في


في العنف
04-13-2015 09:17 AM


*(لا تتحدثوا مع سفاحين.. هؤلاء الذين
جعلوا قتل الأبرياء فلسفتهم هذه قضية أمنية. لقد
أصبحت مسألة من الذي سيسقط: هل هو المجتمع؟
هل هي الأمة؟ أم مجموعة من القتلى الخارجين تماماً
عن السيطرة؟..).
- وول سوينكا-
كاتب ومفكر نيجيري
.. نتفق جميعاً على أن ظاهرة العنف كامنة في أعماق النفس البشرية منذ قابيل وهابيل إذ عبر التاريخ، ما من أحد إلا وتعرض إلى موقف عنيف أو عانى الآخرون من بعض مواقفه العنيفة النسبية، والعنف يبدأ بالكلام في حدوده الدنيا لينتهي إلى شكله الجسدي الأخطر، وهذا السلوك لا يظهر إلا في ما يسمى بـ(المواقف الصعبة) فيفسد حياتنا اليومية وربما حياتنا كلها إذا لم نسارع إلى تلافيه.
مشكلة العنف تعد من المشاكل التي لم يصل العقل البشري إلى حلها جذرياً لأنها - كما قلت- جزء من التكوين البشري، ويعكر صفو حياتنا اليومية ويلغي التسامح الذي يخلق الطمأنينة والسكينة في النفس.
لآ أريد أن أتحدث عن عنف الحروب الكبرى والصراعات بين الأمم التي طالما شهدها التاريخ ولا عنف الإرهاب والتطرف، إنما عن العنف اليومي الذي يتفجر في الجماعة الواحدة (من أي نوع كانت) التي ينبغي أن تكون على أعلى درجة من درجات الانسجام والتناغم.
هناك العنف العائلي، وعنف الإعلام (التضليل وخداع الرأي العام) والإزعاج المعنوي والتحرش الجنسي الذي لا تكاد تخلو حياة الجماعة منه، والذي إن لم نتداركه يتحول إلى عدوان: بدءاً بالنظرة وانتهاء باستخدام اليد وما إلى ذلك من أساليب يتقنها أصحابها. وأزعم أن أشد أنواع العنف هو الاعتداء على القانون العام وعلى أنماط حياة الآخرين، ومحاولة إلباسها لباساً واحداً وتلوينها بلون واحد يعتقد أنه الأنسب لجميع الناس.
لسنا بصدد رسم صورة سوداوية عن حياتنا، لكنها الحقيقة التي نعيشها يومياً دون أن نتنبه لخطورتها على الفرد والمجتمع.
أحد أسباب العنف يبدأ بالنظرة إلى الآخر على أنه مصدر الشر ولا بدّ بالتالي من الارتياب به لما يشكله من خطر على مصلحتي، وبالمقابل ينظر إليّ الآخر على أني مصدر شك وريبة، إذاً فالكل يخاف من الكل ويرتاب فيه ويعتبره مصدر خطر على حياته وهنا الكارثة.
تعالوا نذكر ظاهرة واحدة على الأقل، هل ننتبه إلى أننا عموماً نخشي من التحدث أمام جمع عام، ونستخدم البلاغة اللغوية، وحتى وإن لم ندرسها في مدارسنا وجامعاتنا؟ هل نذكر أننا حتى حينما ننفرد ببعضنا ترانا نتطلع يمينا وشمالاً ونهمس في آذان بعضنا بما نريد قوله، مع أن ما نقوله لا يشكل خطراً على أحد؟ وهل نعترف بأننا لا نحسن الاستماع إلى بعضنا البعض ونتحدث حيثما ينبغي الاستماع ونصمت حيثما ينبغي الكلام؟ هل ندرك أننا بسلوكنا هذا إنما نرفض فهم الآخر، ويرفض فهمنا؟ وهل يعني هذا غير أننا لا نثق ببعضنا؟ لنعترف أن ما سبق كله يشكل مناخاً مناسباً لنشوء العنف الذي يتحول بدوره إلى محرك رئيس للخوف والحذر وانعدام الثقة، وبالتالي إلى تفكك المجتمع.
الهروب من مواجهة هذه الظواهر يساعد على تفاقم المشكلة بمعنى أننا نتجنب مواجهة المشكلة بهدف التخلص مما يسمى بـ(الموقف الصعب) لكن ألا تلاحقنا المواقف الصعبة إلى عقر دارنا؟ وهو أمر طبيعي، إذ على الرغم من الأنانية التي بدأت تغزو عقولنا وقلوبنا – مع الأسف – إلا أننا نبقى مترابطين مع بعضنا في كل مناحي حياتنا: في العمل، والمواصلات، ووسائل الإعلام، وأماكن العبادة، وبيوت الثقافة، والشارع....إلخ، وبالتالي لا يمكن لأحدنا التخلص من الاحتكاك بالآخرين والعيش بينهم.
أمام (الموقف الصعب) لا يملك الواحد منا إلا واحد من خيارات ثلاثة: إما اللجوء إلى العنف كما يفعل الآخر، أو الهروب من مواجهته أو المواجهة بالكلام المنطقي والتعليل بهدف الدفاع عن موقفنا وإقناع الآخر بأن المقصود منه لا يعني أبداً تحديه أو التقليل من شأنه إنما مشاركته في إيجاد حل للمشكلة التي يمكن أن تعترض الطرفين. ومواجهة العنف بالعنف يبقى سلوكاً شخصياً، ولا سيما حينما لا يكون العنف غريزياً، لكن هل الإنسان قادر على أن يتصرف دائماً وفقاً لمقتضيات العقل. يبدو أن الأمر صعب وإلا لما أجاز القانون ما يسمى بـ(الدفاع المشروع عن النفس) على الرغم من دقة الحالات التي يطبق فيها هذا القانون وتعقيداتها التي لا يبتّ فيها سوى أصحاب الاختصاص، لكن الجميع يعرف – ومنهم رجال القانون – أن خيار العنف يُنتجُ العنف دائماً إزاء الآخرين وبالذات معهم.
yagobabi@hotmail.com

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 956

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1246253 [f]
5.00/5 (1 صوت)

04-14-2015 12:38 AM
أقرأ مقالاتك ولا أكتفي بقراءتها بل إرسلها لأيميلي وكثيرا ما أفعل هذا مع المقالات التي أود قراءتها لأكثر من مره ومقالاتك منهم ولكني في غمرة ذلك عادة أنسى أن أعلق على المقال وتعليقاتنا بمثابة التب الذي يدفع في نهاية الخدمة عادة كنوع من إظهار الإمتنان مع الفارق طبعا


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة