المقالات
السياسة
السّودان: بَيضـةُ الانتخابات أم دجاجـةُ الحِـوار..؟ ..
السّودان: بَيضـةُ الانتخابات أم دجاجـةُ الحِـوار..؟ ..
04-22-2015 02:32 PM


أقرب إلى القلب:
(1)
انتخابات أم حوار..؟
لكأنا في السودان نطرح السؤال السرمدي الذي يثير الهزء أكثر مما يثير الجدية، وهو أيهما يسبق الآخر: الدجاجة أم البيضة..؟
منذ أمد ظل السودان منقسماً بين حكومة تصرّ على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، فيما تجاهر قوى المعارضة بضرورة الانخراط في الحوار الجدّي لمعالجة الملفات العالقة، قبل الشروع في انتخابات مشكوك في مصداقيتها. يرى المراقبون أن ثمة عجلة تتطلب كوابح تبطيء من عملية انتخابات ، لا تبدو خالية من شوائب دستورية واضحة، فيما الملفات الماثلة واضحة للعيان تنتظر حلولاً في أفق بعيد. .
( 2)
لعل أول الإشكالات هي تلك المتعلقة بغياب دستور متفق عليه بين كافة ألوان الطيف السياسي في السودان. برغم أن الدستور الانتقالي قد تجاوزته عملية الاستفتاء الذي أفضى إلى انقسام السودان إلى "سودانين"، فلا يزال النظام القائم في الخرطوم يتعامل بذلك الدستور ، برغم صفته المؤقتة، والتي كان لزاما بعدها العمل بدستور معدل. لعل من البديهيات أن انقسام البلاد إلى دولتين، يستوجب إعداد دستور تجلس إلى إعداده جمعية تأسيسية، فالذي ينتظر التعديل أو إعادة النظر من مواده يكاد يفضي بتلك الجمعية إلى الشروع في صياغة دستور جديد. إن الدستور الانتقالي الذي أجيز عام 2005، بعد إقرار اتفاقية السلام التي أنهت الحرب الأهلية، أقرّ إجراء استفتاء قسم السودان إلى نصفين عام 2011، فإن على النظام في الخرطوم أن ينفض من نفسه، وأن تبدأ مرحلة تأسيسية مؤقتة يكون أول همومها هو إعداد مسودة دستور جديد يطرح على استفتاء ثان، يقول عبره السودانيون كيف يريدون لبلادهم أن تدار. غير أن ذلك لم يحدث، بل جنح النظام إلى تجاهل إجراء اي تعديلات على الدستور الانتقالي الذي يفترض أن تكون صلاحيته القانونية قد انتهت.
(3 )
للخروج من ذلك الاختناق الدستوري، الذي يكاد يتزامن مع انتهاء أجل فترة رئيس الجمهورية السودانية، جرى اعتماد ترشيح الرئيس لفترة ثالثة، في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2015، فيما أقر الدستور الانتقالي لعام 2005، أن لا يترشح رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين، خمسة أعوام لكل فترة.
ولتجاوز أيّ استعصاء متوقع، وأيّ تصعيد من قبل قوى المعارضة، طرح رئيس الجمهورية- في مسلك "شمولي" صريح- برنامجا سموه "الوثبة"، تتضمن إتاحة المجال لحوار مُعمّق، تشارك فيه القوى السياسية بكامل أطيافها، يفتح ملفات السودان العالقة حول أساسيات الحكم الرشيد: الحريات والديمقراطية والتشارك السياسي. التوقع أن يمضي الحوار في مساراته، لا أن يزيد الأزمة استعصاءاً، أن تنفتح لا أن تنسد الأبواب. إذ الاسم الكبير في قوى المعارضة يخرج من البلاد ويوقع وثيقة مع قوى معارضة خارجية، أدانتها السلطة في الخرطوم فركضت ركضا سريعاً تلاحق الرجل كأنه مجرم هارب. لم ينقض وقت طويل فإذا الذي طرح "الوثبة" ساحة للحوار ليقفز بالبلاد إلى استقرار منشود، يستأثر بطرحه وحده، في تمرين كأنه حوار الطرشان، فقد وقفت أغلب التيارات المؤثرة خارج حلبة "الوثبة"، وإذا الوثبة محض كلام معلق في الفضاء لا بقي في أرض ولا سمق إلى السماء..!
سأل الناس أيهما يسبق الآخر:
الحوار المنفتح، أم المضي لإجراء انتخابات ترسخ الوضع الشمولي المتعاظم..؟
أهي قصة البيضة والدجاجة، من جديد..؟
( 4)
أما عاصفة الحزم" فكأنها السانحة التي يترقبها النظام، ترقب المؤمن ليلة القدر في رمضان. كان السودان في أول صف المشاركين، بما فاجأ القوى السياسية الداخلية، وأيضا أثار دهشة أغلب المراقبين في الخارج. حسب الداخل السوداني المتفائل، في تطلع رغبوي طال أجله، أن تحالفاً جديدا سيضم السودان إلى السعودية وبلدان الخليج، وسيغير تلك الصورة التي رسمتها ممارسات النظام السوداني لسنين طويلة، كان فيها الأقرب إلى تهران، الأبعد عن التوجهات الأمريكية. ليس ذلك وحده، إذ بدأ أركان النظام في الخرطوم يراهنون على "الحزم"، شأناً يمكن تجييره لإنجاح انتخابات البرلمان الجديد، ويكون فاتحة لحملة انتخابات رئاسية ، تحمل الرئيس الجالس منذ خمسٍ وعشرين عاما، إلى فترة رئاسية إضافية، يكمل بها الثلاثين عاماً، إذا مدّ الله في الأعمار..
(5 )
فيما تدور هذه المناورات السياسية، يتواصل مسلسل الأزمات الطاحنة، لهيب دارفور وقد تجاوز عقداً من الزمان لا يقف عند محطة سلام واضحة المعالم، والقتال في جنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق، لا أفق لتهدئته. مع دولة الجنوب التي انفصلت عن السودان القديم، بقيت ملفات مستعصية لم تجد حلولا بعد. مصير منطقة "ابيي" التي لم تعرف لها هوية بعد: للسودان "السلف" أي السودان القديم، أم تذهب للدولة "الخلف"، أي دولة جنوب السودان، لم يجلس الفرقاء للتفاوض حولها..
مع الجوار السوداني هنالك ملفات عالقة بعضها لم يجد حلاً حاسماً، وبعضها عولج بعجلة تنقصها المدارسة. مثال ذلك قضية تبعية مثلث حلايب، وهي قضية تاريخية نشبت بين مصر والسودان، لم تفلح السنوات في حلها، منذ سنوات الخمسينات من القرن الماضي. مع اثيوبيا نشب سجال حول سد النهضة الذي توجست منه مصر، وهدأت أحواله بعد اتفاق سوداني مصري اثيوبي حوله، ربما يحتاج الاتفاق إلى مزيد تدارس وتقييم. مع تشاد يشكل ملف دارفور حلقة عالقة بين البلدين..
ليس ذلك فحسب، بل إن ملفات الداخل لا تزال عالقة يزيدها الزمن والعناد تعقيدا. لا حريات يجري احترامها. لا صحافة تكتب ما تريد. التظاهرات تحاصر. مراكز الدراسات واتحادات الكتاب تحجب وتماطل السلطة في منحها الموافقة على استمرار أنشطتها. مثل أي نظام "شمولي"، ما نراه من مظاهر شكلية لن يقنع أحداً أن ثمة اعتراف بالرأي الآخر، أو حرية للتجمعات، أو الخروج على الخط الرسمي للدولة.
(6)
جوهر القصة أن السودان بتنوع أعراقه وتباين ثقافاته وتعدد ألسنته، يحتاج لإكمال بناء هويته عبر تفاعل مكوناته الاجتماعية والثقافية والسياسية، وأن يهتدي إلى معادلة تحقق شراكة في إدارة أحوال البلاد التي حباها الله بثروات غنية وموارد لا حصر لها. ذلك هو طريق الحوار البناء، لا طريق عجل لترسيخ حكم لم يحقق عبر هذه الفترة الطويلة ما يمكن أن يعتد به.
أهي بيضة الانتخابات العاجلة، أم هي دجاجة الحوار، التي ستهدي السودان استقراره..؟
++++
[email protected]
الوطن القطرية- 21 أبريل 2015

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 954

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1252566 [راسه دايش و رقبته معسمة]
0.00/5 (0 صوت)

04-22-2015 11:44 PM
اصبت كثيراً فيما جئت به في مقالك هذا. بيد اني احس بان مناورتنا في عاصفة الحزم لم تكن مخرجاَ من اي نوع بل هي دخول في متاهه معقدة labyrinth او كالمحكوم فى لعبة 'سفرجت' او كركيب السرجين; ان امنت هذا ستتأذى من الآخر. و اخشى ان تكون جاكارتا مثالاً لسقطة السروج المتعددة. كنت اتمنى ان نتخذ طريق السلطنة سبيلا و ان نتخذ السانحة للرجوع الي حيث حيادنا القديم ومكانتنا السابقة و نطلِّق سياسات التهور و مزادات المواقف once and for all.


#1252526 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

04-22-2015 09:10 PM
ي عزيزي الحاصل الان لا بيضة ولا جدادة حوار الطرشان ف راي ف..... ديك واضح جدا ان حزب البشير يحب المماطلة والتسويف مجردانفصال الجنوب وضعوا الدستور علي الرف وب انتهاء الولاية المزعومة نفض الغبار عن الدستور صنم العحوة الذي حدد فترة بقاء اي رئيس مغادر وقادم لكن لشئ ف نفسهم اكلوا صنمهم ب التعديلات الاخيره ف عاصفة الحزم لن تضيف بريق للسلطة ولن تضع تاجا علي راس الملك وان تشغلنا عن تطبيق الدستور الماكول حرفيا و بحذافيرة اما مشاكلنا مع دول الجوار هي صنيعة انقاذية تمت بيدهم لجشد والتفاف الشعب حولهم فشلوا فيها واضاعوا حقوق بسبب تدبيرهم بقتل مبارك ولا ادري موقفهم كان بردة فعل مبارك ف تلك الفترة هل يستطيعون صد الغزو المصري تنوع الاعراق وتباين الثقافات كان كسبا لنا وهوموجود ف كل الدول وكان مصدر دخل واثراء لخزائن الدول التي تحترمها وتتكسب منها بل استفادت دول كثيرة من تلك التجارب ف افريقيا او امريكا الاوسطي القبائل القديمة ف مشكلتنا الاولي كل جهة وفرد يريد ان يفرض افكاره واحلامة ب القوة وبدون دراسة الواقع نحن لسنا عجينة طين يشكلوننا افراد اغبياء ساقطون ف كل شئ لا مؤهلات لهم ولا انجازات علي الارض غير تمزيق النسيج الاجتماعي والوطن
لا امل والفاتحة علي روح السودان الهرم


#1252380 [بتاع بتيخ]
3.00/5 (1 صوت)

04-22-2015 02:55 PM
صدق كان بيض ولا جداد ي النهاية بتمش الكو...


جمَال محمّد إبراهــيْم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة