02-21-2015 10:06 AM

العنف والتنوير.. بين الدين والسياسة
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(صارت المجازر الجماعية وإبادة الأمم
جهاداً، ونهب الشعوب زكاةٌ، وطواغيت الأرض
أصفياء الله، وأعداء الإنسانية أصفياء الله
المخلصين..).
- علي شريعتي-

.. العلاقة وطيدة بين العنف السياسي والعنف الديني، وتحالف الاستبدادين، يعود إلى غلبة الاستبداد السياسي الذي يتكئ على الأصولية وتفسير النص الديني.
إنّ تدخُّل الدين في السياسة يفسد السياسة ويسيء إلى الأوطان، كما أن السياسة أيضاً تفسد الأديان والعقائد نفسها، ويصعب أحياناً تمييز ما هو سياسي وما هو ديني، فالسياسة مجال للصراع بين الطبقات الاجتماعية على توزيع الموارد، ومجال للمنافسة بين الأحزاب السياسية من أجل الوصول إلى السلطة، وإقحام الدين في السياسة يؤدي بالضرورة إلى انغماس الدين في كل هذا من ناحية، وإلى انحياز الدين إلى البعض دون الكل من ناحية أخرى. فوجود مرجعية دينية مثلاً لنظام سياسي، في بلد ما، لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق مصالح أتباع هذا الدين في هذا البلد، لأنهم ينتمون روحياً إلى الدين نفسه، ولكنهم أيضاً ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، ويتحول الدين بالتالي إلى أصولية سياسية محددة.
فالأصولية نظام عقائدي مغلق على ذاته، ويعتقد بأنه يملك الحقيقة المطلقة. ولا نستطيع فهم ظاهرة الأصولية جيداً إذا بقيت محصورة في تراث ديني واحد، بل يجب فهمها من خلال تاريخ الأصوليات جميعها والمقارنة بينها، وفهم التنوير، أو فهم الاثنين معاً. فالمذهب الكاثوليكي كان في العصور الوسطى يعتبر نفسه دائماً الدين الوحيد الصحيح، وما عداه هرطقة، ومن لا يعتقد بعقيدة الكنيسة الكاثوليكية التي يقف على رأسها بابا روما فإن مصيره جهنم وبئس المصير، وأنها وحدها الفرقة الناجية من الدين المسيحي. والرأي المخالف لهذه الكنيسة ممنوع، وينبغي استئصاله بالقوة، وهذا ما فعله الكاثوليك بالبروتستانت طوال القرن السابع عشر. وحالنا اليوم ما نراه من الجماعات التكفيرية والإرهابية في البلاد العربية، التي تتخذ من الدين (ومن مذهب معين) ستاراً لأعمالها في القتل والسحل وقطع الرؤوس، وأكل الأكباد، والحرق، باسم الدين، والدين منهم براء، والاقتتال الدائر بين الأنظمة وهذه الجماعات نفسها الساعية من أجل إقامة إمارات إسلامية لكل جماعة على حدة وهي تقاتل ويكفّر بعضها البعض الآخر، إضافة إلى محاولة كل فكر أو مذهب أو تيار أن يطغى على فكر أو مذهب أو تيار آخر.
ومع ابتداء أزمة الوعي الأوروبي مع الأصولية الدينية في القرن السابع عشر الذي تشكل في تلك الفترة على أيدي غاليليو، وديكارت، وكيبلر، ولايبينيز، ونيوتن، الذين أسسوا العلم بالمعنى الحديث للكلمة، أدى إلى الصدام بين العلم المستند إلى الاكتشافات العلمية والجغرافية والتاريخية، والأصولية الدينية المستندة إلى جمود تفسير النص عندما كان الإرهاب الأصولي يلاحق العلماء والفلاسفة في شتى أنحاء أوروبا. فالفكر دائماً يسبق السياسة، والسياسة تأتي تتويجاً للفكر العظيم، والتغيير لا يحصل إلا بعد تراكم كمي للإبداع الفكري، والمفكرون كانوا يعلمون بأنهم سيموتون قبل أن يقطفوا ثمرة أعمالهم، ولكنهم اشتغلوا، ودفع بعضهم حياته ثمناً لأفكارهم. اللاهوت الغربي قمع كتاب (مقالة في اللاهوت) لسبينوزا، وكتاب (الاعترافات) لجان جاك روسو، وديكارت مؤسس العقلانية، وفولتير زعيم الأنوار الأوروبية، وغيرهم الكثير من أعلام الفكر التنويري في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا، وأقام محاكم التفتيش في إسبانيا بتهمة الهرطقة والزندقة، تماماً كما فعل الأصوليون في مصر لاحقاً، حين قامت القائمة على كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) وكتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، وكتاب (أحوال المرأة في الإسلام) لعلي منصور والحال هذه مع نزار قباني في ديوان (قالت لي السمراء) وكتاب (النبي) لجبران خليل جبران و(أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، واغتيال فرج فوده، وما فعلوه مع نصر حامد أبو زيد، وفي السودان مع الأستاذ محمود محمد طه وغيرهم الكثير.
إن الأصولية الدينية لا تستطيع المعاصرة، وهي على هذه الحال لن تصمد طويلاً أمام النقد التاريخي من أي جهة كانت، ولا يمكنها مواجهة حقائق العصر.
وإذا كانت الهرطقة هي المصطلح العام الدال على الخروج عن تعاليم الكنيسة (أي كنيسة) كما فعل رواد التنوير في الغرب، فإن هذا المصطلح ليس له وجود في التراث الإسلامي، بل درجت مجموعة من المفردات كالإلحاد، والبدعة، والزندقة، وامتدت هذه المعاني، فطالت المشتغلين في العلوم الفلسفية، وعلم المنطق، وأصبحت كلمة منطق مرادفة لكلمة زندقة.
ومنذ قيام الدولة العربية، لم يكن العرب بعيدين عن البحث في مدلولات المفردات التي جاء بها الدين، بل كانوا أيضاً السباقين إلى عصر الأنوار في طرح الكثير من الآراء والأفكار المغايرة للتفاسير السائدة. وفي القرن الأول الهجري ظهر العديد من الرواد الذين أسسوا لما سمي بعلم الكلام، أو علم التوحيد، أو علم العقيدة، الذين طرحوا أفكاراً جديدة تخالف الأفكار السائدة وهم معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، الذين كانوا جميعهم من منطقة بلاد الشام والعراق مرتع ظهور الأفكار والآراء التي توصف اليوم بآراء علم التنوير. وهؤلاء الأربعة الكبار دفعوا حياتهم ثمناً لآرائهم التي طرحوها على الناس، لمجرد أنهم قالوا كلمة خرجت عن إرادة السلطان، ولاقوا حتفهم باسم الزندقة بطريقة مفزعة، ونالوا العنف ما بين الدين والسياسة.
فمعبد الجهني عاش في البصرة في المحيط العربي، وكان معدوداً من علماء القرن الأول الهجري وموصوفاً بالصدق، واشتهرت آراؤه الكلامية حول نقطة واحدة هي نفي القدر، وكان يناقض فيه المذهب الجبري الذي حرص الأمويون على تعميمه بين الناس لقبول الحكم الأموي باعتباره من الله، وأن الإنسان ليس بيده شيء. وتسمّى المذهب القدري بعكس مقصوده، واستند في صياغته الأولى في عبارة مشهورة تقول: لا قدر والأمر أُنف، ونفهم منه أن الأمر مفروض بسطوة الحكام رغم أنف المعارضين، ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر، فالمفروض على الناس فرضه أناس آخرون، ودفع معبد الجهني حياته ثمناً لأفكاره التي عارضت أهل السياسة، بأن مات مصلوباً بعدما أهين إهانات مريرة طفحت بها كتب المؤرخين على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان بدمشق.
أما غيلان الدمشقي فنسب إلى دمشق وعاش فيها بالقرب من باب الفراديس، واشتهر بتقواه وورعه، وتتلمذ على يد معبد الجهني، وكان على صلة بالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي عهد إليه تصفية أموال الظالمين من أقاربه الأمويين، فأخذ غيلان ينادي لبيعها للناس صائحاً: تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع الخونة! ومذهب غيلان يوافق مذهب معبد الجهني القائل بالحرية الإنسانية، فصار يخالف ما كان يؤكده الأمويون في الجبرية، من أن كل ما كان، وما هو كائن، وما سيكون في المستقبل، إنما هو من أمر الله وقدره وتقديره، غير أن غيلان خالفهم في ذلك ضمناً دون تصريح واضح، ومع ذلك رفض الخليفة عمر بن عبد العزيز صديق غيلان كلامه وآراءه، وشدّد عليه بعدم ترديد أقواله المنادية بالحرية والإنسانية، وقتل غيلان الدمشقي على يد الخليفة هشام بن عبد الملك في مجلس الخلافة بأن زعق فيه: (مُدّ يدك)! فمدّها غيلان فضربها بالسيف فقطعها، ثم قال: (مدّ رِجلك) فقطعها الخليفة بالسيف، وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي والذباب يقع عليه بكثرة، وقال ساخراً: يا غيلان هذا قضاء وقدر؟ فقال غيلان: كذبت! ما هذا قضاء ولا قدر! فلما سمع الخليفة أحضره وصلبه على باب دمشق.
وثالث المؤسسين لعلم الكلام هو الجعد بن درهم الذي عاش في الشام تحديداً، وكان مؤدباً لأبناء الخلفاء، وهو مؤدب الخليفة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ويتلخص مذهبه في أنه يقرر أن الله منزّه عن الصفات، وكان ينكر بعض الصفات الإلهية القديمة، ومنها صفة الكلام بأن اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنّه كلّم موسى تكليماً، ولم يتوسع المؤرخون في بيان المعتقد الذي قال به جعد بن درهم، وإنما اكتفوا بتلك الإشارات وعدّوها دليلاً على زندقته، لأنه أنكر نصوصاً قرآنية تفيد أن الله شارك مخلوقاته والراجح أن جعد بن درهم كان يقول بضرورة تأويل مثل هذه الآيات القرآنية، بما ينزّه الله عن صفات المخلوقات. وقتل جعد بن درهم أشد فظاعة مما لقيه سابقوه، فقد قتله خالد بن عبد الله القسري بجامع واسط بالعراق، ووقع هذا الأمر صبيحة عيد الأضحى في الساعة المبكرة التي يذبح فيها المسلمون الخراف، بعد انتهائهم من صلاة أول أيام العيد وخطبته، وكان الجعد مسجوناً في سجن الأمير، فأخرجوه مقيداً بأغلاله فجر يوم العيد، وجاؤوا به إلى الجامع فأجلسوه أمام الناس تحت المنبر، وفوق المنبر راح الأمير خالد القسري يلقي خطبة العيد التي انتهى فيها بقوله للحاضرين: (ارجعوا فضحّوا تقبّل الله منكم، فإنني مضحٍّ بالجعد بن درهم)! ونزل فاستلّ سكيناً وذبح الجعد تحت المنبر وسط المصلين والناس ينظرون.
أما الجهم بن صفوان، وهو آخر آباء الكلام وأخطرهم جميعاً، فَعُدَّ من مؤسسي حركة الاعتزال، وهو ينكر الصفات الإلهية، صاحب ذكاء وجدال، يقول بخلق القرآن ويقول إن الله في الأمكنة كلها، وأشارت أغلب المصادر إلى أن الجهم قابل الجعد بن درهم بالكوفة، فأخذ منه الكثير، وأنه ثار على حكم الأمويين، وأسس ما يعرف في تاريخ المذاهب العقائدية بالمعطّلة، أي منكري الصفات الإلهية، الذين هم بحب التعبير القديم (النُّفاة) أي الذين ينفون عن الله الصفات الملحقة به، وقتل الجهم بن صفوان بأجواء سياسية تتمثل في ثورته على الحكم الأموي، لأن طبيعة العقلية العربية التي كانت مهيمنة آنذاك، لم تكن ترى الأمر مجرد جدال نظري حول حقيقة النص الديني، أو حول صحة المعتقدات اللاهوتية، فذلك كله عندهم ليس إلا جزءاً واحداً من رؤى متكاملة.
لم يقتصر العنف على ما ورد فقط من حكم الطغاة باسم الدين، لمجرد المخالفة، بل امتد إلى قطع الرؤوس، وخلع الأكتاف، ونشر الأجساد، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصمّ الآذان، وجدع الأنوف، والشوي بالنار (المقفع)، غير مكترثين بأي رادع لا في السماء ولا في الأرض.
والجدير بالذكر، أن آراء هؤلاء الرواد، نتيجة لهذا القمع الوحشي المخالف لجميع الشرائع، ولما جاء به الإسلام من العدل والرحمة والمودة والسلام، لم تُتابع، ولم تستمر، وحصل انقطاع طويل استمر عدة قرون حتى ظهرت آراء وأفكار مكمّلة ومماثلة على يد مفكرين وفلاسفة أمثال ابن خلدون، وابن رشد، والمعري وغيرهم من رواد التنوير.
على هذا النحو دفع مؤسسو علم الكلام ثمناً باهظاً لهذه الآراء والأفكار المبكرة التي طرحوها على الناس في زمانهم، فنظر إليها معاصروهم على أنها كفر، ورأى فيها الحكام وبعض علماء الدين المتشددين خروجاً عن الدين يستحق العقاب، خاصة أن آراء الأربعة المذكورين ارتبط بالتطبيق الواقعي للمعتقدات الخاصة بالحرية الإنسانية ونفي الصفات الإلهية، التي تأوّلها الحكام بحيث تجعل أفعالهم قضاء وقدراً. وفي الواقع لم تكن الإرهاصات الأولى لعلم الكلام إلا دخولاً في التراث العربي اللاهوتي الذي كان امتداداً طبيعياً للتراث الديني الذي ساد قبلهم، ومثلما نال الهراطقة نقمة الكاثوليك والأرثوذكس، طالت المتكلمين نقمة المتشددين من المسلمين، فارتبطت المصائر وتوحدت النهايات.
وإذا كانت حركة التنوير عند العرب بداية بعلم الكلام على يد الرواد الأربعة أو امتداداتها على يد ابن خلدون وابن رشد وغيرهم، قد منيت بانتكاسة أو قطيعة لم تقم لها قائمة حتى الآن، نجد أن حركة التنوير الأوروبية التي بدأت في القرن السابع عشر حظيت باستمرارية وتواصل على مدى أربعة قرون حتى اليوم، وشهدت صعوداً استثنائياً على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والفكرية.
المراجع:
1- معارك التنويريين والأصوليين هاشم صالح.
2 اللاهوت العربي وأصول العنف الديني يوسف زيدان.
3 مجلة (فكر) العدد 111/2010.
4 – إشكالية الدين والسياسة في السودان: د. نائِل اليعقوبابي
[email protected]

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1038

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1213086 [ود البقعة]
5.00/5 (1 صوت)

02-22-2015 03:24 AM

عندما يبدأ الكاتب د. نائل مقالاته (الرومنسية ، الهزلية ، الروائية..الخ) دائما يسبقها بعبارات او حكم لبعض اباطرة (الفلسلفة ، الشيوعية ، الادب ، الليبرالية ، الانسانية ) وعادة ماتكون حكم يستفيد منها الجميع .
ولكن وبمجرد ان قرأت حكمته هذه المرة حتى ازددهت اندهاشا لأن كاتبنا الحبوب لم يتطرق - حسب قراءتي - لمقالاته بحديث شريف او اية كريمة او مقولة جميلة من اهل العلم طالما الموضوع اساسا عن الدين.
لن اتحدث كثيرا عن علي شريعتي فهو (رغم مخالفته لكثير من مخالفات دينه) فهو رجل دين شيعي والدين الشيعي اساسه معاداة الدين الاسلام في كل شئ (العبادات ، العقائد ، التوحيد ، ..الخ) ولا يوجد رابط واحد يجمع بين الدينين (قد يقول قائل شهادة التوحيد ) وحتى شهادة التوحيد لا تعتبر من اركان دينهم لذا لزم التنويه ، وقد قتل على شريعتي في شقته في لندن وذلك بسبب مخالفته علماء دينه في الكثير من الامور ، وعلي شريعتي من المعجبين جدا (بالماسوني محمد عبده ) ملهم حسن البنا ، ومحمود محمد طه)
* ((ما نراه من الجماعات التكفيرية والإرهابية في البلاد العربية، التي تتخذ من الدين (ومن مذهب معين) ستاراً لأعمالها في القتل والسحل وقطع الرؤوس)) هنا اتحدى الكاتب ان يثبت ان في مذهب اهل السنة والجماعة مايجيز القتل والسحل !! وكلامي ليس عن الاشخاص المنتسبين زورا وبهتانا وانما عن المذهب المنهج السني الوسطي المعروف (مذهب ائمة السنة الاربعة).
** ((ودفع معبد الجهني حياته ثمناً لأفكاره التي عارضت أهل السياسة)) هذه العبارة المدلسة هي دائما مايستعملها اهل الملل الضالة للايحاء بظلم المقتول ، وانما قتل لمخالفته دين الله وشرعه ، اتَّهم الكاتب الدَّولة الأمويَّة بأنَّها كانت تتبنَّى عقيدة الْجَبريَّة، والجبريَّةُ هم الذين بالغوا في إثبات القدر حتَّى سلبوا عن الإنسان المشيئة والاختيار، ولَم يذكر الكاتب أدلَّته على هذا الاتِّهام، ولا يُمكن الاستناد فِي هذه التُّهمة على أنَّ الدَّولة الأمويَّة قتلت كلاًّ من غيلان الدِّمشقيِّ ومعبد الْجُهَنِيِّ اللَّذَينِ أنكرا القضاء والقدر؛ فإنَّ الدَّولة الأمويَّة هي التي أصدرت أيضًا الأمر بقتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان إماما الفرقة الجبريَّة، وبغضِّ النَّظر عمَّا قامت به الدَّولة الأمويَّة مِن قتل هؤلاء فإنَّ نسبة العقيدة الجبريَّة إليها لا تكون إلاَّ ببراهين وبيِّنات.
** (ومع ذلك رفض الخليفة عمر بن عبد العزيز صديق غيلان كلامه وآراءه، وشدّد عليه بعدم ترديد أقواله المنادية بالحرية والإنسانية،)) هنا ايضا تدليس من الكاتب فأهل السنة والجماعة لا يقتلون اي شخص لمجرد قول وحتى وان كان القول كفرا ، فيحاج ثم يستتاب واذا تاب فيسامح ، اما اذا اصر على كفره وزندقته فيطبق فيه الشرع (غيلان الدَّمشقي هو ثاني مَن تطرَّف وغلا وبالغ في نفي القضاء والقدر بعد معبد الْجُهَنِي، وزَعَم أنَّ البشر هم الفاعلون لأعمالهم دون تقديرٍ من الله عزَّ وجلَّ، وتُنسب إليه الفرقة الغيلانيَّة، وقد ناظره الإمام أبو حنيفة وأفحمه، ونهى الإمام مالك عن مجالسته، وأحضره الخليفة الرَّاشد عمر بن عبد العزيز فناظره وأقام عليه الحجَّة فأظهر التَّوبة بين يديه، ثُمَّ بعد أن توفِّي عمر بن عبد العزيز رجع غيلان إلى بدعة القدريَّة مرَّةً أخرى ودعا إليها، فناظره الإمام الأوزاعيُّ – إمام أهل الشَّام – بحضرة هشام بن عبد الملك فأُفحِمَ غيلان ومع ذلك عانَدَ وكَابَر، وقد أجمع علماء السُّنَّة قاطبةً على ذمِّه) اترى معي كلمة اجمع علماء السنة ؟!!
مذهب غيلان مذهبٌ تطرُّفِيٌّ غلا فيه في نفي القضاء والقدر، وادَّعى أنَّ الإنسان يفعل من غير مشيئة الله تعالى، فكانت دعوته هي التَحرُّر من مشيئة الله تعالى، فهذه هي حقيقة مذهبه، وهي دعوةٌ باطلةٌ مصادمةٌ لنصوص القرآن والسُّنَّة، وأيُّ فائدةٍ تُرجى في تَمجيد الآراء المتطرِّفة وتَمجيد قائليها وإظهار مذهبهم على غير ما هو عليه؟!
* (وهم معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان) كلهم تلاميذ بعض ، وستجد كذلك ان معظم اهل الفسق والزندقة تلاميذ بعض ، مثل الحلاج وابن عربي ، الى محمود محمد طه ، وكل هؤلاء من المتطرفين في الدين والغالين فيه ، بل من المبتدعة فيه .
* على الكاتب الحبوب ان يحترم حرف الدال السابق لاسمه وهذا الحرف لا يأتي الا بإتباع البحث والعلمية وكذلك ديننا الحنيف الاسلام فهو اكثر الاديان بل اكثر المعتقدات والمناهج التي تدعو للعقل وتجد كثير من الايات التي تدعو الى (التعقل ، التفكر ، التدبر،) وكذلك الاحاديث الشريفة ، لذا فإن منهج اهل السنة والجماعة هو المذهب الوسطي (وجعلناكم امة وسطا) (وكنتم خير امة اخرجت للناس) وفي الحديث لا افراط ولا تفريط ، ولو تتبعت مايجري اليوم من المابح والقتل والسحل هو من المتطرفين (القاعدة وداعش والاخوان المسلمين وهم سلالة واتباع الخوارج الاولين ) والشيعة الروافض الذين تواطؤا مع الد اعداء الاسلام حيث قتلوا ملايين السنة في دمشق ، وقد تحالفوا مع التتار والمغول ، وتحالفوا مع البريطانيين ضد السلطة العثمانية ، ولن تجد واتحدى ان تجد موقفا واحدا مشرفا للشيعة على مدى القرون يناصرون فيه الاسلام واهله .
* والغريبة ان جميع اهل الملل الضالة رغم تناقض عقائدهم مع بعضم البعض ولكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة وهي انهم جميعا اعداء اهل السنة والجماعة (قديما الخوارج ، ثم الشيعة ، ثم القادرية والمعتزلة والمرجئة وكثيرا من غلاة الصوفية ، وحاليا الاخوان المسلمين وحلفهم مع الشيعة الروافض منذ ايام حسن البنا وحتى اليوم ، والاخوان وداعش ، والقاعدة وايران ، وداعش والاخوان والشيعة ) كل هذه الاحلاف الضالة المضلة اجتمعت فقط لمعاداة (اهل السنة والجماعة دين الامة) فأين هو مذهب اهل السنة من هؤلاء القتلة ؟!!!
* اخيرا اقول لك كما قال الامام مالك رحمه الله - مذهب اهلنا في السودان - : يقول ابن الماجشون, سمعت مالكا يقول :من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة ،فقد زعم أن محمدا خان الرسالة,لأن الله يقول:(اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.(الاعتصام للشاطبي 1/66).


#1212927 [abdu]
5.00/5 (1 صوت)

02-21-2015 05:27 PM
اولا احي فيك ثقافتك الموسوعية الدينية بشقيها الاسلامي والمسيحي
ثانيا ما ذكرته من تنويريين امثال الجعد ابن درهم وغيرة اثمرت افكارهم في بذوغ فرقة المعتزلة الذين حكمو العقل غلي النقل ولكن ظهرت اقصائتهم عندما احتوا الخلافة العباسية ومارسو اشد النوع الظلم-محنة احمد بن حنبل وامتحان العلماء في خلق القران-اما مسئلة اقحام الدين في السياسة اوالعكس اتفق معك ,ماكان هم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام, ماكان همهم تكوين دوله اسلامية في المدينة فالدولة الاسلامية موعودة وليس مطلوبة( وعد الله الذين آمنوا وعملو الصالحات ليستخلفنهم في الارض ) ففكرة اصلاح المجتمع بسلطة اسلامية اثبت فشلها بالتجربة في السودان وبلد المنشأ مصر. فكرة سعيد النورسي الذي كان يحمل فكر الاخوان المسلمين جديرة بالاعتبار .تم نفيه بعد ان تصادم مع السلطة الحاكمة. وهناك الف كتابه العودةالى الله من السياسة والشيطان وقسم جماعتة الي قسمين جماعة للسياسة فقط وجماعة للدعوة على الا يتدخلوا في شئون بعض والزمهم باوراد وقيام الليل. فاجتهد اهل الدعوة بمظهرهم العصري وبدون لحي فاسسوا مدارس لجميع الطبقات وبداوا يؤثروا في الطلاب وكان النتيجة اوردعان الذي ظهر اخلاصة في طفرة الاقتصاد التركي


#1212854 [سيف الدين خواجة]
5.00/5 (1 صوت)

02-21-2015 03:04 PM
كرا يا دكتور علي هذه السياحة الفكرية العميقه لو ترك الساسة للاراء ان تتوالد لما احتجنا الي الهوس الذي نحن فيه الان لكنه الضيق بالاراء والاوصياء بانهم هم ظل الله في الارض كنت بالثانوي لي افكار في حصة وكان استاذنا الريح ابو الزين يخاف منها فيقمعني بظرف وادب فاحترمه فاسكت ثم ابادر صحبي ومرة بالداخلية رحم الله ايامها كانت الية لتعريفنا ببعضنا البعض والمهاجنة لخلق الانسان القومي في السودان وهذا من اس المعاناة لدينا لكنهم قتلوها ليقتلونا ويحولونا الي طائفية جديدة-المه كنا بالداخية نذاكر فجاة قلت له كلاما معناه ان قدرتنا هي احساس بقدرة الله فينا وكان فكاهيا لم يتركني اكمل قال (قلت كدي اتركني اطفئ النور واتغطي حتي لا يقع السقف علينا )!!! الخوف من غريب الكلام بغير فهم المعني هو عجزنا البائن عن الابداع بالمرة وجات الانقاذ قالت (تمت ختمت كسر عقلك وقلمك وارقص فقط )!!! لنا الله..............واصل لا تكل ولا تمل نتفيأظلالك بالغدو والاصال تنعشنا وتنعش الذاكرة الغربال لايام خلت ..تبقي منها مصمصة الملح !!!


#1212822 [Muslim.ana]
5.00/5 (1 صوت)

02-21-2015 02:00 PM
مقال جميل ومنظم كبقية كتاباتك يا دكتور وللأسف قليلة هي المقالات التي يُستفاد منها براكوبتنا.

عدم أخذ العبر من التاريخ جهل وحمق وقد امرنا ديننا بالنظر الى الامم السابقة واحوالها للعظة ولتعلم الدروس.

وما سرده الدكتور من تسلط للكنيسة وما تلاه من عصور التنوير والحداثة جدير بالتأمل واخذ العبر ولكن يجب ايضاً مراعاة الفروق بين الكاثوليكية وتعاليمها - او ما تبقى منها في ذاك الزمن - وبين الاسلام الذي تقوم أركانه على محاربة أفكار مثل الكهنوت، تقديس الاشخاص، الحق الالهي للحكام او اي شخص، منح صكوك الغفران عبر المؤسسة الدينية، وغيرها من المبادئ الباطلة التي استخدمها تحالف الكنيسة والملوك في تلك الحقبة.

ومع يجب البحث في هذا التاريخ وتنوير الناس للاستفادة من هذه التجربة الانسانية -كما بهذا المقال- لابد في المقابل من الحذر من وجود "مُتخفين" تحت ستار الحداثة والتنوير لضرب الدين نفسه، وهؤلاء اخطر من الملحد لأنه يكون واضحاً في طرحه مما يسهل نقاشه بينما يُظهر هؤلاء انفسهم كمدافعين عن الدين وكل كلامهم هو إستهزاء صريح بكلام الله واستهزاء برسوله صلى الله عليه وسلم، وهناك فرق -لا يخفى على عاقل- بين من يطرح رؤية تتعلق بفهم وتأويل النصوص الدينية و بين من ينتقد بل ويسب هذه النصوص واصفاً أياه بما لا يليق أن تصف به كتاباً يُدرس بالمراحل الابتدائية...وقد رأينا من هؤلاء من يكتب حتى في هذه الراكوبة ويدعي انه يريد حماية الدين ويستغلون مثل هذه المقالات لنفث سمومهم فيها بدس السم في الدسمةبدلاً عن القراءة المنصفة والبعيدة عن الغرض لمثل هذه الاجتهادات التي قد تساهم في تغيير واقعنا والحاقنا بركب التطور الذي لا يمكن ان يتعارض مع ديننا الذي الذي أنزله علينا من جعلنا خلائف له بالارض لنعمرها...

وعموماً، حتى هؤلاء "المُتخفين" وراء الحداثة لمحاربة الدين فيجب مقارعة باطلهم بالمنطق والحجة وليس بالسيوف -طالما لم يبتدروا رفعها لنا. ومن التحديات في نقاش هؤلاء هو تعرية أهدافهم، ومن سبل ذلك -حسب رأيي الضعيف- عدم الانجراف وراء أسلوبهم العقيم في النقاش والتقافز بين النقاط والشبهات وضرورة تحديد مضابط للحوار معهم أولاً قبل البدء في الحوار.

عذراً يا دكتور على التخريمة ولكن كلما يشدني مقال كمقالك هذا اتذكر طبقة من الطفيليات التي تقتات من الاندساس في أي مقال ملئ بالدسم الفكري ليُلوثوه بعفنهم. ولو أنهم كانوا من الشجاعة بحيث يطرحوا قناعاتهم ويناقشونها دون تخفي ومواربة لاحترمتهم!

سؤال اخير: لا اختلف معك في مبداء ان منع المتاجرة بالدين من قبل اهل السياسة هو حفظ للدين وقد لاحظت انك تستخدم عبارة فصل الدين عن "السياسة"، وقد اناقش معك هذا (للاصتفادة من اطلاعك) بمقالات قادمة حتى لا أُطيل ولكن سؤالي هنا هو: هل ترى فرقاً بين "فصل الدين عن السياسة" وبين "فصل الدين عن الدولة"؟ وهل العبارة الاخيرة تؤثر على علاقةالمجتمع بالدين بأعتبار ان بالدين تكاليف فردية وأخرى مجتمعية (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف...الآية)؟ وهل يمكن تجنب هذا الأثر على المجتمع بتطبيق العبارة الاولى لمراعاة التكليف المجتمعي المذكور دون أهمال "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟

وتقبل أحترامي


#1212700 [صالح عام]
5.00/5 (1 صوت)

02-21-2015 10:42 AM
سؤال كيف الخروج من هذه الافكار والبدع باسم الدين يا دكتور نايل


ردود على صالح عام
[نائِل اليعقوبابي] 02-21-2015 11:09 AM
أخي الحبيب صالح عام
لك تحياتي واحترامي
سوف اجيب على هذا السؤال في مقالات قادمة باذن الله تعالى.. وشكراً على المتابعة والسؤال.


#1212697 [تصويب من كاتب المقال]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2015 10:32 AM
*(صارت المجازر الجماعية وإبادة الأمم
جهاداً، ونهب الشعوب زكاةٌ، وطواغيت الأرض
أصفياء الله، وأعداء الإنسانية أحباء الله
المخلصين..).
- علي شريعتي-
الكلمة الصحيحة أحباء الله.. وهي مكررة،لذا اقتضى التصويب.


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة