موسيقا
02-20-2015 09:35 AM

إلى مدام: خوخا العوني،
في محرابها التأملي الموسيقي.
*(الموسيقا طريقة في التعبير
عن الذات، أو طريقة في الوجود، إنه
محاولة للتنفس في عالم خانق..).
- جان بازين –
مصور فرنسي.
.. حين سُئل بيتهوفن عن سبب استمراره في التأليف الموسيقي بعد أن فقد السمع - أو كاد - قال:( أنا لا أستمع إليها، بل أشاهدها)..
يروى عن صاحب الأصابع التي سحرت العالم أنّه كان في محنته يضع أسلاكاً نحاسيّة بين أسنانه ويصلها بآلة البيانو، ويقيس حجم الذبذبات والارتجاجات التي تصل إليه أثناء العزف.. ثمّ يحوّها إلى نوط مكتوبة، فمسموعة.. فمدهشة.
هكذا تتحدّى العبقريّة الحواسّ في غيابها وعدم امتثالها قسراً.. أو طوعاً كما حدث مع الملقبّ بشيطان الكمان (بغانيني)، حين أطلق صهيل جنونه في أحد تجلّياته الموسيقيّة، حتى انقطعت أغلب الأوتار لشدّة (نرفزته) فلم يبقَ منها إلا واحداً، واصل الإدهاش على السويّة نفسها، بل وأكثر، سألته إحدى الحاضرات – وكان يحبّها في صمت : (كيف تسنّى لك ذلك؟). فأجاب:(لكم تمنّيت الاستمرار في العزف دون أيّ وتر يا سيدتي).
هذه هي الموسيقا، أطول الألسنة وأفصحها، لغة الذين ينطقون عن (الهواء)، ويتحدّثون باسم السحب والأنواء والمسافات.
الموسيقيون قوم تعبت في مرادهم الأجسام والعلل والخجل، فهزموا قواعد النحو والصرف والإيتيكيت.
حاوروا القصب والخشب والجلود والوبر نفخاً وقرعاً وضرباً وهمساً ولمساً.. ولكن، هل أسمعت أنغامهم كلّ مَنْ بهم صمم؟..
هم – في أغلبهم – قليلو الكلام، كثيرو التذكّر، سريعو النسيان، واهنو الحركة، شاردو الذهن، ذابلو العيون، نافرو الأصابع.. لكنهم واثقو الخطوات، مثل ملاك لا يحتاج إلى المشي، أو حتى الترجّل.
أحبّ أصدقائي الموسيقيين لأني (أحسدهم).. أسكت في حضورهم مثل نحلة فوق زهرة، وأكتفي بكلمة (الله..)، تماماً مثل الصلاة والتضرّع والندم والحب والشفقة.. والخوف من عالم تغيب فيه الموسيقا.
المعذرة أيها النحويون، من قال إنَّ (الموسيقا) تُكتب بألف مقصورة؟!.. إنها لا تكتب إلاّ بألف ممدودة، العنق نحو السماء، مثل بجعات الباليه، راقصي الميلويّة وصوامع النسّاك والزاهدين في الكلام.
تتحدّث الرواية القديمة عن ذاك الرجل الذي دخل مجلس الخليفة العبّاسي بآلة غريبة، عزف عليها، فأضحكهم، ثمّ أبكاهم، ثمّ أنامهم، وغادر.. لكنّ الراوي غفل عن ذكر عبارة : (ثمّ عاد في صباح اليوم التالي فأيقظهم وصحّاهم).. ليته لم يعد، فنوم الظالمين والأغبياء والحمقى – كما تعلمون – عبادة يكافأ عليها المتسبّب في النوم والساهر على راحة وسكينة البلاد والعباد.
ليته عاد – كما في الرواية الثانية – لعلّ ذلك الخليفة وبطانته يصحون على سماع الموسيقا، بدلاً من قرع طبول الحرب ونفخ مزامير التأهّب للآقتتال وصليل السيوف ونعيق الغربان.
ليس غريباً أن تدعى الموسيقا بغذاء الروح إذا نظرنا إلى الشفاه والألسن والأصابع والأفواه المنشغلة بالنفخ والغناء والعزف قبل الأكل وتناول الطعام أو التفرغ للنميمة.
ليس غريباً أن يكنىّ الموسيقي بالنبيل الصامت، وهو الذي يحضن آلة العود والربابة، ينحني للكمان، يهمس للناي، يخاصم الطبل.. ويجلس إلى البيانو بكامل أناقته وقد حطّت فراشة حريريّة سوداء على رقبته تكريماً وإجلالاً.
تنصت إليه جدران القاعة دون تهامس أو تملل أو سعال أو نعاس، يفرغ كلّ ما في أصابعه من حنين و(خواتم).. ثمّ يعود إلى بيته وهو يحتضن آلته.. فيحتضنه الأفق.
الموسيقي ترجمان الآلة قبل سامعها، إنه أنين القصب الذي اجتثّ من أحراشه البعيدة ألم الجلود التي غادرت أصحابها وشجن الخشب الذي غادر أمّه.
هو ترجمان الأشواق الذي أراده محيي الدين بن عربي حين رأى فيما يرى النائم أنّ يضاجع الكلمات بمنتهى الطهارة والاستشراف.
مَنْ يتذوّق الموسيقا (بألفها الممدوة)، يرتقي مع أنغامها عن الضغائن والأحقاد، لأنّه عارف بالمقامات، المقامات التي لا تستطيع أن تعرّفها الأقلام والمعاجم، بل الآرواح قبل الآذان والمهارات والحفظ والمدارس.
ثمّة مَنْ يسمع وثمّة مَنْ يستمع، ثمّة مَنْ يطرب، ومَنْ يرقص، ومن يتمايل، ومن يغمض عينيه، ومَنْ يحلّق حتى يذوب شمع الجناحين.
الموسيقي يكتب بخطّ سرّي.. لا عفواً، إنه يكتب بحبل سرّي يصلك مع الرحم الأوّل والعشق الأوّل واللغة الأولى.
[email protected]

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 705

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1213052 [يا سلااااام]
5.00/5 (1 صوت)

02-21-2015 10:51 PM
الكاتب ابدع و المعلقين ما قصروا , سلمتم جميعا ...


#1212689 [هجو نصر]
5.00/5 (2 صوت)

02-21-2015 09:23 AM
ما اجمل ما تكتب يا صاح . النحويون لم يقولوا بكتابة موسيقا بالالف اللينة انما جاءنا ذلك من الافلام المصرية . عند النحويين اي اسم اجنبي ينتهي بالف فهي طويلة لا لينة مثل امريكا وكوبا وانجولا . موسيقا كلمة اجنبية مشاقة من (ميوز) (Muse) ربة الموسيقا والالهام والطريف ان ميوز هذي اصبجت مهنة معترف بها في امريكا تدر دخلا خرافيا علي من يمتهنها لالهام الشركات الكبري والمشاهير وحتي العلماء ! ذكر الراحل لويس عوض انه كان يمر باحد شوارع نيويورك حيناجأه واذهله لحن يخرج من احدي الكنائس قال مبهورا عن الاغنية واللحن : انها احدي سوناتات شيكسبير وتقول كلماتها :
اذا كانت الموسيقا
غذاء الحب
فاتخموني بها
لم تكن سوناتة كما ذكر غفر الله له وقد اتعبني ذلك كثيرا في القوقلة كما اتعبتني الترجمة البارعة التي استلهمت روح النص بينما قوقلت في الجسد -play on_ نرجمها اتخموني وياله من بارع ! ليت زمان السعادة والحب ياتي غتسرح الجيوش ويرعي الحمل امنا جوار الذئب ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح كما تمني بصيرنا الطيب صالح . عند ذلك يا حبيبنا تكف الموسيقا ان تكون اناشيد عسكرية وابواقا للحروب


#1212419 [عاصم البلك/ السعودية]
5.00/5 (1 صوت)

02-20-2015 05:39 PM
من أين لك هذه الشفافية الجارحة؟ شدني إلى كتاباتك هذا التوهج الرائع وهذا الصدق النادر المصحوب بحماسٍ طفولي جميل لحب الشعر والذوبان في كونه وقد أذهلتني هذه اللغة الشعرية المتمكنة الشفافة التي تصدر عن روحه العاشقة المعذبة دون تكلف أو تصنع.


#1212416 [صفية الحضري]
5.00/5 (1 صوت)

02-20-2015 05:36 PM
النص هنا يدلف مجاهل السرد، يفضح كمائن اللغة، وكمائن النفس، وكمائن المكان، وكمائن الزمن. نائل اليعقوبابي يترك نفسه لفضاء الصرخة "صرخة الكون" في نص لا يمكنك إلاّ أن تقرأ..! تمني نفسك بمتعة وقت يدنيك من أسرار العالم وأسرار النفس. يعطيك ألذ ما في الدهشة.


#1212364 [ملتوف يزيل الكيزان]
5.00/5 (2 صوت)

02-20-2015 02:35 PM
الا تعلم باحكام المعازف ؟ يالك من مرتد و كافر ! كيف تكتب مثل هذا الكلام في دولة الطهارة الاسلامية ؟ عليك ان تتوب او ابلغ عنك خليفة الله في الارض مولانا البغدادي ليتمتع بدمك المهدور. هذا الكلام سيكون غدا واردا و منشورا في الغاذيت الرسمية لدولة الخلافة البشيرية.


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
5.75/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة