02-26-2015 10:14 PM



لا غلاط أن بلادنا تعيش هرجاً عظيماً من أقصاها إلى أقصاها. وللناس في تفسيره شؤون. ومن رأي الحداثيين أن مرد خيبتنا هو سيادة العقل الرعوي في نهجنا وفكرنا. وقد رددت على هذه الفرية الحداثية في كلمات تتالت هنا. وخلافاً لزعم هؤلاء الحداثيين كان من رأيي أن الآفة التي من وراء هرجنا هي البرجوازية الصغيرة. وقد عَرَّفتها بحسب الماركسية الأوربية بأنها طبقة بينية تحتل موقعاً في عملية الانتاج بين البرجوازية مالكة وسائطه وبين الطبقة العاملة التي تبيع قوة عملها لهؤلاء البرجوازيين. ومع اعتبارنا لهذا التعريف الأصولي للبرجوازية الصغيرة بالطبع إلا أن باب الاجتهاد مفتوح في منزلتها ومالآتها في بلاد مثل بلادنا. بل ربما بلغ بنا هذا الاجتهاد حد نكران وجودها بيننا. وليس هذا علينا بكثير.

وقلت في هذا السياق إنه إذا أردنا أن نمسك حقاً بسبب الهرج ضارب الأطناب في بلدنا وجب علينا أن ننمي تقليداً نقدياً لفئة البرجوازية الصغيرة المدينية المتعلمة أفضل مما هو متاح لنا. وهذه الفئة مما تعارفنا على تسميته ب "الأفندية" أو "الخريجين" أو باسم الدلع الشهير: "الصفوة". ولنا في أستاذنا عبد الخالق محجوب أسوة حسنة في جعل هذه الفئة موضوعاً نقدياً لم يتزحزح عنه. فقد تحرى فكرها وممارستها في المجتمع والحزب ما ترك لها صغيرة ولا كبيرة. بل تنبأ بدمويتها متى أصبحت في الحكومة. ومات، رحمة الله عليه، على يدها في 1971.

ربما كان من أشرس ما في هذه الفئة الذي يجعلها بلا أخلاق ولا ميثاق هو غربتها عن ثقافة أهلها. وهناك اتفاق على ذلك. ولكنه لم يتفق لنا بعد تحليل أَشَف لماهية تلك الغربة ومداها. فقد ظنها فريق أنها مما يٌدرأ بالعودة للأصول واستئناف تاريخنا كأن الاستعمار لم يكن. وهذه الخطة هي فحوى فكرة التجديد الإسلامي وحركاته. وهناك ظن طال مداه مفاده أنه بوسعنا استثمار هذه الغربة بتخصيب الأصالة بالمعاصرة، أي ثقافتنا بثقافة الغرب. وهذه حيلة قديمة منذ بداية النهضة العربية في نهاية القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا لم يتحقق منها شيء. فظلت كفتا الميزان تتأرجحان لا إلى هذا ولا إلى ذاك لم نبلغ الوسط السعيد المنشود. والكفة الآن في المشاهد راجحة لتقليد الغرب إذا دخلوا جحر ضب حشرنا فيه أنفسنا من بعدهم. وعذرنا هو أن هذا منظق العولمة. يأ أمة ضحكت من سخفها الأمم.

كانت هذه الغربة وديناميكيتها موضوع علم مدرسة ما بعد الاستعمار الرائجة بفضل كتاب إدورد سعيد "الاستشراق". وقد صدر في ترجمة جديدة للمعرب المشهور الدكتور محمد عناني من دار رؤية بالقاهرة. وهي مدرسة فكرية فاتتنا حوفا. ففكر يسارنا ومحدثينا مائل الآن إلى التعافي مع الاستعمار من فرط خيبتنا كدولة مستقلة ولفظاظة حركات التجديد الديني التي شَوَّقت خصوم استعمار الأمس له فأصبحوا حسارى عليه يذرفون الدمع الثخين على أيامه. ولم يحدثني عن هذه المدرسة الفكرية من أهل الرأي عندنا سوى الاستاذ إسماعيل آدم أبكر (صاحب رواية الرحيل إلى المدن المستحيلة ذائعة الصيت). فسعيت لتزكيته لمعهد من تلك المعاهد مجهولة المنشأ عندنا التي تزعم الولع بالبحث في مسائل أفريقيا. وأضان الحامل طرشاء. وآمل أن يتصل شغل إسماعيل بالمدرسة من موقعه حيث كان فالخير معقود على نواصيها.

من أفضل من نبه إلى غربة البرجوازية الصغيرة المتعلمة عن أهلها المؤرخ باسل ديفدسون الذي ترجم له الأستاذ جمال محمد أحمد في الستين الأولى واحداً من باكورة كتبه عن أفريقيا وهو "أفريقيا تحت اضواء جديدة". سعى ديفدسون في كتابه الجيد "عبء الرجل السود: أفريقيا ولعنة الأمة في دولة" ( 1992) إلى تشخيص مأزق أفريقيا ما بعد الاستعمار. ووجد أن صفوتها، أي برجوازيتها الصغيرة، معيبة جداً وعليها وزر محنة أفريقيا. فنبه إلى سوء ظن هذه الفئة المتعلمة تعليماً غربياً بثقافة أهلها حتى قبلت صاغرة أن تخلع نفسها عن تلك الثقافة طمعاً منها في النهضة بالوصفة الغربية حذو النعل بالنعل. فقد قر في وعيها، بإلحاح استعماري تربوي معروف، أن تقاليد بلدها صنو للجمود. فلكي تصبح في عداد المتحضرين وجب عليها أن أن تكف أن تكون أفريقية. ولضمان أن يخلع أفراد هذه الفئة أنفسهم من أفريقيتهم حرص الاستعمار أن لا يصبحوا أوربيين أبدا. فهم في المنزلة بين المنزلتين حتى قيام الساعة. فلا هم بقوا على أفريقيتهم ولا هم ترقوا فاصبحوا أوربيين: لا أرضاً قطعوا ولا ظهراً أبقوا. أي أنهم بلسان عربي مبين لم يبلغوا حيث أرادوا ولم يريحوا رواحلهم عن هذا السفر الضال. وتلك حال شبهها علماء ما بعد الاستعمار بحال القرد مع الإنسان. يتشبه به ولن يبلغه حتى بشق الأنفس. وسموها ب "المقردة الاستعمارية"”colonial mimicry



وقال ديفدسون في شقاء هذه الفئة الأزلي إنه بقي عليهم أن يجوبوا في خلاء خاص بهم حتى يصيح منادي القدر فيشرع لهم أبواب الحضارة على مصراعيها ويأذن لهم بالدخول في وقت لا معين ولا معلوم. وهذا الجهد الضائع النازف قريب من معنى أسطورة إغريقية قديمة أكثر كتابنا في الستينات الإشارة إليها. وهي اسطورة سيزيف. فقد سرق هذا البطل الأغريقي النار من عرين الآلهة وهبط بها للناس على الأرض يستضئون بها ولهم فيها مآرب أخرى. فغضبت عليه الآلهة وحكمت عليه بشغل شاق سرمدي. فقد قضت أن يحمل صخرة من أسفل جبل ما فيصعد بها إلى قمته ثم يرميها إلى السفح مرة ثانية ثم يعود ويحملها إلى القمة وهكذا دواليك حتى قيام الساعة. وصارت عبارة "الجهد السيزيفي" مجازاً في ديمومة الشقاء والإعادة المملة بغير حصائل.

كان طلاق البرجوازية الصغيرة المتعلمة عن ثقافة أهلها إئيذاناً بتبديدها لإرث لا صلاح للنهضة بدونه. فالإرث الماضي رأسمال رمزي لا يستقيم حوارنا مع المستقبل إلا به. فالماضي إمكانية حتى قال قائل إن الناس حين تنشد المستقبل إنما هي معنية بالماضي قبل كل شيء. فشغف الناس بالمستقبل هو شغف أكثر حذاقة وأرقاً بالماضي. ربما بالغ الرجل. ولكنه نبهنا إلى الكساد الذي ينذر أمة من فئة متنفذة مثل البرجوازية الصغيرة المتعلمة تخوض بهم بحر المستقبل بغير مركب من الماضي.

ومن قرأ لي مؤخراً نقدي ل"شَناف" أهل الرأي عندنا لحركتنا الوطنية في "قبايل" عيد الاستقلال الماضي وإزرائهم برموزها وقف عن كثب على خطر هذه الصفوة على الوطن. فهي تبدد رأس مالنا الرمزي الذي لا مستقبل بدون وحي منه، أو شغف به.

وفي حلقة قادمة نعرض لنظرات عبد الخالق محجوب من البرجوازية الصغيرة ومواقفه منها.
[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2206

خدمات المحتوى


التعليقات
#1217390 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

02-28-2015 12:51 PM
الله الله الله يا برف ربنا ما يحرمنا ومن تنويرك داوم ولا تتوقف كان المفترض لو لا الهرج ان تكون بالسودان لتتعلم الاجيال معني الحياة ومعني النقد الايجابي !!!متعك الله بالصحة والعافية !!!


#1217029 [فاروق بشير]
1.00/5 (1 صوت)

02-27-2015 06:02 PM
القضية حقا هي القضية الأولى, غربة (الصفوة) عن بقية مجتمعات السودان المحلية, قضيةجديرة بمؤتمرات تتوالى وتتوالى. لعلها تكون البداية الأقوم لتصحيح المسار.

لكن ثمة نقطة غير واضحة حول الطرح المطروح لمعالجتها. إذ يبدو كما لوان مسئولية هذه (الصفوة) هي معرفة ودراسة هذه الثقافات واستصحابها في عملية بناء الوطن, مسببا بجدارة هذه الثقافات وعمقها في تعايشها مع واقعها.
ولا اتفق مع هذا . فهذا الفهم يسقط الحقيقة الأساس حول
وضع المجتمعات المحلية. وأيضا يسقط حقيقة وضع الصفوة نفسها.
الصحيح عندي أن تتمسك النخبة بثقافتها ورؤيتها حول شروط بناء الوطن. وتقدم على حوار المجتمعات المحلية المتمسكة ايضا بمعارفها, وأجندة الحوار تكون هي الأرض و الحيوان والحرز. نقطة الالتقاء هي ما يحال منجزا ملموسا على الأرض, مرحلة من مراحل تتوالى.
الحقيقة الأساس أن هذه المجتمعات هي تشكيلات اجتماعية منغلقة تتشابك ثقافتهم مع حرزهم(بنية تحتية وأخرى فوقية).
من الجهة الأخرى, الصفوة هم أيضا يشكلون نظاما منغلقا, ولن نبخس معارف أجيال من خريجي الاقتصاد البيطرة زراعة كهرباء....الخ
لا تنازل من أي طرف إلا عبر الحوار وعلى الصفوة أكثر أن تقر لأولئك بكياناتهم المستقلة.
من بين النخبة يكون النجاح نصيب الذي لا يطمع في الأرض بل تعميرها لمصلحة أهلها.
الحوار على هذا النحو يكون هو الأساس والشرط لبناء الأمة, ولا أساس غيره, فالسودان هو مشروع دولة وليس دولة.


ردود على فاروق بشير
United States [فاروق بشير] 02-28-2015 01:10 AM
شكرا طاهر, لا بأس أن نأخذ الموضوع من يد د. عبد الله ومن يد عبد الخالق.
وقد رايت ان يكون (غربة النخب عن شعوب السودان.)عنوانا لمؤتمر يشارك فيه الجميع. لا حكرا على عبد الخالق ولا فلان.
فى مشاركتى امامك انا اتفقت مع د. عبد الله حول القضية كعنوان هام جدا,ولم اتفق مع تناوله لها.
السؤال هل القضية تشكل المعضلة الاولى حقا. بعنوانها: (غربة النخب عن شعوب السودان.)

هل انت استاذ طاهر تراها معضلة البلاد الاساس ام لا.؟ هل العنوان صحيح معمق فى الواقع ام ترى رايا اخر؟ ولك شكرى واملي ورغبتى ان يتسع صدرنا لسماع بعضنا البعض.

European Union [TAHER OMER] 02-27-2015 09:01 PM
الأستاذ فاروق بشير اليابان بأت مشروع النهضة 1819 وتزامن ذلك مع مشروع النهضة في مصر.
لماذا نهضت اليابان ولم ينجح مشروع نهضة مصر؟
حسب الرأي السائد لأن اليابان كان لها ريادات وطنية واعية أدركت أتجاه وحركة العالم. وثانيا نقد التراث الياباني بشكل يعاكس رأي عبد الله علي إبراهيم. عبدالله يلوم الصفوة و لا يلوم عبد الخالق من الصفوة ومنهجه الماركسي يطرحه عبد الله وكأن ماركس سوداني ابن عم أستاذه عبد الخالق.
عبد الله يطرح مواضيعه بشكل يعتمد على دعم الشلليات والإخونيات أي هناك مية ضيل بحاحي لعبد الله. مثلا مسألة البداوة وازدواج الشخصية تناولها عالم الإجتماع العراقي علي الوردي والرجل مشهور على نطاق العالم العربي وهو عالم إجتماع ومؤرخ وفيلسوف معروف يجي عبد الله ويتحدث عن البداوة ويقول ليك حسن نجيلة. ياسيد حسن نجيلة ما عنده إي منهج غير تقريظ الشلليات والإخوانيات.
عبد الله يتحدث عن الإقتصاد والإجتماع عبر وجهة نظر الماركسية والماركسية باب واحد من كتاب تاريخ الفكر الإقتصادي ولكن عند عبد الله انها الباب العالي وفي باقي الأبواب هناك من العلماء كتبوا الذي فات على ماركس وبالطبع فات على عبد الله.ويظل يطرح طرح لا تجد له تفسير إلا في حديث عالم الإجتماع العراقي ويوضح لك أن عبد الله يعاني من إزدواج الشخصية الذي تسببه قيم البداوة.


#1216664 [TAHER OMER]
1.00/5 (1 صوت)

02-26-2015 10:44 PM
سارق النار هو برومثيوس وحكمت عليه الألهة أن يربط على صخر ويأكل النسر كبده ثم ينبت بده من جيد وتستمر عملية العذاب. وبرومثيوس من التيتان الذين هزمتهم آلهة الأولمب.وفي قصيدة الجبار لأبوالقاسم الشابي وأسمها الثاني هكذا غنى برومثيوس. وأيضا للشاعر البريطاني شيلي قصيدة برومثيوس طليق.
أما سيزيف فكان ماكر وخادع لذلك حكمت عليه الآلهة بدحرجة الضخرة وتحدث عنها ألبرت كامي في أسطورة سيزيف مشبها عذاب سيزيف بالحياة العادية وريثما يعود سيزيف الى الأسافل لكي يبداء مشواره من جديد له فرصة أن يتمتع بالحياة.


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة