المقالات
السياسة
طلاسم أمونة - قصة قصيرة
طلاسم أمونة - قصة قصيرة
02-20-2015 01:14 PM


صاحت سافو :‏
‏(أيتها الربة أفروديت ،، لا تحطمي قلبي بالألم)‏
وهتف يوربيدوس ضارعاً في قصيدته :‏
‏(سوف أكون عبداً للمولودة القبرصية‏
ولكن لا تفقديني عقلي)‏
‏ لم يستطع أحد أن يؤرخ لبدايات انبعاث الحب في النفس البشرية ، فربما قد بدأت منذ الكلمة ‏الأولى ، ولكن أمونة متأكدة بأن تاريخ الحب قد بدأ معها ، وربما أيضاً قد انتهى بها ،وهذا ‏إحساس مشترك عند العاشقين ، فالحب يتحول إلى كائن آخر داخل جسد العاشق ويمارس سطوته ‏عليه ووسواسه القهري وهواجسه اللعوب في العقل.‏
وبالحب يتشكل جنين سوريالي في رحم ظلمة الوحشة الإنسانية وفردانيتها البائسة ، ثم يأتي طلقه ‏إلى الوجود حاملاً ملايين الرسائل المقدسة والسرية والغامضة إلى عالم متوتر متوحد مشوش وهائم ‏في سيرورته بلا هدى.أو كما قال سارتر بين نقطتي الملل والأمل.‏
لم تلعن أمونة هذا الوليد في قلبها كما لعنه شوبنهاور ، ولكنها سقطت في بحره اللازوردي كما ‏سقط أوجست كونت. وكان سقوطها مروعاً ومؤلماً مثله.‏
أمونة هذه الفتاة العشرينية التي تعيش في قرية الشميخة على أطراف مملكة محمد علي باشا ‏السودانية المصرية في أواخر عهدها ، صفراء البشرة صغيرة الشفاه ذات شعر طويل تميل فيه ‏الخصلات بسوادها إلى اللون البني هذا الشعر الذي لم تره حتى نساء القرية ، ناهدة الصدر ، ‏متوسطة الطول بقوام ممتشق كالرماح الأفريقية ، ولو أنها تخلت عن ملابسها التقليدية لما كان ‏جسدها أقل رشاقة أو شبقاً من موديلات باريس . وإن لم تكن أمونة – رغم كل هذا- شاذة الجمال ‏، فهذا حال أغلب نساء هذه القرية التي يتشارك أهلها عذوبة النساء كما يتشاركون الفقر وصلاة ‏الجماعة وعروبة هلامية المصدر. وكان حبها خطأً بكل المعايير ، فالحب لا يخضع للمعايير ولا ‏للقوانين كعادته ، فهو آمور العربيد المتلاعب بصنيعة الآلهة عبر الحب. وهو نفسه الذي سقط ‏فيه حتى كاد أن يموت بحسب أبوليوس.‏
فمن أعلى النهر الكوني المقدس (نهر النيل) ومن صعيد مصر ، حمل (حنا) القبطي زوادته ‏وأموال أرضه التي باعها ، وارتحل إلى الجنوب ، حتى بلغ أطراف قرية الشميخة ، ثم وضع رحاله ‏، وتاريخه أيضاً بماضيه ، وحاضره ومستقبله في هذه القرية المقفرة. واستأجر منزلاً طينياً مكوَّناً ‏من غرفة ودكان ، وكان استقبال أهل القرية له قلقاً بالحذر ثم ممتلئاً بالدفء والحب ، وكان (حنا) ‏لطيف المعشر ، وفوق هذا كان وسيماً ، بأنف مستقيم ووجنتين محمرتين ، وتحت حاجبيه ‏المتزمتتين دائماً ، تفتحت نجمتان زرقاوان صافيتان كبحيرات جونقلي ، وكان شعره المنسدل حتى ‏كتفيه العريضتين يمنحه هيبة الحكماء وقداسة الرهبان ، وربما –وبحسب وصف أمونة له- كان ‏أشبه بيسوع المسيح في لوحة العشاء الأخير لدافنشي. أما حين مضت به الأيام ورغب في التمثل ‏بثقافة مجتمعه الجديد متسربلاً بجلبابه الأبيض ، وعمامته المطرزة بعناية ، فقد بدا لجميع رجال ‏القرية كفقيه دين من فقهاء الدولة الأموية أو عالماً فلكياً من علماء الدولة العباسية.إلا أن (حنا) ‏كان قليل الكلام ، فقد غشيت عينيه غشاوة قلب مضطرِّم ، لا يستقر نبضه ولا تتوقف اختلاجاته، ‏وعزا أهل القرية - في نميمتهم الحتمية التي هي عزاؤهم الوحيد ومحل أنسهم الأكيد بعد صلاة ‏العشاء- عزوا صمت (حنا) لجدته عندهم وقرب عهده باغترابه عن مألفه ، لكنهم أبداً لم يسألوه ‏عن ماضيه ، فقد كان ذلك مما يعد من قلة التأدب والإحترام ، وإن كان لهفهم لتقصي ماضيه لا ‏يقل عن تلهفهم لجنة الخلد في السَّماء.‏
‏ غير أن حال (حنا) لم ينقلب حتى بعد اندماجه برجال القرية ، الذين ازدادوا حباً له ، فقد كان ‏يراقبهم من دكانه عند صلاة العشاء فإذا فرغ منها الرجال أخرج لهم إبريقين كبيرين من الشاي ‏والقهوة وأكوابهما ، وذهب بذلك إلى مندم الرجال وهم يفترشون رمال الصحراء حانية الملمس ، ثم ‏يظل خادمهم الصامت ،الباسم في أحيان قليلة ، يسقي هذا وذاك ، دون أن يحكي أي قصة مسلية ‏‏.وهذا ما زاد من إكبار رجال القرية له ، وربما تمنى البعض-بمشاعر ساذجة وبريئة- أن يعتنق ‏‏(حنا) الإسلام وهو الذي يحمل صفات المتصوفة المُـثلى .‏
لم تحك لي أمونة كيف التقت بحنا ، ولا كيف أحبته بصمت ، لقد تحدثت إلي وهي ترسل نظرات ‏امرأة عجوز إلى ما وراء البرزخ الزمني ،ببؤبين مؤطرين بالمياه الزرقاء ،ورأيت صورة رمال صحراء ‏الشميخة تتبعثر منعكسة في عدستيها ، وامرأة تتمسك بأطراف ثوبها واللون الأصفر يحيط بمساحة ‏المشهد الكاملة . رأيتها تقطع الفيافي بخطوات غير متزنة ، حتى بلغت أطراف القرية ، ثم لتتوقف ‏وقد ترطبت بالعرق. نظرَتْ إلى الأفق ، ثم شدت قماط ثوبها وهي تندفع وراء غريزتها وقلبها يهفو ‏إلى النتائج قبل المقدمات.‏
وهناك قرب تلة رملية انتصبت صومعة صغيرة ،كانت تبدو كضريح لروح أحد الأسلاف ، فاقتربت ‏أمونة منها بحذر وطرقت بابها الخشبي الذي صدعته الأمطار وسلخت قشرته عوامل الطقس ‏المختلفة ،وبروح وثـَّابة قالت بحدة:‏
‏- أنا أمونة يا الفكي.‏
ثم دلفت إلى الداخل ، لم تنظر إلى الفكي ، بل جلسا بسرعة وقالت وهي تحدقه بألم :‏
‏- ماذا عساك أن تفدي به قلباً جريحاً؟
قال : عساي أن أنجيه أو يزدادَ ريحاً.‏
قالت: فذلك أنا فافعل ..‏
قال: كذلك قال ربك هو عليَّ هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً .وكذلك منحني الله من أسرار ‏الحروف ومواقع النجوم ، وفك الرموز وقراءة الكفوف ، وضرب المندل وغزل الطيالس ووشم ‏الطلاسم .. فاختاري ما شئت إنا فاعلون .‏
قالت وهي تطرق بالبؤس: الأسرع ..الأقوى والأكثر فعالية .‏
قال : فذلك هو سر الطلسم .. لك ما شئت .. وأنت أعلم بشروطنا .. قد علمتيها ممن سبقوك ‏إلينا.‏
أخرجت من طيات جيوب ثوبها من بين النهدين مالاً ثم دفعت به إلى تحت فرش عتيق بالٍ. وهي ‏تراقب عيني الفكي ويراقبها هو بدوره .‏
فأخرج الفكي عِصِيَّاً خشبية ربطها بعناية تنمُّ عن حسابات مدروسة ، ثم أمر أمونة أن تنفخ فيها ‏ففعلت ، ثم وضعها على منديل ولفه عليها برفق ، وأخذ يتلو من غامض القول ما شاء حتى ملتَّ ‏أمونة ، وحين كلَّ صبرُها ، نهض الفكي وحمل بعض صرارٍ من المساحيق مختلفة الألوان أخذ ‏يبعثر منها بمقدار على مجمرة ، وهكذا بلغ دخانها ذو الرائحة الكريهة مبلغاً جعل أمونة تسعل ‏حين أحرق صدرها ، ثم أخذ الفكي يحل المنديل عن قطع العصيِّ الخشبية ويعيدها مرة أخرى ، و ‏بدأ يقرؤها بصوت عالٍ:‏
‏- الجديد الجديد ، هوى قلبك إلى قلب من حديد ، القادم من سفر بعيد ، لا من الديلم ولا من ‏العبيد.‏
ولما صمت قالت هامسة: صدقت .‏
فقال وقد انتشى من تصديقها :‏
‏- بكما تفتنان ، فلا بلغتما الجنان ، ولا بلغتما الأمان .‏
صاحت: اللعنة عليك .‏
قال بخوف: هذا قدرك .‏
قالت : وجئتك لأغير قدري.‏
قال مبتسماً : فذاك سرُّ الطلسم .‏
فهدأت ، واستطرد هو: فأحوال الناس اربعة.. هوائي ومائي وناري وترابي. وفاتن فؤادك هوائي ، ‏فطلسمه هوائي ، ومكمنه هوائي ، يأتيه المرض من عجانه وأسفل قدميه ، ويأتيه العلم من ‏منخريه، فاسعي إليه بهدية ذات عطر ، وعلقي طلسمه على الجدران ، فإذا هو مضطرم حيران. ‏واقرأي عليه ما تيسر من القرآن كلما أذن الآذان ، أول الآي من سورة الإنسان وآخرها من سورة ‏الفرقان . فافعلي واصرخي (الوحا الوحا العجل العجل الساعة الساعة) يا خدام الآي أولي السلطان.‏
‏ وكان الخريف قد ضرب بشؤبوبه على مكالح القفر ، فوضع (حنا) على الأرض قرعاً وأقداحاً علها ‏تتصيد القطرات المنسربة من السقف السعفي، ثم خرج إلى رجال القرية ورآهم في مكرهة من أمرهم ‏وقد نخرت قوة العُبَاب هياكل جدرانهم فانهار منها ما انهار وتجلَّد منها ما تجلَّد ، فواظب معهم ‏على تجاوز الكارثة ، وقد صاح بعضهم : (إن لم يأت المطر هلكنا جوعاً وإن جاء هلكنا طوفاناً ‏فأي لعنة بهذه الأرض) . إلا ان (حنا) عمل بصمت .‏
وفي مثل أجواء الخريف هذه تهفوا الأرواح إلى نصفها ، أو كما جاء بالأساطير القديمة التي قالت ‏بأن الإنسان خُلق مخنثاً ثم قسمته الآلهة إلى نصفين ، يهيم كل نصفٍ باحثاً عن نصفه الضائع ‏في عوالم أخرى . وكانت أمونة تلمح عمل (حنا) مع الرجال بصمت ، ويلمحها هو فيصرف نظره ‏عنها بسرعة ، دون أن تكشف ملامحه عن شيء ، فتنظر أمونة إلى السماء المكفهرة بحاجبين ‏ضارعتين. ثم أنها تعود إلى غرفتها وتلقي نظرة على الطلسم الهوائي المعلق على الجدار، ‏فيخامرها شك يذبح صدرها ويُحمى جبينها، وكأن كل القصة لا تفضي إلى نتيجة ما. فتغمغم: ‏‏(الوحا الوحا.. العجل العجل ..الساعة الساعة) ولكن لا شيء يستطيع الهروب من سطوة الزمن.‏
وقد تساءلت أمونة في سرها ، عن سبب ولهها بهذا القبطي ؟ ليست وسامته لأن جميع النسوة كن ‏يرينه قبيحاً إلا هي ، وليس لصمته الذي يتحاكى به والدها مع أصدقائه ، فهي تكره الصمت ، ‏وإن كانت قد اعتادته منذ هام فؤادها بالقبطي. وربما أخذت تشتم حنا وتذمه في عقلها لكي تنساه ، ‏ولكنها ما أن تكاد تقترب من نسيانه ، حتى ينخلع قلبها كلما لمحته من بعيد أو كلما ذهبت إليه ‏في دكانه لتبتاع شيئاً ، فيعود قلبها للاختلاج والإضطراب . كانت تتذكره حين يمد لها بقطع ‏السكر المكعبة الإنجليزية في صمت ويأخذ ماله في صمت أيضاً وتلك العينان الزرقاوان لا ‏تعكسان شيئاً سوى برودة الموت. كانت تهييم ببصرها داخل دكانه الصغير المرتب بعناية بالغة ، ‏وترى باباً صغيراً يفضي إلى ممر ضيق به إضاءة شاحبة ثم ينحرف الممر يساراً بما لا يدع مجالاً ‏للشك بأنه يصل بين الدكان والغرفة . ثم أن أمونة تكاد أن تهمس للقبطي بشيء لكنها تتراجع ، ‏وهي لا تعرف ما يختبئ وراء هذا الوجه الجلمودي . قبل أن تعود إلى منزلها بفؤاد فارغ إلا منه . ‏وما أن تدلف إلى غرفتها حتى تلقي نظرة على الطلسم ثم تهمس في سرها :(الوحا الوحا.. العجل ‏العجل .. الساعة الساعة).لكن طلاسم الفكي لم تكن ذات نفع . فتهمس مكررة جملتها بأسى:‏
‏"ليست بذات نفع ... ليست بذات نفع .. ليست بذات نفع...".‏
تتزاوج الضفادع في خريف الشميخة ، فيجد كل ضفدع أنثاه بحسب قوة تراتيله الصوتية التي ‏تعكس ذكورة شبقة ، وإذ تأملت أمونة نقيقها في ليلة مظلمة ، تأست بأن الضفادع تجد ؛ من تحبه ‏وترغب به؛ بكل سهولة في حين أن الإنسان وهو الكائن الأسمى تقسو عليه الأقدار قسوة شديدة ، ‏وتجعل أبسط آماله أكثر تعقيداً مما يجب. ثم أنها خففت من غلواء هذا التأمل حينما حسبت أن ‏الضفادع نفسها قد تعاني معاناة شديدة حتى تدرك نصفها الآخر وربما لا تدركه حتى نفوقها .ربما ‏كانت خيارات الإنسان أكثر من أي مخلوق آخر ولذلك فإن أقداره أكثر تعنتاً.‏
‏***‏
ثم أنها حملت يوماً زجاجة عطر صغيرة في راحة يدها اليمنى ، واتجهت إلى دكان حنَّا ، بخطوات ‏مترددة ما بين السرعة والبطء ، ذلك أنها كانت تمني نفسها بالأماني تارة قبل أن تأخذها مخاوف ‏الصدود وجحد القلب. فلما بلغت الدكان ، رأت حنا ينهض مبتسماً هاشاً ، وهو يقول:‏
‏- مرحبا ببنت الشيخ الطريفي.‏
فما زادها ترحيبه إلا تردداً ، ولكنها استجمعت شجاعتها ، ومدت بصمت يدها التي تحمل زجاجة ‏العطر إلى حنا، فنظر الأخير إلى يدها بصمت ، فقالت:‏
‏- هدية .‏
قال حنا:‏
‏- من الشيخ؟
خرج صوتها من بئر سحيق ، وحياء شديد وهي تقول:‏
‏-بل مني أنا.‏
فانتقل التردد إلى حنا ، الذي مدَّ يدها ثم سحبها ثم أعاد مدها وهو يقبض على الزجاجة ويقول ‏بدهشة:‏
‏- شكراً .. شكراً على هذه الهدية القيمة.‏
ثم انفرجت أساريره وهو يعطر عطفيه بالعطر ، قائلاً:‏
‏- أنه عطر جميل الرائحة ونفاذ.‏
قالت:‏
‏- إنه من دمشق ..‏
‏- شكراً لك .‏
ثم انها ابتسمت بدلال ودارت على عقبيها قبل أن تولي عائدة وهي تهرول بغبطة تعلو وجهها ، ‏فلما دخلت غرفتها ولمحت طلاسمها المعلقة أخذت تقبلها بحبور ، أما حنا فقد فهم الأمر ، ورغم ‏أن هذه الحادثة قد بذرت في نفسه بذرة الحب إلا أن عقله أبا إلا أن ينبهه إلى خطورة الأمر ، فهو ‏قبطي مسيحي ، غريب في هذا البلد ، والشيخ الطريفي من أعيان القرية ، ولا سبيل إلى طرد ‏الشيطان إلا بموقف حكيم يتخذه في مواجهة قلب أمونة الصغير ، ولكنه حار في شكل هذا ‏الموقف ، رغم أنه كان متأكداً من أن أمونة وقد لقيت هذا الترحاب اليوم ، فإن شجاعتها ستواتيها ‏لتزوره مرة أخرى ، وحينها عليه أن يتخذ الموقف المناسب. ‏
وبالفعل ، جاءت أمونة في اليوم التالي ، فسلم عليها بجفوة صدمتها ، ولكنه أحس بالشفقة عليها ، ‏فابتسم بلطف وقال لها:‏
‏- سأهديك شيئاً .‏
ثم عبر الممر الضيق وانعطف إلى غرفته ، فبقى هناك لثوانٍ قبل أن يعود حاملاً في يده كتاباً ، ‏قال:‏
‏- هذا كتاب مكتوب بلغة بسيطة ..‏
قالت: ‏
‏- لا أعرف القراءة والكتابة أنا أمية .‏
قال بدهشة : ‏
‏- لا تعرفين القراءة ؟
قالت:‏
‏- النساء لا يعرفن القراءة ، بل أن الكثير من الرجال لا يعرفونها هنا.‏
نظر حنا إلى الأفق ثم تمتم:‏
‏- حسناً ..‏
أخذ منها الكتاب ثم ذهب إلى غرفته وعاد وهو يحمل قطعة قماش قرمزية ، ومدها لها قائلاً:‏
‏- هذه هدية أخرى .. تفضلي.‏
قالت:‏
‏- شكراً .. ولكن هل بإمكاني أن أطلب منك شيئاً؟
ولما صمت منتظراً طلبها قالت:‏
‏- ألا تعلمني القراءة .‏
أجابها بقلق:‏
‏-لا أستطيع .. المكان غير مناسب .. أنت تفهمينني أليس كذلك.‏
طأطأت رأسها بحزن ، فقال:‏
‏- ولكني سأعطيك درساً بسيطا الآن.. ‏
ثم اقتلع ورقة من كراس ، وحمل القلم وكتب به حرف الألف ، ثم قال لها:‏
‏- هذا حرف الألف ، أكتبيه أكثر من مرة وغداً سأعطيك حرفاً آخر .. وما عليك سوى أن تكتبيه ‏وتكرري كتابته ، خذي هذا قلم حبر وهذه دواة ، وإليك كراساً تركياً ، أكتبي فيه .‏
تهللت أساريرها ، وأخذت الأشياء ودارت على عقبيها عائدة ، ثم اتجهت إلى طلاسمها فوقفت ‏أمامها بخشوع وكأنها تعبد صنماً ، ثم جلست تؤدي فرضها المدرسي بشغف وحبور.‏
‏ ، وهكذا أخذت أمونة تتعلم القراءة ، والكتابة ، حتى مرت سنة كاملة اكتفت فيها أمونة بهذه ‏اللقاءات السطحية ، لكن قلبها كان يرنوا إلى أكثر من هذا بكثير ، أما حنا ، فقد حمل قلبه هم ‏هذا الارتباط الذي كان يزداد يوما بعد يوم .‏
‏***‏
لم يكونا يدريان إلى أين يقودهما هذا الحب ، لقد أمسك حنا براحة أمونة ، ثم قادها إلى غرفته ‏فنظرت أمونة إلى حيث تراصت كتب كثيرة على السرير والمقاعد وأرفف الدولاب الخشبي الصغير ‏، وعلى الأرض ، فقال لها حنا بابتسامة واسعة:‏
‏- اليوم هو يوم تخريجك كمتعلمة ، وهاهي المكتبة أمامك لتزدادي اطلاعاً ، هاهي كتب الفلسفة ‏سنقرؤها سوياً وسنتحاور فيها ، وها هي بعض الروايات العالمية ، وكتب التاريخ ، .. ‏
فقاطعته:‏
‏- الحب .. أليس هناك من كتب للحب .‏
أجابها بقلق:‏
‏- هناك كتب عن الحب ، ستجدين كلاماً كثيراً عن الحب في كل هذه الكتب ، لقد قال سقراط ‏وأفلاطون وأرسطو كلاماً في الحب .. سأقرأ لك منه الآن ..‏
حمل كتاباً عليه عنوان المأدبة لأفلاطون ثم قرأ منه:‏
‏- قال سقراط : أذكر لي هل الحب يشتهي الشيء الذي هو موضعه؟ قال أجاثون: لا شك أنه ‏يشتهيه . سأل سقراط :فإذا كان يملك الذي يشتهيه فهل يحبه؟ قال أجاثون: أظن يشتهيه ويحبه إذا ‏كان لا يملكه . قال سقراط: لاحظ إذن أن الرغبة تشتهي ما تطلب ولا تملك ولا تشتهي إلا ما ‏تطلب.‏
توقف حنا عن القراءة ، وهو يثقب الكتابة بنظره ساهماً. فقالت أمونة:‏
‏- لم أفهم شيئاً.‏
أجابها هامساً: ‏
‏- حاولي يا أمونة .. حاولي ..‏
أمسكت الكتاب من يده وجرته وهي تقول :‏
‏- سأحاول .. ولكن علي أن أقرأه من البداية.‏
‏ همس:‏
‏- أيتها النبية ديوتيما إنك لحكيمة فعلاً.‏
وحينما غادرت أمونة قال بألم:‏
‏- إن الحب شيطان.‏
‏***‏
في فجر ذلك اليوم نهض الطريفي من سريره منزعجاً ، فقد رأى في المنام أن ابنته أمونة قد ‏تزوجت المسيح ، ولم يعرف هل يستاء لهذه الرؤيا أم العكس ، فالمسيح نبي من الأنبياء ، وهو ‏رجل صالح ، ولكنه في نفس الوقت لا يعبر عن الإسلام . كانت الرؤيا واضحة مما لا يجعل ‏مجالاً للشك أنها ليست أضغاث أحلام ، فقرر سؤال معبِّر ، ولم يكن هناك أفضل من الشيخ ‏فضل السيد ، إمام المسجد ، وبعد أن انتهت صلاة الفجر انفرد الطريفي بالشيخ فضل ، وحكى له ‏عن الرؤيا ، فقال له الشيخ فضل بأن ابنته لديها شيء من أعمال أهل الكفر. غضب الطريفي من ‏هذا التفسير ، واتجه مباشرة إلى منزل الحريم ، ودلف إلى غرفة أمونة ، فنهضت الأخيرة مذعورة ، ‏وهناك قام بعملية تفتيش عشوائية ولكنه لم يمض الكثير من الوقت إلا وقد عثر على الكتاب ، ‏فصاح وقد تجمعت النسوة في الغرفة :‏
‏- ماهذا كتب الكفار في بيتي .. ‏
وبصعوبة قرأ العنوان ، ثم أردف:‏
‏- أفلاطون .. من أين أتيتِ بهذا الكتاب .. وماذا تفعلين به ..‏
كانت أمونة جزعة ، ولم تنطق بكلمة ، بل أخذت تجهش بالبكاء ، فلطمها أبوها لطمة جعلتها تقر ‏بكل شيء .‏
صاح والدها:‏
‏- سيصبح الصبح وسأري هذا الكافر الملعون كيف يعتدي على حرمات الآخرين .. ومن اليوم لا ‏سبيل لك إلى الخروج من المنزل.‏
جاء الصبح ولكن الطريفي لم يذهب إلى حنا.‏
‏***‏

اجتمع الرجال مساءً ، وكعادته أخرج حنا أباريق الشاي وأكوابه إلى حيث يتقرفص الرجال فوق ‏الرمال الناعمة ، ووجد الشيخ الطريفي يقول:‏
‏- انتصر محمد علي على الوهابيين في الجزيرة العربية ، هكذا جاءتني الأخبار ..‏
فقال أحدهم:‏
‏- إنه رجل لا يستهان به ، لقد استعانت الامبراطورية به في حروبها وكأنما هو الرخ في قطعة ‏الشطرنج ، إنه لا يشبع من الأكل.‏
وبينما كان حنا يصب الشاي ، قال أحدهم:‏
‏- لقد نكل بالمماليك أيما تنكيل . وانقلب على وجهاء القوم الذين دعموه ، أنه يبيد كل من يقف ‏في طريقه .‏
وبعد أن انتهى ليل السمر ، واتخذ حنا طريقه إلى منزله سمع نداء الطريفي ، فتوقف ، وجاءه ‏الأخير بخطى بطيئة ، ثم نحا به جانباً وهو يقول:‏
‏- عليك أن تغادر القرية ..‏
ولما لم يفهم حنا شيئاً قال الطريفي بنبرة قاسية:‏
‏- أمونة .. ‏
فهم حنا الأمر ، واصل الطريفي:‏
‏- أفسدت الفتاة ولا أريدك أن تفسد نساء القرية ، وأنا أتحدث معك الآن بهدوء ، عليك أن تغادر ‏بكرامتك ، وإلا فسيطردك رجال القرية لو أخبرتهم.‏
‏- لقد علمتها الفضيلة ..‏
‏- عن أي فضيلة تتحدث ..‏
‏- المعرفة ، المعرفة هي الفضيلة ..هكذا قال أفلاطون ..‏
‏- النساء لا يتعلمن الفضيلة بل يُجبرن عليها .. وأنا لا أعرف هذا الذي تسميه أفلاطون ، لا ‏مكان لك بيننا بعد اليوم ..‏
‏- أمونة تستحق أن تتعلم وأنا لم أفعل لها شيئاً يضرها ، لقد علمتها القراءة والكتابة ، هذا ما ‏فعلته.‏
توقف الطريفي عن السير وقال:‏
‏- أنا أعرف المرأة حين تعشق ، وأنت لا تصلح لها ، ألا تفهم أننا لا نسمح بزواج المسلمة من ‏مسيحي ..‏
‏- أنا لست مسيحياً ..‏
قال الطريفي بدهشة:‏
‏- ولكن إسمك حنا ؟!‏
‏- نعم هكذا أسماني أبوي ، ولكنني لست مسيحياً ..‏
‏- أنت مسلم إذن؟
‏- ولست مسلماً .. ‏
‏- فماذا أنت ..‏
‏- أنا لا أؤمن بكل ذلك .. والداي مسيحيان لكنني لا أؤمن بالمسيح.‏
‏- ألا تؤمن بأن المسيح ابن الله ..‏
‏- لا أؤمن بالمسيح إلا كشيوعي أفلاطوني .. المسيح كان ثورياً ‏
‏- ثوري .. ماذا تقصد .. المسيح كان نبياً ، حاول اليهود قتله .. ولكنهم فشلوا ..‏
‏- المسيح كان ثورياً ولم يكن نبياً ، لقد هددت شيوعيته مصالح المرابين من بني إسرائيل لذلك ‏قتلوه وحرقوا جثته .. هذه هي الحقيقة .. أما ماعدا ذلك من أقاويل فهي مجرد أساطير استمدت ‏من أسطورة كريشنا وحورس .. ‏
‏- يا إلهي أنت أسوأ مما لو كنت مسيحياً .. وهذا أدعى إلى طردك من القرية كلها .. ‏
‏- سأغادر ولكن بشرط واحد ..‏
‏- ماهو ..‏
‏- سأمنح مكتبتي لأمونة .. عليها أن تتعلم .. عليها أن تقرأ ..‏
‏- هذا هو المستحيل بعينه .. النساء لا يجب أن تدخل في رؤوسهن مثل هذه المفاهيم الكافرة .. ‏لم يعد هذا النقاش مجدياً .. غداً في مثل هذا الوقت تكون خارج القرية.. وإلا سأحرِّض عليك بقية ‏الرجال في القرية وسيكون خروجك منها فيه ذلة وامتهان لكرامتك ..‏
‏***‏
‏- ولذلك تدعينني حنا ‏
‏- لقد أسميتك حنا ولكن أهلي وأهل والدك رفضوا وأسموك حمد
‏- ألم تلتقيه بعد ذلك ؟
‏- لم التقه بعد ذلك .. هل أجبت على سؤالك؟
‏- ليس بعد .. هل لازلت تحبينه؟
‏- لقد كان الكتاب الوحيد الذي قرأته لأفلاطون ، وألحب عنده هو حب الحكمة .. لا لم أنسه لأنه ‏علمني ولكنني لم أعد أحبه ، لأن الحكمة هي التي شغلتني بعد رحيله .. لقد حاصرني والدي حتى ‏لا أتحصل على كتاب آخر ولكنني لم أعد أحتاج لأكثر من التأمل لفهم طلاسم هذا العالم .. ‏
‏- وهل فككتِ طلاسم هذا العالم ..‏
‏- العالم صيرورة ، وهذا ما يجعله متحركاً في ثبات .. ويوماً بعد يوم تتساقط الأساطير منه ، ‏وحين يخلو من كل أسطورة ستنحل طلاسمه بنفسها ..‏
‏(تمت)‏
‏20 فبراير 2015‏



[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1083

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1212385 [حمدالنيل]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2015 03:41 PM
رائع ... نقطة ضوء اخرى في المشروع الكبير..


د.أمل الكردفاني
 د.أمل الكردفاني

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة