المقالات
منوعات
حكاية أُم سودانية مع بناتها الأربعة في بلاد الغرب (2)
حكاية أُم سودانية مع بناتها الأربعة في بلاد الغرب (2)
03-27-2015 12:01 PM


كما ذكرتُ في المقدمة : إنها حكاية واقعية .. حقيقية .. لا مجال فيها لخيال
حكاية كنت أنا نفسي أحد الشاهدين عليها .. لست وحدي ولكن مع غيري ممن عرفوا هذه (الأم المناضلة ) إن كان النضال يعني نكران الذات .. والتضحية من أجل الآخرين
حكاية جديرة بأن تُروى .. وأن يُكتب عنها وتُقرأ
إذن فقد وقع الطلاق
وإفترق الزوجان وراح كلٌ حال سبيله.. وفي ردهات هذا الوضع الذي أضحى معقداً .. وجدت الأُم نفسها أمام مسؤولية متعاظمة جديدة .. وكان عليها وحدها أن تكون بحجم تلك المسؤولية التي جعلت منها أُماٌ وأباٌ في آن .
وقد كانت كثيراً ما تردد - أمام جاراتها ومن تعرفت عليه في تلك البلاد البعيدة - أن بناتها هن بؤبؤ عينيها وروحها التي تعيش بها .. وانها وحدها قادرة على مواجهة كل تلك التحديات من أجلهن ..علما بأنها هي نفسها كانت أصغر أخواتها الأربعة وأكثرهن دلالا و(دلوعة البيت ) كما كانوا يطلقون عليها .. حيث لم تشقى في حياتها قط ولم تتحمل أية مسؤولية كبرى وحدها .. حتى أن أخواتها أشفقن عليها كثيرا حينما سمعن بنبأ الطلاق وهي بعيدة عنهن.. ولكنها تحدتهن في صبر وإيمان وشمّرت عن ساعدها كأُم وهي تدخل دهاليز حياتها الجديدة بقوة وعزيمة لا تلين .
عاشت هذه الأُم عصفاً ذهنياً حاداً وجاداً وهي تفكر طويلاً في مصيرها ومصير بناتها الأربعة اللائي أصبحن اليوم بلا أب .. فخطرت ببالها فكرة أو وسيلة تدرعليها دخلاً يضاف الى (المساعدة الاجتماعية) التي توفرها لها السلطات في تلك البلاد البعيدة .. شأنها شأن كل الأُسر المهاجرة .. لاسيما تلك التي لا معيل لها ..
كانت تلك الفكرة تقوم أساسا على توفير حياة حرة وكريمة لهؤلاء البنات حتى يتفرغن للمذاكرة في جو أسري هادئ يعوضهن عن فقدان أبيهن ويساعدهن على مواصلة دراستهن بأمان وثقة للسير نحو مستقبل آمن ومستقر.
ولتحقيق تلك الفكرة لجأت هذه الأم/الأب الى شراء السيارات المستعملة بثمن زهيد ثم تقوم باصلاحها بالاتفاق مع صاحب أحد ورش صيانة السيارات بالمدينة .. حيث اتفقا معا على أن تقوم هي بدفع مستحقاته عقب بيع كل سيارة يقوم هو بصيانتها ..
كان صاحب الورشة رجلاً فاضلاً - وهو رب أسرة أيضا - تفهم أمرها وبدأ في التعاون معها بموجب هذا الإتفاق الذي إستمر طويلا دون أن يخل به أي من الطرفين .
هكذا – ودون إرادة منها – وجدت نفسها في معترك العمل لأول مرة في حياتها .
كانت هي المرأة الوحيدة ببنطالها (الجينز) العملي وخمارها المغطي لرأسها ولبسها الكامل /المحتشم وسط جيش من الرجال من مختلف السحنات والبلاد والثقافات في ساحة بيع وشراء السيارات المستعملة .. وقد استطاعت - بسلوكها الصارم واحترامها لنفسها - كأم - ولكبيرهم وصغيرهم - أن تفرض احترامها عليهم جميعا كــ (زميلة نضال معيشي مشترك) ..حتى أنه كثيرا ما كان يبعث بعضهم بــ(زبون) منه للبيع منها اذا لم يكن لديه مايطلبه ذلك (الزبون) من نوع للسيارة مثلاً أوموديلها أو حجمها..... الخ .
تعاون معها الكثيرون من رواد تلك الساحة ومسؤوليها .. وكانت تقضي جزءاً من نهارها هناك .. ثم تسرع بالعودة الى منزلها للطبخ وتجهيز الطعام لبناتها لدى عودتهن من المدرسة عند الظهيرة .
ومما عُرف عن هذه الأُم/الأب حرصها الدائم على مراجعة مدارس ومدرسات بناتها والسؤال عن مستواهن الدراسي وكيف حالهن في المدرسة .. وما اذا كان هناك لدى مدرساتهن مايردن قوله لها كأم تعيش بلا زوج .. وهو تصرف نال الإستحسان و أُعجبت به كل المدرسات حتى صار مضرب المثل بينهن .. وكن يتحدثن في مابينهن - كيف أن أُماً مكافحة تقوم بكل تلك المسؤوليات : عمل في الساحة .. وواجب في البيت .. وحرص – في الوقت ذاته - على متابعة بناتها في المدرسة وجهودها لمعرفة كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهن خاصة مستوى تحصيلهن الدراسي .
تفعل كل ذلك لأنها كثيرا ما كانت تحس – في قرارة نفسها - بأنها أمام تحد حقيقي وكبير .. فكان واضحاً أنها من صنف بشر لا يقبل الهزيمة .
كل ذلك أكسبها خبرة حياتية ثرة ..انداحت ظلالها لتشمل أسلوبا فريدا في تربيتها لهؤلاء البنات اللائي ازداد تعلقهن بها أكثر فأكثر .. حيث رأين فيها أما مثالية .. وهي تكافح وتلهث طوال يومها من أجلهن .. مما عزز من صحة اختيارهن لها حينما فضلن العيش معها دون والدهن الذي غادرالى مدينة أخرى داخل تلك البلاد الواسعة .. وهناك عمل سائقاً لسيارة أجرة .. وكان قبلها قد عمل كحارس في إحدى المؤسسات .. وهو الذي كان في وطنه السودان يرأس – بحكم منصبه الرفيع - فريقاً كبيراً من المسؤولين والموظفين وجيشاً من العمال.. وكان الآمر/ الناهي بينهم حيث عرف بحرصه الكبيرعلى عمله وصرامته في آداء واجبه.
هناك في تلك المدينة .. طاب للرجل المقام .. وتصالح مع واقعه الجديد .. وتزوج بمسلمة آسيوية ملتزمة هي الأخرى .. وأنجب منها أطفالاً.
ومرت الأيام .. وتوالت السنون .
****

مرت الأيام .. وتوالت السنون .. وتلك الأم – موضوعنا هنا - على حالها من الكفاح اليومي منذ الصباح الباكر الى مابعد أن يخلدنَ البنات الأربعة للنوم ليلاً استعداداً لغد جديد.
هكذا سارت حياتها دون كلل أو ملل وعن قناعة منها ورضا .
أعجب بها الكثيرون ممن تعاملوا معها - وهم يكنون لها احتراماً كبيراً – سواء من رجال يعملون معها في ساحة بيع وشراء السيارات المستعملة أو من رواد (زبائن) تلك الساحة التي تضج بالحركة منذ شروق الشمس وحتى الساعات الأولى من المساء .. حتى أن دبلوماسياً مرموقاً من بلد عربي ثري سمع بها وبكفاحها وأنها أم لبنات أربعة وتعيش بلازوج .. فجاء الى تلك الساحة ورآها من بعيد وظل – بسيارته الفارهة - يتابعها كل يوم ويرابط أمام منزلها عن بُعد وهي ذاهبة في الصباح للساحة أو عائدة منها .. ولكن دون أن ينبث ببنت شفة معها أو يقترب منها .. حتى انها كانت تُفاجأ كل صباح وهي خارجة للعمل – بعد أن تكون قد هيأت بناتها للمدرسة - بباقة ورد أنيقة عند عتبة منزلها أوعلى مقدمة سيارتها .. ولكنها كانت تقذف بها بعيداً .. وتذهب لعملها دون أن تعير الأمر إهتماماً .
وعندما أعيت هذا الدبلوماسي – والذي كان يبدو عليه الوقار والاحترام والجدية – كل حيل الوصول اليها .. قرر أن يفاتحها بالأمر بعد أن جمع كل ما لديه من شجاعة وجرأة حينما ترجّل بمنتهى الأدب – ذات صباح - من سيارته الفارهة بلوحاتها الدبلوماسية المعروفة و أدى تحية السلام وما أن ردت عليه بقولها : (وعليكم السلام والرحمة) .. حتى ظن الرجل أن فرصة ذهبية قد واتته الآن .. وهي سانحة لطالما ظل ينتظرها ويبحث عنها زمناً طويلاً دون جدوى .. وهنا أوضح لها أنه إنما جاء يطلب يدها ويرغب حقاً في الزواج منها على سنة الله ورسوله .
كان ردها – بعد أن شكرته - واضحاً وصريحاً وقاطعاً وبشكل لا لبس فيه : بأنها لا تفكر أبداً في الوقت الراهن في الإرتباط بأي رجل .. خاصة وأنها لا ترى حالياً في حياتها من هو أعز عندها وأهم من بناتها .. مستدركة – أمامه- بأنها لو فكرت في أمر كهذا مستقبلاً .. فلن لن تختار سوى رجل من بلدها ( السودان) .. وأن واقعها – في ظل تربية بنات أربعة - يضعها أمام مسؤولية كبرى أمام الله وأمام المجتمع .. ثم دعت للرجل – بعد اعتذارها له – بالتوفيق .. وأن يحقق له ما يصبو اليه وأن يجمعه بــ (بنت الحلال) التي يريدها .. فشكرها الرجل بدوره وبمنتهى الهدوء غادر المكان ولسان حاله يقول : ( يافرحة ماتمت) وفي قرارة نفسه يردد : (كم هي عظيمة هذه المرأة .. تفكرفي بناتها أكثر من نفسها .. وفي زوج من بلدها وليس أي بلد آخر ).
ليس هذا فحسب .. ففد هناك رجال آخرون في تلك المدينة عيونهم عليها أيضاً

ونواصل باذن الله تعالى
مع خالص مودتي للجميع
خضر


[email protected]





تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 3860

خدمات المحتوى


التعليقات
#1236874 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

03-29-2015 12:48 PM
خربت الفصة يا استاذ بهذه العبارة ( بباقة ورد أنيقة عند عتبة منزلها أوعلى مقدمة سيارتها .. ولكنها كانت تقذف بها بعيداً .. وتذهب لعملها دون أن تعير الأمر إهتماماً . )

هل يعقل أن تجد امراة باقة ورد كل صباح و لا تهتم بهذا الامر ؟ لو حدث هذا الامر لرجل عجوز متهالك لاهتم بهذا الشيء فما بالك بامراة ما زالت مشتهاة!


#1236818 [سوداني اصيل 100%]
5.00/5 (2 صوت)

03-29-2015 11:05 AM
لا بالله,, طيب خلاص صدقناك ياعبد المنان


#1236773 [SESE]
0.00/5 (0 صوت)

03-29-2015 10:21 AM
الناس هناك لا يفكرون بنفس معاييرنا في بلادنا وبالاخص من ناحية القيم والدين والاخلاق فيصمد الجيل الاول مع المعاناة الشديدة مثل حال الام وينازع الجيل الثاني للتمسك بالاصول كما في حال البنات اما الجيل الثالث فسيولد بطبعه منجرفا في التيار وبدون اي مقاومة.....

من خرج من داره قل مقداره......


#1236083 [ربوع السودان]
0.00/5 (0 صوت)

03-28-2015 10:39 AM
شكرا على استاذ على هذه القصة النبيلة الجميلة الرائعة والمرأة السوداينة الأروع


#1236007 [سودانية زمان]
5.00/5 (3 صوت)

03-28-2015 08:46 AM
الحقيقة ياأستاذ قصتك هذة ادهشني جدا ولااصدق انها حقيقة لان مافيها من كلام مبالغ فيه؟وخاصة بي انك تجامل في هذة المرأة وتصفها بي ارفع الصفات وتشدد لابد من الكتابة عنها وكأنها بطلة والرجال عيونهم عليها وشغل بيع السيارات لما فيه من مشاكل وهي وحيدة وماتفعل هذة المرأة بي ابو البنات من محاكم وحرمان للبنات كل هذا يجعلها قصة خيالية؟لان رأي كل الرجال فيها بتأكيد واحدة ماعندها أهل وقعدة في بلاد كفار غريبة مع بناتها؟وكل الرجال يخافوا منها ولن تتزوج تاني أبدا ولن تجد مساعدة؟نظرة المجتمع السوداني لها نظرة حقيرة؟معليش لو قلت لي هذة القصة تمثيلية كما يحدث في مقال الاستاذ جعفر عباس ( لماذا أحترم هذا الإسرائيلي ؟)هنا فقط سوف اصدقك ياأستاذ؟ وشكرا علي كلامك ومشاعدك الجميلة ووقوفك في تجاة تلك المرأة حتي لو كانت غلطانة وهي في نظرك بطلة ونجمه وامثالك من الرجال قليل في هذا الزمان شكرا جزيلا


ردود على سودانية زمان
[حسبو] 03-29-2015 05:11 AM
ههههههههههه وانت صدقت . تاليفات,, وليه هو ما اتزوجها


#1235807 [أنصاري]
0.00/5 (0 صوت)

03-27-2015 09:00 PM
التحية للمراة السودانية الأبية.. في شخص هذه السيدة الفاضلة.. مثل هذه النماذج فخر لنا.. شكراً للإضاءة.


#1235766 [mohd]
0.00/5 (0 صوت)

03-27-2015 06:53 PM
الهم وفقها واحفظها واحفظ بناتها من كل مكروه ياقادر ياكريم


#1235687 [hم على]
1.00/5 (1 صوت)

03-27-2015 02:43 PM
هذه هي المرأة السودانية في كل مكان فالغالبية منهم جادات ومكافحات وقويات مقارنة بالرجل السوداني المتخاذل والذي يلهث نحو نعدد الزوجات والهروب من المسؤولية ،،،

عرفنا نحن النساء في الغربة بالنجاح والتفوق في كل مجال إلا ان الإعلام السوداني يطبل للعاهرات وهن قلة قليلة ويتباكى الرجال على بضعة نساء ساءت اخلاقهم وهن لا يفتن نسبة ال 1% من النساء السودانيات،،،
لو إنتفض الإعلاميين وبحثوا عن نجاح المرأة السودانية اليوم في اعلى المرافق بداً بالدول العربية والأوربية وامريكا وكندا في مرافق مثل الأمم المتحدة والسفارات الإجنبية والإدارات لصعقتم ورفعتم رأسكم عالياً تفاخرون بالمرأة السودانية اينما حلت

اطلب من كل رجل ان يتلفت حول في اي مجتمع ويدقق فيما تقوم به المرأة السودانية من عمل وتحمل لمسؤولياتها كأم واخت وزوجة ويكفوا عن الحديث عن ان المرأة السودانية بسوء


#1235662 [دكتوره عوضيه دخان]
4.25/5 (3 صوت)

03-27-2015 01:50 PM
.


خضرعطا المنان
 خضرعطا المنان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة