المقالات
المنوعات
وطن وفن وموسيقا
وطن وفن وموسيقا
01-28-2016 03:23 PM


*(متهمون نحن بالإرهاب
إذا كتبنا عن بقايا وطن..
مخلع.. مفكك ومهترئ
أشلاؤه تناثرت أشلاء
عن وطن يبحث عن عنوانه..
وأمة ليس لها أسماء..).
- نزار قباني-
-1-
.. لم تخرج أوروبا من ظلمة العصور الوسطى إلى كل ما بتنا نحسدها عليه من حريات، إلا بعد حروب ومجازر هائلة، أنهت تسلط الدين على الدولة، وبنت دولة مدنية علمانية اتخذ فيها القانون صفة القائد في المجتمع.
هناك من قال: إن بلدنا بدأت الدخول في العصور الوسطى الأوروبية، منذ تسلط الكيزان علينا، أي نحن متخلفون فكرياً وحضارياً عدة قرون عن ركب العالم التخريب، والقتل، والتطرف، والفتنة، والعنصرية، ونشر الكراهية والفساد والإفساد وموت الحياة المدنية، واضمحلال الشعور بالمواطنة، والتأسيس على الولاء، والعودة إلى نظام القبيلة والعشيرة وغيرها هي أسس تحكم قبضتها على الدولة السودانية.
ليس من المنطقي إغفال يد العالم الأقوى، وما تفعله في كل ما يبذر في مختبرات أفكار السياسة لاستنبات عناصر التخلف والجهل واستيلاد بؤر التوتر الطائفي، لكن ذلك لا يعني أيضاً تحويلها إلى مشجب لتعليق تقصيرنا عليه.
اليوم وبعد كل ما دفعه السودان من انفصال جزء عزيز وغالي من أرضه، ومن دم أبنائه في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وكي لا يكون ما دفعناه في بنك الدم بلا طائل، لابد من إجماع وطني على انطلاق صافرة البدء بتغيير وإصلاح شامل، لتكن هذه فرصة استثنائية لبناء دولة مدنية يؤسس فيها القانون قيمة العدل، وتؤسس فيها الثقافة المدنية قيمة السلام الاجتماعي، وتؤسس فيها المواطنة قيمة المساواة.
ترفض الدولة المدنية استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، تحوله إلى موضوع خلافي وجدلي وتفسيرات تنأى به عن عالم القداسة، لتزج به في خضم عالم المصالح الدنيوية.
غاب تأثير الثقافة والمثقفين عن ساحة الحدث السوداني لأننا لم نؤسس لثقافة مدنية، وبات صوت كل ما عداها قوياً فاعلاً ويملك شيفرة حرف المسار عن الطريق الصحيح.
-2-
.. من ينسى قول ديستويفسكي، الأكثر عمقاً في فهم النفس البشرية - باجماع نقاده حينما جهر برأيه: (إن كل كاتب أو فنان، أو كل مثقف بوجه عام، ينظر إلى شعبه نظرة إزدراء، أو مجّرد ترفع، لهو إنسان جاهل، بما يخبئه هذا الشعب تحت أي مظهر من مظاهر تخلفه فيه، من إمكانات نهوض حضارية قادرة على البناء، هذا إلى جانب جهله أيضاً بنقاط الضعف في هذا الشعب التي تسبّب تأخره).
-3-
.. يحضرني هذا المشهد من رواية «فيفا زابانا» للكاتب الأميركي «جون ستيابنك» ـ وقد كتبها يوم كانت ألفاظه سياطاً تجلد الظالمين والفاسقين والفاسدين ـ ماثلة أمامي بكل قسوتها ورعبها. ‏
دخل زبانية ديكتاتور مغتصب قرية هادئة مسالمة، وبدؤوا تفتيش المنازل، وسرقة الغلال، وإطلاق الرصاص إرهاباً، فجأة يسقط طفل على الأرض، مضرجاً بدمائه، نتيجة إصابته برصاصة طائشة، فيتخبط، بعض الوقت، وكأنه دجاجة مذبوحة، ثم ينقلب على قفاه ويتجمد، ولما تزل ابتسامته على شفتيه، ويتجمع عدد هائل من سكان القرية حول جثة الطفل، والغضب ينفر من وجوههم، والدهشة تعقد ألسنتهم، يريدون أن يفعلوا شيئاً، أي شيء ولكنهم لا يعرفون. ‏
وفجأة يبرز شيخ من بين الصفوف، ويرفع قبضته ويقول: ‏
(كان ينبغي أن نعرف أنكم قتلة منذ زمن بعيد، أن نعرف أننا مرشحون لأن نكون من ضحاياكم، جميعاً، كان ينبغي أن نقاتلكم لا أن نكون متفرجين، مشاهدين).
وتنطلق رصاصة من مكان ما، ويسقط الشيخ مضرجاً بالدماء، وتبدأ المجزرة بكل بربريتها وهمجيتها، بين جناة أعماهم الحقد الأهوج، وسكان قرية أصبحت لهم (قضية كبيرة)!‏
-4-
الأغنية الطربية الجديدة :
يقول حكيم صيني: (لا يهمني من يحكم الناس طالما أنني أضع أغانيهم..)، ويقول ابن خلدون رائد علم الاجتماع العربي الذي يحُتفل بمناسبة مرور ستمائة عام على وفاته، يقول في مقدمته الشهيرة: (إن انحطاط الأمم يبدأ بانحطاط أغانيهم).
يدفعني إلي هذا الموضوع ملاحظة الانحدار الواضح في الذوق العام، والانحطاط الغنائي في الأغنية الشبابية السُّودانية، إذ لم يعد المرء يرى سوى إهلاسات سمعية وهلوسات جنسية، وركوب عربات وطلوع كباري ودخول حارات، وموسيقا الزنق على شاكلة (وآآي ضهري)، كنت أتسأل هل هذه الموسيقى التي قال عنها الكندي إنها مرادفة للمعرفة ؟!
وأقول كما قال كوليردج: البجع يغني قبل أن يموت، بعض مطربينا الأفضل لهم أن يموتوا قبل أن يغنوا، لان أبطال هذه الأغنية ما هم إلاّ أشباه رجال ومغارز، وطراطير؟!..
هيِّ، اكشْ .. المهم الأخلاق!
-5-
موسيقا:
.. هل نستغرب أن تكون الموسيقا في مركز اهتمام معظم الفلاسفة – أرسطو، الفارابي، هيغل، أدورنو، طاغور...- ما يدعونا للتساؤل عن سر تلك العلاقة بين الفلسفة والموسيقا (لماذا كانت العلامات الموسيقية سبعٌ، والمقامات سبعة..؟!) وقيل: الموسيقا كلمة يونانية كان ينشدها داوود على أوتاره الـ(48)- لماذا كان عددها48.
صنف الفارابي الموسيقا ضمن علوم التعاليم السبعة، ورأى أن فلسفة الموسيقا وجه من وجوه التفكير في أشكال ظهور الحقيقة، وفي أشكال التواصل الإنساني فيها، وفي موسوعته الكبرى عن علم الجمال اعتبر هيغل الموسيقا ثاني الفنون الرومانسية بعد الرسم، وأنها أكثر الفنون تحرراً من ثقل المادة، لأنها تتعامل مع الصوت، والصوت مادة تتلاشى لأنه حركة اهتزازية، ورأى أن المهمة الرئيسة للموسيقا هي (موسقة الأنا الداخلي الحميم، وجوّانيته العميقة، وذاتيته الفكروية).
ألهذا لا تخلو مكتبات وبيوت الأدباء أو الفنانين من عوالم الموسيقا الكلاسيكية؟
الموسيقا تفاعل بين المادة والروح، ولذا رأى رسول حمزاتوف أن الألحان ليست من صنع الأوتار، بل هي رجع الكلمات التي ولدت في القلب! وأن الخنجر يلقي الإنسان على سرير الموت والقيثارة تبعثه حيا.
في هذا العالم الذي اجتاحته لوثة الحروب والعنف والقتل والظلم، وعمل فيه الكل كوكلاء للموت، ما أحوجنا إلى أسرار القيثارة القادرة على ترويض حيواتنا الداخلية التي أفلتت من كل عقال!.
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 2 | زيارات 3154

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور نائل اليعقوبابي
الدكتور نائل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
4.41/10 (21 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة