في



المقالات
السياسة
لسيد علي الميرغني: مقتطفات من رسالة دكتوراه عن مساهماته في التطور السياسي بالسودان (1884 – 1968م) - 2
لسيد علي الميرغني: مقتطفات من رسالة دكتوراه عن مساهماته في التطور السياسي بالسودان (1884 – 1968م) - 2
03-07-2015 12:08 PM

السيد علي الميرغني: مقتطفات من رسالة دكتوراه عن مساهماته في التطور السياسي بالسودان (1884 – 1968م) - 2
ظاهر جاسم محمد Dhaher Gasim Mohamed
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: قدم المؤرخ العراقي ظاهر جاسم محمد رسالة دكتوراه بعنوان “The contribution of Sayed Ali Al- Mirghani, leader of the Khatmiyya, to the political evolution of the Sudan, 1884 – 1968”
"مساهمة السيد علي الميرغني، زعيم الختمية، في التطور السياسي بالسودان بين عامي 1884 – 1968م" لجامعة أكستر البريطانية عام 1988م.
والمقال التالي هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة لبعض ما جاء في فصل الرسالة الأولى عن تاريخ حياة السيد علي الميرغني الباكرة. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف كان قد زار السودان وقابل ولدي ذلك الرجل محمد عثمان وأحمد علي الميرغني، بالإضافة لعدد من مؤرخي السودان ومثقفيه مثل الأساتذة محمد إبراهيم أبو سليم ومحمد عمر بشير وحسن أحمد إبراهيم وأ. الكرسني.
المترجم



استعادة السودان والطرق الدينية

ألقى احتلال البريطانيين لمصر في 29/9/1882م مسئولية غير مباشرة على بريطانيا في السودان لأن ذلك البلد كان تحت سيطرة خديوي مصر منذ عهد محمد علي باشا، والذي غزا السودان في 1820م. وكان البريطانيون يرون أن أمر السودان شأن مصري داخلي يقع في الأساس من ضمن مسئوليات الخديوي. ثم تغير موقف بريطانيا شيئا فشيئا، خاصة بعد سقوط الخرطوم ومقتل غردون في 26 يناير من عام 1885م. ثم انشغلت بريطانيا بشئون أخرى منها الحرب بين روسيا وأفغانستان (وهي المدخل للهند)، فسحبت قواتها إلى حلفا. وخلقت تلك الأجواء وضعا أتاح للمهدي (ثم خليفته من بعده) القدرة على السيطرة على معظم مناطق السودان.
ومع تجدد اهتمام عدد من الدول الغربية مثل فرنسا وإيطاليا بالسيطرة على أفريقيا (خاصة دول وادي النيل) والمنافسة بينها في ذلك، قررت بريطانيا غزو السودان بالتعاون مع مصر. فصدر أمر لكتشنر في 12 مارس 1896 لقيادة حملة عسكرية لاستعادة السودان.
وهنا تبرز آراء متباينة حول مدى إسهام الزعيم الديني السيد علي الميرغني في تلك الحملة. ولا ريب أن أمر الدين في تلك الحملة كان – ولا يزال- من الأمور التي تتصف بحساسية خاصة. فقد كان قادة تلك الحملة من الأوربيين (وكفارا في نظر السودانيين). لذا فقد قدمت مشاركة السيد علي في تلك الحملة مسوغا دينيا، خاصة وأن الجيش الغازي كان في الغالب من المصريين (المسلمين).
وظل السيد علي يحضر لتلك الحملة وهو في مصر، غير أنه ما من دليل موثق على أن الرجل كان يحمل رتبة عسكرية في تلك الحملة، كما يكرر معارضو الختمية. ولا شك أن مظهر السيد / علي الميرغني الديني (الصوفي) في تلك الحملة كان أكبر تأثيرا على السودانيين من أي زي عسكري كان من الممكن أن يرتديه الرجل. وكانت للحكومة المصرية خبرة سابقة في التعامل مع رجال الدين، وتدرك جيدا وتقدر دورهم المهم في المجتمع السوداني.
ومن الحقائق المعروفة أن السيد علي الميرغني كان في داخل السودان عند دخول الجيش الثنائي لدنقلا في 1896م، وكان من المتوقع أن يستغل السيد علي الميرغني نفوذه من أجل تأليب القبائل لتأييد الحملة. غير أنه ليس من المعروف بدقة التاريخ الذي دخل فيه السيد علي الميرغني للسودان قادما من مصر. ولكنه من الثابت أن الرجل ظهر في سواكن في التاسع من أغسطس 1896م، والتي كتب منها رسالة لرئيس المخابرات المصرية عبر له فيها عن سروره بنجاح الحملة في منطقة شمال دنقلا، وذَكَّرَه أيضا بالتضحيات التي قام ويقوم بها، وعن رغبته في عمل كل ما يطلب منه، طاعةً للحكومة، حتى يتم للحملة النجاح الكامل. وأضاف ما نصه: "... كلنا نأمل في أن .... نرى السودان يعيش في سلام ورفاهية قبل مرور وقت طويل. وأن ينعم الأهالي فيه بالحرية التي وجدتها الشعوب (الأخرى) على أساس من العدل وحكم القانون.". وبذا كان السيد علي الميرغني نشطا – بصورة غير مباشرة- في الحملة الحربية الموجهة لإسقاط دولة المهدية. وعلاوة على ذلك، قام الرجل بالتوسط بين أهالي كسلا والحكومة المصرية في أمر تجده تفاصيله فيما يلي:
كانت إيطاليا تحتل كسلا حتى يوم 17 يوليو 1894م. غير أن جيشهم هنالك كان في حالة حرجة، خاصة بعد الهزيمة القاسية التي تلقاها من الأحباش في معركة عدوا (Adwa) في 1/3/ 1896م. ووصلت للمخابرات العسكرية في حلفا في 17 إبريل أنباء تفيد بقرب إخلاء الطليان لكسلا. وعد البريطانيون ذلك أمرا بالغ الخطورة، فطلبوا من الطليان البقاء في كسلا حتى يتم تسليمها لهم. وكان ذلك الوضع الذي وجدت فيه إيطاليا نفسها واحدا من الأسباب التي حملت بريطانيا على تسيير حملة عسكرية لاستعادة السودان.
ومضت عمليات الحملة العسكرية الظافرة في داخل السودان، ووصلت إلى مدينتي أبي حمد وبربر، وفتحت طريق سواكن، واشتبكت مع القوات المهدوية في الجبهة الشمالية. وبذا حانت ساعة استعادة الخديوي لكسلا. فصدرت الأوامر لبارسونس باشا في 20/12/1897م للتوجه من سواكن إلى كسلا، وأن يقوم بالترتيبات اللازمة لعمل احتفالات لتسلم المدينة صبيحة عيد الفصح. ورغم أن الظروف في الشرق كانت مواتية للحكومة لذلك التسلم، إلا أنها أحست بضرورة إيجاد من يتوسط لها عند سكان كسلا ليرحبوا بذلك التسلم، إذ أن سكان كسلا كانوا قلقين، وليسوا متأكدين تماما مما يجري أمام أنظارهم. ورأت الحكومة ضرورة أن يقوم القادة من رجال الدين بتطمين السكان والتأكيد لهم على مشروعية وشرعية ما ستقوم به الحكومة باستعادتها لكسلا. ولهذا السبب دعا البريطانيون السيد علي الميرغني للتوجه لكسلا للقيام بتلك المهمة. وبالفعل توجه الرجل من سواكن إلى كسلا على رأس وفد مكون من بعض أفراد عائلته، وفي رفقة بعض زعماء القبائل المحلية (مثل إبراهيم موسى ناظر الهدندوة، ودقلل ناظر البني عامر، وعوض المعروف، والذي عمل مستشارا للقبائل عند الحكومة، والشيخ إدريس القاضي نائب ناظر عموم الهدندوة في كسلا والمناطق الأخرى).
ووصف إبراهيم الفكي (والذي كان نائبا برلمانيا عن كسلا في برلمان 1953م) استقبال السيد علي في كسلا (تلك المدينة التي عانى فيها السيدان علي ووالده ما عانا على يد رجال المهدي) وقال إن الجماهير التي أتت لاستقباله، مع بارسونس باشا، كانت جذلة فرحة بعودته وظلت تهتف" ميرغني جا... ميرغني جا". وخصص للسيد علي أرفع مكان في الاحتفال، وكان لذلك بالغ الأثر عند الجنود، والذين خيروا بين الانضمام لقوات الخديوي أو البقاء مع القوات الإيطالية التي ستغادر لأريتريا. وهنا قفز الجندي حاج أغا ووقف بجنب مقعد السيد علي الميرغني وصاح بأعلى صوته: "أنا مع شيخي". وكان لقوله ذاك بالغ الأثر في بقية الجنود العرب، فتدافعوا لإعلان قبولهم بالعمل جنودا في جيش الخديوي المصري.
وكانت تلك أول زيارة للسيد علي الميرغني إلى كسلا، وكانت أيضا بمثابة موافقة رسمية من الحكومة المصرية للسيد علي الميرغني لإعادة بناء طريقته. وعينته الحكومة بعد تلك الزيارة إماما لجامع كسلا وقيما على قبة جده في المدينة.
وأفاد وجود السيد علي الميرغني الحكومة بحضه لعدد من رجال كسلا المدربين عسكريا للالتحاق بالجيش المصري، وبإشاعته لجو من الثقة في الحكومة بأوساط المدينة. وأنعكس كل ذلك على المدينة إيجابا، إذ آب إليها عدد كبير من سكانها الذين كانوا قد هجروها، وازدهرت المدينة مجددا، بينما تواصلت الحملة لاستعادة بقية أجزاء البلاد.
وبعد هزيمة جيش الخليفة في كرري في 2/9/ 1898م، ومقتله من بعد ذلك بأمدبيكرات في يوم 24 نوفمبر 1899م، وبعد تراجع فرنسا عن طموحاتها في السيطرة على مناطق في أعالي النيل، دانت الأوضاع للحكم الثنائي الجديد. وكانت تلك هي نقطة بداية إعادة الطريقة الختمية تحت زعامة السيد علي الميرغني، والذي انتظر طويلا ساعة تحقيق غايته بزوال حكم المهدية، مهما كانت الوسائل والتضحيات الواجب تقديمها من أجل الوصول لتلك الغاية. وفي ذلك كتب (الإداري البريطاني) جاكسون عن الختمية ما نصه: "... كان لعونهم وعون مخبريهم أكبر الأثر في حملة استعادة السودان".
ومضى السيد علي الميرغني في تنظيم إدارة الطريقة الختمية في كسلا والتي عادت مركزا لقيادة الطريقة. ثم أنضم إليه في مركزه شقيقه السيد أحمد وآخرين من عائلته بعد إطلاق سراحهم من سجن المهدية. وصار أتباع الطريقة الختمية، وبعد كل ما كابدوه في سنوات العهد المهدوي من اضطهاد وظلم، ينظرون للسيد علي الميرغني كمنقذ مخلص، وضاعف ذلك من قوة نفوذه عندما انتقل للعيش في الخرطوم. وصار من أهم داعمي الحكم الثنائي.

دخل أسرة الميرغني في سنوات المهدية

تجذرت العلاقات، ومنذ وقت طويل بدأ في منتصف القرن السادس عشر، بين رجال الصوفية والحكام المحليين وزعماء القبائل. فقد كان زعماء الطرق الصوفية في حاجة لعطايا ومنح ورعاية حكامهم، والتي كانت تتيح لهم الترقي في السلم الاجتماعي ونيل وضع متفرد يميزهم عن بقية أفراد المجتمع. وفي المقابل كان الحكام في حاجة لتأييد قادة الطرق الصوفية. وكان الأثنان في حاجة لفرض سيطرتهم على مواطنيهم وأتباعهم. ولذا فقد كانا يعتمدان على بعضهما البعض. ولإدراك الحكام لتدين السودانيين وميلهم للطرق الصوفية فقد كانوا يلجئون إلى قادة الطرق الصوفية طلبا للنصح والارشاد في كل الأمور العسيرة التي تواجههم والتي قد تؤثر على مستقبل سلطتهم السياسية في البلاد.
وقام حكام السودان في عهد الإدارة المصرية (1821 – 1885م) بالاهتمام بالفكيا وقادة الطرق الصوفية، والذين كانوا يقومون بمهمة التدريس في المساجد والخلاوي، وتجري عليهم الأرزاق. غير أن الحكومة آنذاك كانت تساعد ماليا أيضا بعض رجال الدين لنفوذهم فحسب. فقد كانت تمنح مثلا الشيخ محمد علي قرافي في دنقلا راتبا ثابتا، فقط لأنه يمت بصلة نسب للسيد محمد عثمان (II). وكذلك كانت تفعل مع الشيخ محمد شريف نور الدائم شيخ الطريقة السمانية. وتسبب ذلك التفضيل في المعاملة المادية بين شيوخ الطرق الصوفية ورجالها في حدوث شقاق ومنافسة بينهم، وانعكس ذلك على علاقتهم مع الإدارة الحكومية. وكان شيوخ الطرق الصوفية يتلقون بالإضافة إلى تلك المنح الحكومية الزكوات والهدايا من أتباعهم.
وكانت أوضاع عائلة الميرغني في أثناء سنوات حكم المهدية مختلفة. فقد تناقصت ثروة تلك العائلة، وتقلصت الهدايا والتبرعات التي كانوا يتلقونها من أتباعهم بسبب الحروب التي اندلعت في كثير من مناطق السودان. وبعد استيلاء القوات المهدية على كسلا، تمت مصادرة أملاك الميرغني في المدينة مما زاد من مصاعب تلك العائلة المالية.
ولما سبق ذكره تولت الحكومة المصرية مقابلة الاحتياجات المادية لقادة الطريقة الميرغنية وأجرت عليهم رواتب منتظمة وذلك "... لفقدانهم لكثير من الأنفس والأموال أثناء الثورة المهدية"، كما جاء في تقرير لمخابرات الحكومة. وأيضا نظير خدمات وتضحيات عائلة الميرغني من أجل الإدارة (المصرية) خلال العهد المهدوي.
وفي تلك السنوات كان السيد محمد عثمان (II)، والد السيد علي الميرغني، يتلقى إعانة شهرية من الإدارة الحكومية في سواكن قدرها 85 جنيها ونصف شهريا. وعند وفاته بمصر في يناير 1886م، برز سؤال حول جواز استمرار دفع ذلك المبلغ من سواكن أو إيقاف الدفع. ولكن جاء رد نائب السردار حاسما ليؤكد ضرورة استمرار دفع ذلك المبلغ الشهري لعائلة الميرغني لأنهم "ما زالوا يقدمون للحكومة جليل الخدمات". وبذا تحول ذلك الراتب الشهري للسيد علي الميرغني، والذي صار بعد وفاة والده هو رب عائلة الميرغني. بل وزادت الحكومة ذلك الراتب إلى 94 جنيها شهريا.
وفي عام 1894م طالب السيد علي بزيادة راتبه مرة أخرى لأنه، وكما شرح في خطاب له للإدارة، لم يعد قادرا على مجابهة مصاريف عائلته المتزايدة. غير أن الإدارة لم تقبل الاستجابة لذلك الطلب، وبقي راتبه على ما كان عليه.
ولدى محمد إبراهيم أبو سليم الوثائق الحديثة عن تلك الفترة، وفيها تفاصيل ما دفع لعائلة الميرغني في عام 1906م.
وبهذا يمكن أن نخلص أن مصادر ثروة السيد علي الميرغني كان تأتي مما يتلقاه من الراتب الشهري الذي كان يتلقاه من الحكومة، وكذلك من دخل العقارات والممتلكات الأخرى التي ورثها من والده في السودان ومكة والطائف.
وتتلخص أسباب تعاطف الحكومة المصرية وتقديمها للعون المادي للسيد علي الميرغني في الآتي:
1. الاعتراف بنفوذه الواسع في شمال وشرق السودان، والذي سخره لخدمة الحكم المصري للسودان.
2. اعلان الطائفة الختمية، وبكل وضوح، عن موقفهم الرافض للحركة المهدية، ومساندتهم لسياسة الحكومة المصرية، ولمساندتها لها في معركتها ضد تلك الحركة.
3. تعويض عائلة الميرغني عن الأضرار المادية التي لحقت بها من جراء فقدانها للمال والممتلكات بعد هروب قادتها من السودان.
4. قيام عائلة الميرغني بترتيب أمر خروج عدد كبير من اللاجئين السودانيين الفارين من الحكم المهدوي، واستضافتهم في مصر. وكان ذلك سيكون أمرا عسيرا ومكلفا وخطرا لو قامت به الحكومة المصرية.
aliibadreldin@hotmail.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1148

خدمات المحتوى


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة