03-21-2015 08:40 PM

غادرنا إلى دار البقاء اخي زين العابدين على إبراهيم فجر الجمعة 20 مارس. وكان معروفاً عندنا ب"عابدين" حتى أختارت له المدراس اسم "الزين" فغلب. وهو إنسان متعدد الوجوه في العمل العام والمهني كإداري في الجامعات، واتحاد الكرة، واللجنة الأولمبية، والسياسة القومية، ومؤرخ لجامعة الخرطوم، ومؤسس لجامعة أم درمان الأهلية.

وما لم أسمع الزين يتحدث عنه من أدواره خدمته الجد لثورة أكتوبر 1964 التي وجدته إدارياً ناشئاً بجامعة الخرطوم. فلم يكن يزكي نفسه أبداً لأنه لا يرغب أن يتسمر في مأثرة واحدة طالما اشتعلت الحقول وعداً وتمني: فمداد خدمة الوطن لا يجف عند بعض سطور تركناها من ورائنا.

وكنت أعرف أنه كان العقل المدبر لحملة طباعة منشورات الثورة وتحفيل مسيرة أساتذتها المشهورة في تشييع جثمان القرشي الشهيد. إلا أنني لم اقف على خطر تلك المهمة إلا من خلال ما كتبه كليف تومسون أستاذ القانون الأمريكي الذي شهد الثورة عضواً بهيئة التدريس بالجامعة. فقد حرص كليف على كتابة يوميات الثورة ثم أردفها بمقابلات مع نشطاء الثورة. وواضح أنه التقى الزين ضمن من التقى بهم.



وأنقل هنا بعض ما جاء من ذكر كليف تومسون عن الزين رحمه الله

بدأ ظهور الزين منذ ليلة الأربعاء 12 أكتوبر 1964 التي تدارس فيها جماعة من أساتذة جامعة الخرطوم ترتيبات الاشتراك في تشييع أحمد القرسي شهيد ثورة أكتوبر الأول. واقترح محمد صالح عمر، أستاذ الشريعة بكلية القانون والعضو القيادي بالحركة الإسلامية، أن يرتدي الأساتذة أرواب الجامعة في المسيرة. وتكلف الزين، مساعد المسجل، بتوفير هذه الأرواب من مخزن الجامعة.

وتسلل الزين للمحزن فجر الإثنين 22 أكتوبر بمفتاح العهدة. وكانت الأوراب الخضراء الغامقة مما يُفرز بلون اللياقة بحسب الكليات. فحمل كمية منها قدر أنها ربما كانت 200 روباً. ومهما كان عددها كان الزين علي يقين أن ثمنها يفوق مرتبه السنوي بأضعاف. ووقف لبرهة في الغرفة الغبراء يقلب في ذهنه مقارنة ثمن الأرواب ومرتبه. ولم يتراجع أمام شكوكه في أن بعض هذه الأرواب ربما لم يرجعها من استخدمها بعد المسيرة. وسيتكلف بالطبع تعويضها. وصمم على حمل الأرواب للأساتذة مهما يكن طالما التزم لهم بذلك.

كان الزين على رأس فريق الطباعة بماكينات الرونيو بجامعة الخرطوم. وكانت المنشورات التي تهمي من تلك الرونيات برهاناً ما بوسع الفئة القليلة عمله. كان من بين فريق الزين النحيل سعاد محمد سعيد السكرتيرة الشابة بالجامعة التي نسقت عمل جماعة المتطوعين. فقد استدعاها الزين ليلاً من منزلها. ووافق والدها، رئيس قسم النقل الميكانيكي(؟)، على رغبتها في الذهاب للجامعة للعون في الطباعة.

ولم تحتمل الماكينات عبء سيل البيانات فخربت.وتحول الزين وفريقه إلى ماكينة أصغر. ولم يكن هناك من اهتدوا بعد إلى هذه الورشة الطباعية. فقد روى ربيع حسن أحمد، من اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، أنه وعضو آخر من سكرتارية جبهة الهيئات، أعيتهم حيلة طباعة منشور بين حي بري وأم درمان نهار الإثنين (25-10 ). فطبعوا المنشور على ماكينة طباعة ببري وبحثوا عن رونيو في أم درمان ومنعهم الإجهاد من الانتباه إلى رونيو الجامعة.

وتزايدت وتيرة طباعة المنشورات بفضل دخول رونيهات الكليات المختلفة في حلقة الطباعة. فسهر الفريق ليلة الأحد حتى الواحدة من صباح الاثنين. وعاودوا العمل بعد ساعتين. كان عمال الرونيو عمال مياومة واستحقوا أجور السهر. ولكنهم لم يسألوا عن ذلك. كانوا ضمن حركة الاضراب العام واشتغلوا تطوعاً. وظل أحد صبية الطباعة ملازماً الشغل منذ الخميس ( 12-10). وكانت منسقه العمل سعاد لا تعود إلى دارها إلا ليلاً. وزارت بيتها ليلة خلسة وعادت للجامعة عارضة على الشرطة إذناً مزوراً بالتجوال.

وبظهيرة الاثنين كاد فريق الطباعة استنفد مخزون الجامعة لربع السنة. وكان احتياط الورق في مخزن آخر لم يكم مفتاحه بعهدة الزين. فأتصل برئيس المخزن في بيته. فملأا بعض الأرانيك المصلحية لأخذ رزمات ورق من الاحتياط دخلوا بها دائرة الطباعة الدائرة.

ظل فريق الطباعة يعمل لخمسة أيام بلا انقطاع. وكان هذا ديدن جماعات التطوع المدني في كل شغل الثورة. كانت ثمة دوافعاً شتى من وراء هذا الانقطاع. قال الزين إنه لم ينشغل بالنجاح لأن الأحداث تسابقت. فقد اكتنفه العمل اكتنافاً لم يترك له سانحة لتكوين رؤية عن ما يقوم به. ولم يكن يفكر في ذات الوقت في الفشل إلا حين يستلقي ليحاول الغميض. لقد كان وفريقه يؤدون ما رأوا أنه الواجب بغض النظر عا سيقع. كانوا يعرفون أنهم في خدمة الديمقراطية والحرية وضد الطغيان. وأنعشهم أن بدا الإضراب كأنه إلى نجاح. وغمرتهم سعادة تغشى من توطنوا في العزائم القوية. وكان ذلك الشعور مركباً لأنه لم ينجم عن نجاح مؤكد لأنهم ربما فشلوا. ولكن سعادتهم كانت ثمرة تضامنهم في عقيدة الحرية والديمقراطية في نصرة الشعب.

رحمة الله عليك يا عابدين
ibrahima@missouri.edu

تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1727

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1233168 [على]
0.00/5 (0 صوت)

03-23-2015 07:40 PM
الله يرحمه لا تنسوا حلايب سودانية


#1232225 [امبكول نفر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

03-22-2015 04:17 PM
اليوم دخلت فى التراجى دراما لقد فطرت قلبى وفؤادى الصغير واستدرت عطفى يارائد مدرسة ال intellecual onanism وحرامى النحاس فى صباه التعيس


#1231815 [محمد عثمان سناده]
0.00/5 (0 صوت)

03-22-2015 08:10 AM
لك الرحمه المغفره اخى الزين الرجل البشوش المتواضع مع الصغير والكبير والغنى والفقير التعازى للاخ عبد الله وللاسره


#1231387 [ابوبكرالرازي]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2015 12:03 PM
لطفا ,ارجو عدم نشر النعي الموجه للاخ عبد الله علي ابراهيم باسم ابوبكر الرازي في فقد شقيقه الزين


#1231357 [ابوبكرالرازي]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2015 10:51 AM
تعازى الحزينة الحارة اخي عبد الله كان الزين زينة الناس , فليرحمه الله رحمة واسعة ويسكنه جنات الخلد انه سميع الدعوات


#1231327 [dougokoper]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2015 10:06 AM
اللهم أغفر لعبدك زين العابدين على إبراهيم وأغسله بالماء والثلج والبرد وأجعل قبره روضة من رياض الجنة اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته وأجعل البركة في ذريته والهم آله الصبر والسلوان .. تعازي لافراد عائلته ولجامعة الخرطوم وللرياضيين فقد كان من جهابزة الإداريين ويتمتع بروح مرحة وذو فكر ثاقب فقد عاصرته وأنا موظف صغير تحت ادارة من اداراته فقد كان الرجل الثالث في السلم الاداري بالجامعة بعد وكيل الجامعة فقد كانت له شخصية كارزمية ويتمتع بنشاط مزهل مع حس اداري قل أن نجده اليوم ويمتد نشاطه إلى التعاون في وضع قوانين ولوائج الاندية الرياضية وتفاعله مع المجتمع .. رحمه الله واسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.


#1231286 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2015 09:09 AM
رحمه الله رحمة واسعه هذا من جيل اعطي الوطن بلا من ولا اذي وليس غريبا ان يرحل فجر الجمعه هؤلاء خدموا الوطن ورحلوا خفافا من اوزاره ورحليهم اسلمنا للردي في ظروف هي عين الردي جعل الجنة متقلبه ومثواه والزم اهله ووطنه الصبر والسلوان هذه صفحات قدموا من غير ان يعرفهم هذا نكران ذان بوسام استحاق وطني غالي المهر


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة