول للنظام الوطني الديمقراطي بطريق ديمقراطي تعددي جماهيري، وتم رفض نظام الحزب الواحد الشمولي والانقلابات العسكرية كوسيلة للتغيير ، وتم تأكيد ذلك الموقف في وثائق المؤتمر الخامس للحزب. .
وهكذا كان للتراكم المعرفي الهائل الذي حدث اثره في تطوير المفهوم المادي للتاريخ وتعميقة وتوسيعه وفق المستجدات باعتباره هاديا ومرشدا لدراسة الواقع بهدف التأثير فيه وتغييره الى الافضل ، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتخصب النظرية ، وكما قال الشاعر الالماني جوته : النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما.
ثانيا : نظرية فائض القيمة :
الاكتشاف الثاني لماركس هو نظرية فائض القيمة التي كشفت جوهر الاستغلال الرأسمالي ، أشار ماركس في مؤلفه: "رأس المال" الى أن المجتمع الرأسمالي ليس بلورة صلبة ، بل كائن عضوي قادر على التحول وهو يتحول بصورة دائمة ، وهذا ما اكدته الاحداث في التحولات المختلفة التى مرت بها التشكيلة الرأسمالية ، وكانت ثمرة دراسة ماركس الميدانية للمجتمع الرأسمالي في انجلترا هو اكتشاف نظرية فائض القيمة الى شكلت حجر الزاوية لنظرية ماركس الاقتصادية ، ولقد فسرت نظرية فائض القيمة الاستغلال الرأسمالي في المجتمع يومئذ والتى تقوم على استحواذ الرأسماليين على العمل غير مدفوع الأجر.
وفي نهاية القرن التاسع عشر حدث تحول في المجتمع الرأسمالي من مرحلة المنافسة الحرة الى مرحلة الاحتكار أو الامبريالية والتى أشار اليها اقتصاديون مثل هوبسن وهليفردينك ، استند لينين الى الابحاث السابقة لنظرية الامبريالية وأشار في مؤلفه ( الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ، 1916 ) الى سمات الامبريالية الخمس وهى أن صورة المجتمع اصبحت لاتحددها المنافسة الحرة ، رغم ظهور الاحتكارات مازالت علاقات الانتاج الرأسمالية هى السائدة ، ومازال قانون فائض القيمة سارى المفعول ، استئثار الاحتكارات بالربح الاحتكاري ، نهب شعوب المستعمرات اضافة للاستغلال الرأسمالي للعاملين ، تكوين الشركات المتعددة الجنسيات وتصدير رأس المال واقتسام العالم.
كما أشار ماركس استمرت التحولات في التشكيلة الرأسمالية بعد مؤلف لينين "الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية" مثل : الثورة العلمية التقنية ودورها في تطور القوى المنتجة وتدويل عملية الانتاج بفعل تصدير رأس المال ، تخصص البلدان المتخلفة في الانتاج التقليدي والملوث للبيئة ، أما مركز العالم الرأسمالي فيحتفظ لنفسه بالنشاطات الأكثر عصرية ( الانتاج الالي ، الالكترون ، غزو الفضاء ، الذرة .. الخ ) ، نشؤ الامبراطوريات المالية الدولية ( الرأسمال المالي الدولي ) التى تضمن اتحاد الرأسمال الصناعي الدولي المنتج ( المؤسسات الصناعية المتعددة الجنسيات مع قوة الرأسمال المصرفي الدولي ) ، المؤسسة المصرفية المتعددة الجنسيات ( البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي ) ، واندماج مجالات التداول والانتاج في مركز موحد للقرارات ، اى تحت سيطرة رأس المال ، ثورة الاتصالات التى ساعدت في سرعة وتحليل المعلومات ( الاكترون ، الموبايل ، الانترنت ... الخ ) ، ظهور قوى عاملة مثقفة ( ذوى الياقات البيضاء والذهبية ) المنتجة للمعارف التى يتم الاستحواذ من قبل رأس المال ، وهذه القوى تتعرض للاستغلال الرأسمالي وتدخل ضمن نسيج قوى الثقافة والعمل التى تنتج فائض قيمة مباشر وغير مباشر ، اضافة للتحولات في الهيكل الانتاجي الى صناعات غزيرة التكنولوجية كثيفة رأس المال مثل : الالكترونات والحاسبات الآلية والطاقة الذرية والآلات الدقيقة المدارة ببرامج الحاسب الالى والصواريخ ومنتجات الكيمياء العضوية أو الهندسة الوراثية والمعدات الحربية بفروعها المختلفة ومعدات الفضاء ومنتجات الهندسة الكهربائية والطاقة .
كما تعمقت أزمة الرأسمالية المعاصرة مثل : البطالة ، الاشكال الجديدة لنهب بلدان العالم وأزمة الدين العالمي والتهميش وتعمق التناقض بين قوى الانتاج الضخمة التى اطلقتها الثورة العلمية وعلاقات تزايد التفاوت في توزيع الثروة .
استمرت التحولات في التشكيلة الرأسمالية الى أن دخلت فترة جديدة هى مرحلة العولمة ، والتى يصفها البعض بأنها مرحلة عليا في الامبريالية ، ويصفها البعض مثل : سمير أمين مرحلة شيخوخة الرأسمالية ، فما هى أهم سمات وخصائص هذه الفترة ؟
- اصبحت مراكز العالم الرأسمالي المهيمنة على الاقتصاد العالمي تتكون من : امريكا ، اليابان ، أوربا ، وادوات هذه المراكز هي : منظمة التجارة العالمية التى تقدم الحماية لاحتكارات المراكز . كما يمثل صندوق النقد الدولي السلطة النقدية ، والبنك الدولي السلطة التنفيذية لمجموعة الثمانية الكبار (G8) . وبلعب حلف الاطلسي الدور السياسي والعسكري ، اما امريكا فتمثل الرقيب العسكري على العالم .
- كما أن من أهم سمات الرأسمالية المعاصرة اعادة انتاج الفقر على سبيل المثال : 1,3 مليار شخص في العالم لايتعدى دخلهم دولار واحد في اليوم ولايحصلون على مياه صالحة للشرب ولا على الحدود الدنيا من العلاج . 850 مليون من الاميين ، 800 مليون يعانون من سوء التغذية . 210 مليون طفل في العالم يتم استغلال قوة عملهم . تدهور الوضع البيئي في العالم الناتج من من ازمة نمط الانتاج الرأسمالي الذي يهدف لتحقيق أقصى قدر من الارباح لرأس المال .
- كما أن من افرازات الرأسمالية المعاصرة ( العولمة ) : الديون على الدول الفقيرة ، التهديد بالاسلحة النووية ، الاحتلال المباشر للبلدان ( العراق بهدف النفط ... الخ ) ، بيع الاعضاء البشرية (اسبيرات بشرية) ، شبكات الدعارة الكبيرة للنساء والاطفال ، تجارة المخدرات ، غسيل الاموال ، انتشار وتفشى ظاهرة الفساد ... الخ .
- كما ان من سمات الرأسمالية المعاصرة سيطرة الشركات العابرة للقارات على ثلث الاصول الانتاجية في العالم على سبيل المثال : في الفترة 1982 – 1992 ، كان نصيب اكبر 200 شركة عالمية يصل الى 26,8 % من الناتج العالمي بايرادات تصل الى تريليون دولار ( تقرير الاونكتاد 1993 ) ، هناك 20 % من دول العالم تستحوذ على 85 % من الناتج العالمي وعلى 84 % من التجارة العالمية ويمتلك سكانها 85 % من مجموع المدخرات العالمية ( فخ العولمة : 1998 ، ص 11 ) .
- كما أن من نتائج العولمة تصفية مكتسبات العاملين والفئات الوسطى وزيادة البطالة وانخفاض الاجور وتدهور مستويات الخدمات الاجتماعية التى تقدمها الدولة واطلاق آليات السوق ، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط والاقتصاد وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين . كما اصبحت الزراعة في مراكز العالم الرأسمالي والتى تعتمد على منجزات الثورة العلمية والهندسة الوراثية تقف حجرة عثرة في تطور القطاع الزراعي في البلدان النامية ، وبالتالى تعمل الزراعة الرأسمالية على استبعاد حوالى 3 مليار من المزارعين من الزراعة المعيشية ( التقليدية ) وتضيفهم الى جيش البطالة . كما اصبح الخيار العسكرى من قبل الولايات المتحدة يهدد جميع الشعوب .
من السرد اعلاه لمراحل تطور الرأسمالية التى وجهت لها الماركسية سهام نقدها ، نلاحظ التراكم الكمى لمثالب الرأسمالية والتى ظلت على طبيعتها منذ مؤلف ماركس" رأس المال" حتى وصلت لمرحلة العولمة الحالية والتى تؤكد ضرورة التغيير واحلال الاشتراكية محل الرأسمالية .
ومن الجانب الآخر ورغم نتائج العولمة السالبة التى أشرنا لها سابقا ، الا أننا نلمس تصاعد الحركات الجماهيرية والديمقراطية المطالبة بالغاء الديون الثقيلة على بلدان العالم الثالث وضد منظمة التجارة العالمية ، ومن اجل حماية البيئة ونزع اسلحة الدمار الشامل ، ومحاربة الامراض الفتاكة (الايدز والايبولا..الخ) ، والدفاع عن حقوق الانسان والاقليات المضطهدة ، والدفاع عن حقوق المرأة والنضال من اجل تحسين أوضاع العاملين المعيشية والاجتماعية والثقافية ومن اجل عولمة بديلة تكرّس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحق الشعوب في سيادتها واستقلالها الوطني والتنمية المستقلة وحقها في السيطرة على مواردها الطبيعية ، وأن تلعب الدولة دورها في تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين مثل : التعليم والصحة ومياه الشرب النقية .. الخ بدلا من خصخصة تلك الخدمات والتى كانت على حساب الكادحين.
هكذا يؤكد التراكم المعرفي الذي حدث أن الماركسية مازالت نابضة بالحياة ، وانها قامت على نقد وتجاوز مساوئ وشرورالرأسمالية والتى تجسدها مرحلة العولمة الحالية ، وأن هناك ضرورة للبديل الذي يقوم على مرتكزين هما الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وبالتالى ، التجديد في الماركسية يجب أن يتناول اهم اكتشافين لها وهما : المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة ، والتى شكلت الاساس لنقد الرأسمالية . وأن الماركسية تتجدد بالحوار مع التيارات الثقافية والفكرية المتنوعة ، وأن دراسة الماركسية في جوهرها هى دراسة الثقافة الانسانية والارتباط بالواقع بكل مكوناته الثقافية والروحية.
من خلال العرض اعلاه للماركسية يتضح غني وخصوبة الماركسية ومنهجها في دراسة المتغيرات الجديدة للواقع بهدف استيعابة والعمل علي تغييره، وهذا هو جوهر الماركسية، علي سبيل المثال : يصف الاستاذ محمود محمد طه في كتابه "الماركسية في الميزان" ص 3-4 ، ماركس بأنه "فيلسوف لكل الأزمنة " ، ومعلوم أن ماركس نفسه لم يدع أنه فيلسوف لكل الأزمنة ، بل استفاد من منجزات الفلاسفة السابقين مثل: هيوم، كانت ، ديكارت، فورباخ، هيغل ...الخ، وعرض ماركس اكتشافه حول المفهوم المادي للتاريخ، كما أشرنا سابقا، كتخطيط عام ، وليس كفلسفة أو عقيدة جامدة ، أو ليست بديلا للدراسة الملموسة لكل مجتمع لمعرفة سماته وخصوصياته بهدف تغييره.
ولاندعي ، كما أن ماركس نفسه لم يدع، بأنه " فيلسوف لكل الأزمنة"، حتي أنه كان يقول لزملائه أنه "ليس ماركسيا" ، بمعني لا تحولوا نظريتي أو تخطيطي العام للتاريخ الي فلسفة أو عقيدة جامدة تصلح لكل زمان ومكان.
يقول الاستاذ محمود محمد طه في ص 8 من مؤلفه " الماركسية هي فلسفة كارل ماركس " . ومعلوم لكل دارس في السياسة والاقتصاد أن مكونات الماركسية هي : الفلسفة – الاقتصاد – الاشتراكية العلمية، ومنهج ماركس هو الديالكتيك الذي ينظر للظواهر في حركتها وتبدلها وتغيرها ، وهو طريقة في البحث ، لايختلف عن المنهج العلمي في أوسع معانيه ، وأن الماركسية واكتشافها الأساسي في المفهوم المادي للتاريخ، ونظرية فائض القيمة هي : نظرية علمية ، شأن كل النظريات الإجتماعية الأخري، وبالتالي فهي نظرية قابلة للتطوير وفق المستجدات والمتغيرات الجديدة، أي ليست عقيدة أو فلسفة او ايديولوجيا جامدة.
ويقدم الاستاذ طه تفسيرا غير فلسفي وغير دقيق لمفهوم " المثالية" ، كما ورد في مؤلفات ماركس وانجلز باعتبار أنها " أفكار حالم" ، يقول طه في ص 12 من مؤلفه " الماركسية في الميزان": " اذا كان هناك انسان مستغلك ، وعندو حقك ، وأنت تنتظر أن تأخذ منو حقك دا بالتي هي أحسن وبالمحاورة والمداولة وبسن التشريع ، وبالاصلاح العام السلمي ، بالصورة دي مابتكون عندك فرصة ، وبتكون انت مثالي ، هذا هو المعني القصود..".
ومعلوم أن "المثالية" بالمفهوم الفلسفي ، كما ورد في مؤلفات ماركس وانجلز هي بمعني " اسبقية الفكر علي الواقع أو أسبقية الوعي علي المادة. أي تتحدد علي ضوء علاقة المادة بالوعي ، وعلي أساس الاجابة علي هذا السؤال ، كما يقول انجلز ي مؤلفه " فورباخ ونهاية الفلسفة الالمانية الكلاسيكية" ،انقسم الفلاسفة الي معسكرين، الذين قالوا باسبقية الوعي علي المادة شكلوا معسكر "المثالية" بمدارسها مختلفة، والذين قالوا باسبقية المادة علي الوعي شكلوا معسكر المادية بمدارسها المختلفة ، علي أن مايميز منهج ماركس المادي الديالكتيكي ، هو النظر للعلاقة بين المادة والوعي في حالة حركة وتغير دائمين ، وباعتبارها علاقة انعكاس معقدة لايجوز التبسيط فيها، صحيح أن المادة سابقة علي الوعي ، ولكن الوعي نفسه يعمل علي التأثير في المادة، ويعمل علي تغييرها وتبديلها. ومن هنا جاء قول ماركس " الوعي يصبح قوة حاسمة في التغيير عندما تتملكه الجماهير".
يواصل طه في مؤلفه السابق ص 12 ويقول : " الشيوعيون هم بقايا الثورة الفرنسية المعروفة عندكم ، فهم يرون أن التغيير لازم يكون بالعنف".
واضح خطل ماورد اعلاه ، فلا الشيوعيون بقايا من الثورة الفرنسية ، ولايرون بشكل مطلق أن "التغيير لازم يكون بالعنف". فالتغيير في الماركسية ومنهجها الديالكتيكي يأخذ أشكالا مختلفة ، سواء كان سلميا أو بالعنف ، واذا أخذنا مثالا من تجارب الثورة السودانية ، نجد أن التغيير في الثورة المهدية لنظام الحكم التركي ، تم بالثورة الشعبية المسلحة، أي بالعنف، أما التغيير في ثورة اكتوبر 1964م لنظام الديكتاتور عبود ، تم سلميا أو بالاضراب السياسي والعصيان المدني. اذن التغيير حسب المفهوم الماركسي يعتمد علي ظروف وخصائص كل بلد ، ولايعتمد علي رغبات أفراد أو طبقة ، وانما يعتمد علي الظروف التاريخية المحددة، وكما يقول انجلز " التغيير للنظام القديم سوف يشق طريقه سلميا ، اذا كان القديم عاقلا، أو بالعنف اذا عارض القديم هذه الضرورة". فالظروف الموضوعية والذاتية هي التي تحدد عما اذا كان التغيير سلميا أو بالعنف ، فالمسألة ليست رغبة للشيوعيين في العنف ، فاذا كانت مسألة رغبة ، فالشيوعيون شأنهم شأن الآخرين العقلاء ، يختارون الطريق السلمي الديمقراطي للتغيير.
يواصل الاستاذ طه في مؤلفه السابق ويقول في ص 13 " المادية الديالكتيكية هي معرفة قوانين الطبيعة والمجتمع البشري".
وهذا تعريف خاطئ ، فالمادية كما اشرنا سابقا بمفهومها الفلسفي هي " اسبقية المادة علي الوعي"، أما الديالكتيك فهو منهج طوره الفيلسوف الالماني هيغل ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وتبدلها ، في التحولات الكيفية التي هي نتاج تراكمات كمية من التغيرات، والي الجديد باعتباره نفي ديالكتيكي يأخذ افضل مافي سمات القديم في تطور حلزوني ، كل حلقة فيه أرقي من الحلقات السابقة، وهو منهج وطريقة في البحث لايختلف عن المنهج العلمي في اوسع معانية ، هذا فضلا أن الماركسيين لم يدعوا أن " المادية الديالكتيكية هي معرفة قوانين الطبيعة والمجتمع البشري". فقوانين الطبيعة ميدان معرفتها هو العلوم الطبيعية ومناهجها ، والمجتمع البشري ميدان معرفته هو العلوم الإجتماعية والإنسانية والسلوكية ".
وهذا مثال للتعريفات غير الدقيقة التي قدمها ستالين في مؤلفه " المادية الديالكتيكية والتاريخية" ، والتي أخذها عنه الاستاذ محمود.
يواصل الاستاذ محمود في مؤلفه ويعدد "حسنات" و" سيئات" الماركسية ويقول: " من حسنات الماركسية الفكرة التطورية..".
اذا كان المقصود الفكرة التطورية كما وردت في الديالكتيك ، فان الفضل في ذلك أو الحسنة لاترجع إلي الماركسية ، فالديالكتيك كان موجودا منذ أيام الفلاسفة اليونانيين ، وتطور علي يد الفيلسوف الالماني هيغل ، والذي استفاد منه ماركس كطريقة في البحث والتفكير .
أما اذا كان المقصود بالفكرة التطورية ، كما ورد في علوم الأحياء ، فان الفضل في ذلك يرجع الي شارلس داروين وليس الي الماركسية ، فدارون هو الذي اكتشف نظرية " النشؤ والارتقاء" أو تطور الكائنات الحية بواسطة الانتخاب الطبيعي، والتي استفاد منها ماركس في دراسته للمجتمع البشري ككائن عضوي يقبل التطور والتحول والتغيير.
فالحسنة هنا لاترجع الي ماركس ، ولكن ترجع الي هيغل ودارون.
يواصل الاستاذ طه ويشير الي أن من سيئات الماركسية هي " ديكتاتورية البروليتاريا"
صحيح أن ماركس تحدث عن الديمقراطية باعتبارها طبقية ، بمعني أنه في المجتمع الرأسمالي الذين يملكون المال والثروة هم الذين اقدر علي شراء الاصوات وكسب الناخبين، كما هو الحال في النظام الديمقراطي في امريكا الذي يتبادل فيه الحكم الحزبان الجمهوري والديمقراطي وكلاهما يعبران عن مصالح الشركات والاحتكارات الرأسمالية، فالسياسة الامريكية التي تعبر عن مصالح الشركات والاحتكارات ثابتة لاتتغير سواء فاز الحزب الجمهوري أو الاشتراكي، كما اكدت التجارب أن الديمقراطية طبقية فمثلا:عندما فاز اليسار في شيلي بقيادة الماركسي سلفادور الليندي عام 1970 بانتخابات ديمقراطية، قامت الشركات والاحتكارات بالتنسيق مع المخابرات الامريكية بتدبير انقلاب عسكري ضد النظام الديمقراطي المنتخب،مما يؤكد هذه الحقيقة. هذا إضافة كما اشرنا سابقا، أن الاحزاب الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية طرحت الطريق الديمقراطي السلمي التعددي الي الاشتراكية . فضلا علي ضرورة الاستناد علي منجزات الديمقراطية وحقوق الانسان وحكم القانون، باعتبار أن الديمقراطية شرط لاغني عنه للوصول الي الاشتراكية ، وتأكدت تلك الحاجة بعد المتغيرات العالمية التي حدثت عقب زوال الأنظمة الشمولية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا وغيرها من أنظمة الحزب الواحد في بلدان العالم الثالث الذي يحتكر كل السلطات والثروة ويحل حكم الأمن وأجهزة المخابرات محل حكم القانون، كما هو الحال في نظام المؤتمر الوطني الحالي في السودان. اكدت كل تلك التجارب الحاجة الي الديمقراطية كشرط لاغني عنه من أجل الوصول الي الاشتراكية، واستكمال الحقوق الاقتصادية والثقافية بالحقوق السياسية والحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون.
يواصل الاستاذ طه ويقول في ص 28 : " أنا افتكر أن كارل ماركس في جميع نقطه التي أسس عليها اشتراكيته العلمية قد حجب عن كونها مرحلية ، واتخذها كالمستديمة وبني عليها مستقبل التطور.".
وهذا ايضا غير صحيح ، فنظرية ماركس ، كما اشرنا سابقا، حتي في كل حياته ، كانت تتطور وتغتني باستمرار ، كما أن ماركس نفسه لم يضع اشتراكية علمية أو شيوعية مكتملة واتخذها كالمستديمة وبني عليها مستقبل التطور. كل مافعله ماركس أنه درس واكتشف قانون تطور المجتمع الرأسمالي المعاصر كما تطور في انجلترا يومئذ، ودرس تناقضات هذا المجتمع ، تنبأ بتحول هذا المجتمع نتيجة للتناقض بين قوي الانتاج وعلائق الانتاج ،اي بين الطابع الإجتماعي للانتاج والشكل الخاص للتملك. كل مافعله ماركس وانجلز بعد اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ، واكتشاف نظرية فائض القيمة ، وضعا ملامح عامة للمجتمع الاشتراكي المقبل ، حتي أن ماركس كان يشير الي أنه بولوج الانسانية مرحلة الاشتراكية العلمية أو الشيوعية ، يبدأ تاريخ الانسان الحقيقي الخالي من كل أشكال الاستغلال الطبقي والديني والجنسي والثقافي..الخ، ويتحقق فيه تطور الفرد الحر باعتباره الشرط لتطور المجموع الحر. مما يؤكد أن ماركس لم يؤسس اشتراكيته العلمية باعتبارها حقيقة نهائية مكتملة مستديمة. وظلت الماركسية مفتوحة للتطور والاغناء والتطوير، كما اشرنا سابقا، ومتطورة مع تطور العلم والمعرفة والحياة السياسية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
نخلص مما سبق الي أن ميزان الاستاذ طه للماركسية لم يكن دقيقا، بل خفت موازينه ، سواء كان ذلك في مضمار العرض السليم للماركسية من مصادرها الاولية كما هو الحال في مؤلفات مؤسسيها ، أو في مضمار المناقشة التي ترتبت علي ذلك العرض الخاطئ.

[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1641

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1212626 [ِAM]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2015 08:44 AM
مقال غنى بكثير من المواضيع القابلة للنقاش أنا قرأت كتاب الشهيد محمود الذى طبع عن تلك الندوة وهو موجود ومتوفر ولكن الحق يقال فأن بالكتاب أبتسارا للفكر الماركسى وجهلا كبيرا به, بفلسفته وأقتصاده ولايمكن معه حتى الناقشه وذلك لانعدام أى حقائق يمكن البناء عليها ومناقشتها. أرجو من الاخوة قبل مهاجمة الكاتب الرجوع لنص الندوة المذكورة.


#1212471 [Talat Germany-Munchen]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2015 09:02 PM
لشيوعية سقطت في مهدها بعد أن نكبت الإنسانية بانحطاطها في التصور والفكر والاقتصاد والسياسة والأدب، سقطت إلى الأبد.. لكن لا يزال ضحاياها الحيارى التائهين في إفريقيا وبعض بلدان العالم الإسلامي والعربي يعيشون على تلك الأوهام ويقتاتون من فضلات وروث ذاك الخزي والعار!


#1212271 [Ismail Elmahdi]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2015 11:16 AM
من الواضح أن الأستاذ تاج السر قصد التشويه أكثر من النقد البناء الهادف وإلا كان عليه أن يورد النصوص كاملة من كتاب الأستاذ محمود "الماركسية في الميزان" ثم يقوم بعد ذلك بتفنيدها.

أعتقد أن مفالات الأستاذ تاج السر سوف تقود القارئ المهتم لمصادر كتابات وأقوال الأستاذ محمود محمد طه الموجودة علي صفحة الفكرة الجمهورية: http://www.alfikra.org/index.php

هنا وصلتين لمن يريد أن يقف بنفسه علي ما كتب وما قال الأستاذ محمود عن الماركسية:

1- كتاب الماركسية في الميزان: http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=30

2- محاضرة الماركسية في الميزان: http://www.alfikra.org/talk_view_a.php?talk_id=5


تاج السر عثمان
 تاج السر عثمان

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة