المقالات
منوعات
غموض وضوح بساطة!
غموض وضوح بساطة!
02-23-2015 10:19 PM

غموض وضوح بساطة!
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(الحروف العاليات هي الشؤون الذاتية الكائنة
في غيب الغيبوبة كالشجرة في النواة..).
- أبن عربي-

.. يسخر الناس عادة ممن يرفع يده اليمنى ويحوّطها حول رأسه ليشير إلى أذنه اليسرى، فما بالك بمن يرفع يديه الاثنتين ليشير إلى اللاشيء..!

هكذا يعمد بعض الواهمين من المنشغلين في حقول الكتابة والفن إلى الغموض والتعقيد والبحث عن المفردات المبهمة، ظناً منهم أن الأدب هو الترفع عن كلام السوقة والدهماء والارتقاء إلى مخاطبة الصفوة والنخب العارفة بكوامن الأشياء.
النتيجة تكون كمن يحادث نفسه في نزلة حمى أو أضغاث أحلام. أما كان الأجدر بهم أن يعرضوا "إبداعاتهم" على أطبائهم النفسانيين أو أن يبحثوا لها عن مكان نشر في جريدة حائطية في أحد "مشافي المجانيين" المحترمة.
لقد أصبحت لعبة عشاق الغموض مكشوفة، فلم تعد تنطلي طلاسمهم على القارئ الفطن أو المشاهد المتيقظ، لأن عصور التقية والمواربات قد ولّت منذ زمن بعيد وأصبح أبسط الناس يواجه أعتى الكتّاب والفنانين بقوله: "أي..هات من آخرو..دائر تقول شنو؟" وهنا يتبين المبدع من المشعوذ والامتلاء من الانتفاخ.... والذي يبسط المعقد من الذي يعقد البسيط.
أعتقد أن الترجمة هي المحك الفعلي والغربال النقدي المميز للأدب الجيّد من الأدب الرديء، فالكاتب الحقيقي هو ذاك الذي يقرأ بلغات مختلفة ويستقبل إنتاجه بذات المتعة. أما من يمسخ عند نقله إلى لغة أخرى، فهو ممسوخ في لغته الأولى أصلاً... وليس صحيحاً أن الترجمة فعل خيانة إلا في حدود بيئة المفردة وآفاق استعمالاتها.
بقي شكسبير (شكسبيراً) وتشيخوف (تشيخوفاً) والمعري (معريّاً) وهم يقرؤون من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين، لأن العرش، حيث يجلس نابليون كما يقول المثل الفرنسي. أما من يتذرّع بالخصوصية اللغوية، فإنه أشبه بمطرب لا يغني إلاّ في الحمام أو بطل لا يصارع إلاّ أبناء حارته.
الغريب أن بعض الناس يكرهون من يتوجه إليهم بشكل واضح وبسيط فيديرون ظهورهم لإنتاجه وكأنهم يعاقبونه على بساطته ويقبلون على من يحب جلدهم بغريب الكلام وضباب المعنى؛ اعتقاداً منهم أن الحكمة في الغموض والعبارات المعقدة، لأن الطبيب الناجح في نظر هؤلاء هو الذي يكثر من وصفات الأدوية ذات الأسماء العصية على الحفظ.
هكذا ارتبطت المعرفة والتميز في مجتمعاتنا بـ "اللاّفهم" الناتج عن عقد النقص، مثل التبجح بالسريالية والدادائيّة والعبثية والتجريب دون أدنى دراية بالظروف التي أنشأت هذه المدارس والموجات في موطنها الأصلي، فترى الواحد يضغط على أنفاسه ويجبر نفسه على مشاهدة مسرحية عبثية مملة خشية أن يغفو أو يغادر القاعة، فيلمحه صديق متلبساً بـ"الجهل"...(صديقه أيضاً له نفس الإحساس).
أعرف صديقاً مستلباً زرته في بيته، فأمطرني موسيقا كلاسيكية خرجت من أنفي. وما إن أطبق الباب بعد أن غادرت بيته حتى سمعت أغاني (ندى القلعة، وفرفور، وحرم النور ) تدوي دوياً وتضرب بـ (باخ) و (موزارت) عرض الحائط...! لقد عاد إلى جلده بعد أن كان يختفي وراء ذائقة أخرى ويرتدي ثوباً كاد يخنقه.
ما ضره لو أسمعني هذه الأغاني (الشعبية)، فلربّما استمتعنا سويّاً... ولربّما كذبت أنا بدوري وادّعيت أن أمي كانت قد فطمتني على روائع الموسيقا الكلاسيكية، فقمعت ذائقته وذائقتي وجلسنا نحن الاثنين نتصنع الاستماع إلى شيء لا يستهوينا ونحرم أنفسنا مما نحب.
ما سبب هذه الازدواجية المقيتة؟ لماذا نخجل من لون عيوننا، لماذا قدّر علينا أن نصاب بعقدة الآخر والعيش للآخر والمشي في ظل الآخر؟!.
لكن النموذج الثقافي الغربي الذي عادة ما ننبهر به ميّال في طبعه إلى البساطة والابتعاد عن التعقيد والفذلكة؛ فمن أين جاءتنا هذه اللوثة؟!
إنها بلا شك الرغبة في التميز عند استحالة الوصول إلى الوضوح والبساطة، وهي في اعتقادي أرقى مراحل النضج الفني، لأنها تتأتى بعد بحث دؤوب ومعايشة حقيقية للواقع بكل أطيافه، لأنه من البسيط أن يكون الواحد معقداً وغامضاً، لكن من المعقد جداً أن يصل إلى البساطة.
رحم الله الشاعر رياض صالح الحسين الذي قال يوماً:
بسيط كالماء
واضح كطلقة مسدس.
[email protected]

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
د. نائِل.jpg

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 791

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة