04-04-2015 09:35 AM


سعدت خلال الأسبوع المنصرم بزيارة العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لحضور اجتماعات مؤتمر قمة السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا والمعروفة اختصاراً باسم "كوميسا". وزيارة أديس أبابا بعد ثمانية أعوام من الغياب جعلتني ألاحظ ومنذ الوهلة الأولى مدى التقدم العمراني الذي تشهده المدينة والذي يعكس نهضة اقتصادية ملحوظة. لا غرو إذن أن تأتي إثيوبيا في مرتبة متقدمة للغاية على مستوى العالم من حيث معدلات النمو الاقتصادي على حد قول مدير عام اليونيدو الذي قدم محاضرة قيمة عن التصنيع خلال جلسات المؤتمر. انعقد المؤتمر كما هو متوقع في أحد الصروح العمرانية الضخمة التي انتصبت في العاصمة الإثيوبية وهو مركز المؤتمرات الجديد للاتحاد الأفريقي والذي يشكل تحفة معمارية رائعة نفذتها شركات من الصين الشعبية كما هو الحال بالنسبة للكثير من الصروح الشاهقة التي سمقت في سماء العاصمة الإثيوبية. وقد أُطلق على قاعة الاجتماعات الكبرى في المركز اسم المناضل الأفريقي نلسون مانديلا تخليداً لذكرى نضاله الطويل ضد نظام الفصل العنصري في بلاده والدور الكبير الذي قام به من أجل الانتقال ببلاده من ذلك النظام البغيض لنظام ديمقراطي يتم التعامل فيه مع الجميع على قدم المساواة دون مراعاة للون أو الجنس. وكان كل موقع في مركز المؤتمرات الفخم يعكس جوانب مشرقة من الثقافة الأفريقية ومن تاريخ القارة ، فقد أرادت له الأمانة العامة أن يكون صورة حقيقية للقارة الفتية.
المتجول في هذا المركز يرى على الجانب الأيسر من قاعة مانديلا العديد من صور الرؤساء الأفريقيين الذين لعبوا أدواراً مقدرة في تاريخ القارة وتحريرها من ربقة الاستعمار الغربي. تضم المجموعة صورة للرئيس السوداني الفريق إبراهيم عبود باعتباره أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأفريقي ، غير أن الصورة وضعت في مكان منزوٍ وخلف عمود من أعمدة القاعة الضخمة مما يجعل من الصعب على الزائر رؤيتها. وللحقيقة فإنني لم ألاحظ وجود صورة الفريق عبود إلى أن دلني عليها أحد الأخوة في ذلك المكان القصي. ولا شك أن كل من شاهد الصورة من السودانيين في هذا الموقع غير اللائق أصيب بالدهشة وربما الغضب ، فالسودان كواحدة من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية ، والفريق إبراهيم عبود كأحد الزعماء الذين شاركوا في إنشاء هذا الصرح العظيم يستحقان موقعاً أفضل بكثير.
حاولت أن أدرك الأسلوب الذي اتبعته الأمانة العامة في اختيار صور هؤلاء الرجال العظماء والحكمة وراء ترتيب عرضها على النحو الذي رأيت والسر وراء وضع صورة الزعيم السوداني في ذلك المكان المنزوي. وقد لاحظت كما لاحظ غيري أن بعض الآباء المؤسسين المعروفين من أمثال الزعيم الغاني كوامي نكروما والزعيم الغيني أحمد سيكوتوري تأخر ترتيبهم في القائمة بصورة جلية بالمقارنة مع مواقع عدد من الزعماء الذين لم تتمكن بلادهم من نيل استقلالها إلا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. من ناحية أخرى ، فإن عدداً من صور الآباء المؤسسين للاتحاد الأفريقي سقطت تماماً من القائمة المذكورة. من الواضح أن الأسلوب الذي اتبعته الجهة التي قامت بوضع الصور لم يكن يقوم على الأحرف الأبجدية لأسماء البلاد أو الرؤساء المعنيين ، لذلك فقد يكون صحيحاً ما سمعته من أن الترتيب جاء بصورة عشوائية بناء على تاريخ وصول صور الزعماء للأمانة العامة مما أفقد الجهد قيمته بالرغم من حسن النوايا. وإن صحَّ أن هذا هو الأسلوب الذي اتبعته الأمانة العامة فهو أسلوب معيب كما أنه يؤكد ، من جانب آخر ، آفة البيروقراطية السودانية التي تتحرك دائماً بعد فوات الأوان كما يشير فشلها في توفير صورة الفريق عبود في الوقت المناسب لتحتل مكانها اللائق بين صور الزعماء الأفريقيين. لا أدري إن كانت حكومتنا قد أثارت الأمر مع الأمانة العامة للاتحاد الأفريقي وعلى أي مستوى ، غير أنني أرى أن المسؤولين في الأمانة العامة في حاجة لإعادة النظر في كيفية ترتيب وضع صور الرؤساء بالأسلوب الذي يحفظ لكل منهم دوره التاريخي في تحرير القارة وإنشاء منظمة الوحدة الأفريقية التي سبقت الاتحاد الأفريقي ، وهو أمر لن يُعجز المسئولين بالأمانة العامة ويحتاج فقط لبعض التحرك من جانبهم.
جاءت الحكومة العسكرية التي قادها الفريق عبود في زمان شهد بواكير الحرب الباردة ، وعنفوان حركة التحرير في القارة الأفريقية. ومع أنها جاءت بعد الانقلاب على حكومة منتخبة شعبياً ، إلا أنها حاولت اتباع سياسة خارجية متوازنة تضمن مصالح البلاد على الساحة الدولية. وجدت الحكومة ضالتها فيما عرف وقتها بسياسة عدم الانحياز التي تبنتها الغالبية العظمى من دول العالم الثالث ، فسعت إلى تمتين علاقاتها مع المعسكرين المتنافرين فكان الرئيس إبراهيم عبود أول رئيس سوداني يقوم بزيارات رسمية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كما قام باستقبال الرئيس برجنيف في الخرطوم. من جهتها ، سعت الحكومة نحو تمتين علاقاتها مع الدول التي تتبنى ما عرف وقتها بسياسة الحياد الإيجابي مثل يوغوسلافيا والهند وغيرهما ، كما عملت على الانضمام للمؤسسات التابعة لحركة عدم الانحياز التي ضمت الغالبية العظمى من دول العالم الثالث. ومع أن الحكومة كانت تساهم بدورها في لجنة التحرير الأفريقية وتعلن عن دعمها القوي للدول الأفريقية التي تسعى للتخلص من الحكم الاستعماري ، إلا أنها كانت تمارس حذراً شديداً حيال الحركات السياسية والعسكرية المتناحرة داخل بعض هذه الدول باعتبار أن ذلك يمثل تدخلاً في شئون هذه الدول الداخلية ويزيد من حدة التوتر في تلك البلاد ، ولم تكن هذه السياسة تخلو من الحكمة كما أثبتت الأحداث اللاحقة.
ولعل من أكثر قرارات حكومة الفريق عبود حيال أفريقيا إثارة للجدل هو رفضها تمرير السلاح للقوات التابعة لرئيس الوزراء باتريس لوممبا خلال الحرب الأهلية التي شهدتها جمهورية الكونغو في ذلك الوقت. قاومت الحكومة السودانية ضغوطاً هائلة من جهات عدة من بينها الرئيس المصري جمال عبد الناصر والاتحاد السوفيتي وعدد من الزعماء الأفريقيين مثل الرئيس سيكوتوري الذي يشاع أنه قد ألصق ببلادنا لهذا السبب صفة "رجل أفريقيا المريض". أصرت حكومة الرئيس عبود على موقفها بعدم السماح بمرور السلاح عبر الأراضي السودانية إلا بموجب قرار من الأمم المتحدة. قوبل ذلك الموقف بالكثير من الاستهجان والمعارضة من جانب القوى السياسية السودانية خاصة اليسارية منها ، فقد كانت شعبية رئيس الوزراء الكونغولي باتريس لوممبا طاغية في كل أنحاء القارة الأفريقية بما في ذلك السودان. غير أن الفريق عبود كان يدرك تماماً أنه لا يمكن حصب بيوت الآخرين بالحجارة وبيته من زجاج بسبب التمرد المشتعل عندئذٍ في جنوب الوطن. ولعل ما وقع بعد ذلك يؤكد حكمة الرئيس عبود ووزير خارجيته فعندما تسلمت حكومة الثورة الشعبية في أكتوبر 1964 مقاليد الحكم ، قامت باستقبال ثوار السيمبا الكونغوليين في الخرطوم استقبال الرؤساء عملاً بسياسة "دعم الثوار من كل الشعوب" على حد قول رئيس الوزراء في ذلك الوقت. كما فتحت الحكومة لثوار السيمبا أبواب الإعلام السوداني واسعة ، وقامت فوق هذا وذاك بإمدادهم بالسلاح ومعالجة جرحاهم في المستشفيات السودانية. غير أن بعض السلاح الذي قدمته الحكومة السودانية لثوار السيمبا وقع لاحقاً في أيدي حركة الأنيانيا بعد أن أعدت كميناً لبعض الشاحنات التي كانت تقوم بنقله ، كما قامت الحركة بشراء البعض الآخر من قوات السيمبا التي تفرقت أيدي سبأ بعد هزيمتها مما جعل السلاح السوداني يرتد إلى صدور أفراد القوات المسلحة.


[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1390

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1241732 [ابو الحسن]
1.00/5 (1 صوت)

04-06-2015 01:59 PM
رحم الله الفريق ابراهيم عبود الرئيس الزاهد في المال وفي الحكم وبهذه الصفات----- فقد فات الكبار والقدرو كما تقول اغنية الحقيبة -- وهو قمين بان ينحت له السودانيين تمثالا


#1240341 [نوبى]
3.00/5 (2 صوت)

04-04-2015 11:47 AM
عبود من قام ببيع حلفا للمصريين وهو يعتبر خائن فى نظر ملايين النوبيين على امتداد الوطن وخارجها وانت تعتبرةمن قادة افريقيا خسئت


ردود على نوبى
[د. محجوب الباشا] 04-04-2015 09:01 PM
سامحك الله يا نوبي


محجوب الباشا
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة