04-19-2015 03:49 AM


1 ـ
عندما أعلن الرئيس عن مبادرة الحوار الوطني ، كتبت يومها واصفا خطاب الوثبة بالتلفيقي ، وقلت أن المحاور التي طرحها الخطاب ، قُتلت بحثا وبحت الأصوات المعارضة وغير المعارضة ، وهي تستعطف دولة الحزب الحاكم موقفا عمليا أكثر جدية وجرأة ، يلامس سقف أزمات الوطن المتصاعدة ، لا أن تعيد إليهم بضاعتهم التي ظلوا يسجونها على عتبات دواوينهم ، فتشكك الناس وغلب الظن بينهم قبل أن تؤكده الأشهر التالية أن المراد هو شغل الساحة السياسية ، وشل إرادة التغيرالمتنامية منذ أحداث انتفاضة سبتمر ، ذلك لحين حلول أجل الانتخابات .
مع ذلك ـ استجابت فعاليات عديدة لمبادرة الحوار الوطني ، امتثالا للمقولة الشعبية
( الكضاب وصلو الباب ) ، غير أن العفوية التي اعتادها النظام في قراءته وتقديراته للأحداث ، جعلته يتظنى ضعفا في موقف المستجيبين ، و استسلاما يلزمهم الطواف في محرابه ، فبادر باستفزاز زعماء الأحزاب وقيادات الفعاليات الاجتماعية ، لا بل هفت نفسه ليجرب إذلالهم بالاعتقالات ، وتوجيه تهم الخيانة الغليظة التي تصل عقوبتها حد الإعدام ، عابثا بحقوق من افترض خصومنهم ، مستهترا بسلطات المؤسسات العدلية و قيّم العدالة والانصاف والوجدان السليم ، فكانت المحصلة أن كف أولئك القادة أيدهم ، مغتسلين من أدران حوار لا يملك من دعى إلية الجدية والمصداقية الكافية ، فبات الحوار بآليته ساق متآكل المفاصل، وترس بلا سنان .

2 ـ
لم يقف السيل الجارف لمبادرة الحوار إلى خارج حلبة التوافق عند هذا الحد ، بل عوجل على حين غرة بخبطة موجعة ، وجهها تشكيل باريس المكون من حزب الأمة القومي والجبهة الثورية ، وأردفها بأخرى أكثر إلاما تمثل في إعلان نداء السودان بعد أن جمع إلية بقية ألوان الطيف المعارض ، وعلى الرغم من كوة الأمل التي أسرجها نداء السودان ، جاءت كالمعتاد قراءة الحزب الحاكم سالبة بغير حيطة ومضى يبتز الشعب ، ويجري تعديلات دستورية هامة ، أحالت صلاحيات الرئيس وأجهزته الأمنية لملك عضوض لا ينقصه سوى اللقب ، كل ذلك تأمينا لإعادة انتخابه لدورة جديدة ، ولكن قبل أن توضع صناديق الاقتراع أمام الجماهير ، تلقوا خبطة ثالثة لم يكن بيدهم ما يدرأ عنهم عقابيلها ، فتلقوها وشرعوا في انفاذ مشروعهم الانتخابي ، بين مستجدات عاصفة الحزم في الإطار الاقليمي ، وعفار نداء( أرحل) الجهير والسري داخليا .

3 ـ
قطعا لم يكن تمرد القطاع الأوسع من الشعب عن ممارسة حقه في الاقتراع مجرد
لامبالاة كما يجتهد البعض ، فلشعب لم يكن يعوزه العلم اليقيني بأن النظام يحكمهم بقواه الأمنية الباطشة ، وقيادته اليائسة من الحياة ، ومليشياته التي لن تجد مرضعة تلقم أفواههم مثل هؤلاء ، ولم يغرب عن باله شهداء إنتفاضته السلمية في سبتمبر مع ذلك لم يتجنب مواجهة النظام بالمطلق ، وظل يختبر جاهزيته بين فينة وأخرى بتظاهرات هنا واضرابات هناك وكر وفر في مواقع القتال ، بصبر وتضحيات تنضح في الحلوق مرارة العلقم ، إلى أن حل يوم زينة النظام ، فمارس الشعب حقه في العصيان بطريقة حرمت النظام من استعراض عضلاته ، وكأنه يقول أذهبوا إلى القصر كما جئتموه بليل ، دون أن تستجدوا إرادتنا الجمعية ، حقا إنه شعب معلم ابتدع ملمحا جديدا يضاف لتاريخ مقاومته للأنظة الدكتاتورية والشمولية .

4 ـ
كان بمقدور النظام أن يجني العديد من المكاسب دون أن يضع ساقه في فخ الانتخابات ، لو أنه استثمر بوعي وجدية ميول خصومه السلمية ، ورؤيتهم العقلانية لحل شامل لمعضلات الوطن دون عزل أحد ، ولكن كما قال تعالى( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) الحج 46.
مظاهر هذا الاستفتاء وفرت العديد من الشروط الداخلية المطلوبة ، أفضلها الاحباط الذي بذره في نفوس المنتمين للنظام ، وما سيترتب عليه في مقبلات الأيام ، وأفيدها ما وفرته من فرص ثمينة للنشطاء في الأحياء ، ليتعرفوا دون تقص على اتباع النظام وسراياه الأمنية من خلال أصابعهم المدبوغة بحبر الاقتراع .
قطعا هنالك شروط أخرى داخلية لم تكتمل بعد ، لعل العمل يمضي لاستكمالها ، مع أخرى اقليمية ودولية يجري تحفيزها لصالح تلك النهاية الجالسة على عتبة الباب في انتظار لحظة الفتح ، وقد أصبح المفتاح الآن بيد الشعب ، ولكن لديه من الهواجس ما يتعين إزالتها من قبل القوى الراغبة في التغيير ، وهي هواجس مركوزة على حجرين .
الحجر الأول : أمني يتمثل في مليشات النظام وقواه الأمنية السرية ، تحييد هاتين القوتين أو التقليل من أضرارهما ، جانب مهم للحفاظ على الأرواح ، ولعل العمل المجدي والناجح في هذا الجانب يجب أن يطلّع به العائدون منهم لصفوف المعارضة ، فضلا عن الدور الذي يمكن أن يلعبة كل كادر معارض تجاه تحييد أقاربه الموالين للنظام .
الحجر الثاني : هاجس الخشية من الفوضى والانزلاق لصراعات بين المعارضين أنفسهم ومن ثم عدم استقرار المرحلة لالانتقالية ، مما يعني استمرار نزيف الوطن ومعانات الناس .
جملة هذه الهواجس لها ما يبررها في الذهن الشعبي المطلع على مجريات الأحوال في الداخل وفي محيطه الاقليمي ، تجاوزها يتطلب انجاز عدة شروط وانزالها للشارع :
• منها انتظام المعارضين على اختلافهم في كتلة موحدة لها ناطق واحد متفق عليه.
• ومنها الاتفاق الصارم على برنامج انتقالي دقيق وواضح المعالم يحكم الفترة الانتقالية.
• ومنها أن يلتزم المعارضون خاصة الأجنحة العسكرية بميثاق الفترة الانتقالية .
• ومنها أن تكون حكومة الوفاق الوطني للفترة الانتقالية مسمية وجاهزة لإدارة الحكم وفق البرنامج الانتقالي .
• ومنها أن تتحول كتلة المعارضة الموحدة لمجلس شيوخ ( كونقرس) يكون له كامل الصلاحيات فيما يلي:
1 ـ مراقبة ومحاسبة أداء الحكومة ..
2 ـ الدعوة لمؤتمر دستوري يضع الخطوط الرئيسة لشكل الدولة وطبيعة الحكم ومبادئ الدستور الدائم .
3 ـ يستمر كمجلس شيوخ بجانب الجمعية التأسيسية والحكومة المنتخبة لحين إجازة الدستور الدائم.
عندما تنجز قوى التغير هذه الشروط حتما سوف تأتي الخبطة الرابعة التي لن تبقى في جسد النظام ريشة واحدة تساعدة على الارتفاع شبرا عن قبره .

[email protected]






تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1118

خدمات المحتوى


التعليقات
#1250296 [abdalla abdelwahab]
1.00/5 (1 صوت)

04-19-2015 10:02 PM
I agree with you on such wise analysis


#1250262 [عبد الله]
5.00/5 (1 صوت)

04-19-2015 08:52 PM
شكرا استاذنا محمد على الملك على التحليل المنطقى للامور . ولكنها سته وعشرون عاما عجاف قضت على الاخضر واليابس . سته وعشرين من البقر العجاف قضت على الضرع الذى كان يهطل كما السيل على افواه اطفالنا . ومن هذه الفتره الزمنيه التى نالت منا الكثير تعلم الشعب السودانى المعلم . ووقف يتفرج فى القله القليله التى ذهبت الى صناديق الاقتراع ويحصيهم عددا . فقد كانت احدى الملاحم التى سوف يقف التاريخ مبهورا بها . ان تقاطع كانما تقول ( ارحل) .
ولكن اخى الملك كيف لساستنا المعارضين الاجتماع على كلمه سواء . ولا تنسى بان الاحزاب المقاطعه فيها من ذهب الى السجن حبيسا وفيها من كان ظلا لهذا الحبيس . كيف يتاتى الاجماع ويسير بين الناس من هم اباء وابناء النظام . وانت ترى ان الكثيرين اناخو جمالهم تحت ظلال الشجره ؟ منهم من ملاءت له الاقداح ومنهم من ترك دابته ترعى مع ابل مقتول جساس . فالامر اكثر من اوجاع ثلاثه ولكنه جبل من الاوجاع لن يزول الا اذا تماسكنا واخرجنا الخبيث وابن الخبيث واشباه الخبثاء , الذين همهم بطونهم وشاهقات الاسمنت . وكل ذلك يقينى قد يقودنا الى تجربه مريره كما هو الان بسوريا او ليبيا . وما عاصفه الحزم بعيده عنا . شكرا لك اخى الملك .


محمد علي طه الملك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة