04-25-2015 06:59 PM



*(الحرية: هي أن تختار قيودك كما تشاء ..).
- ميشيل فوكو-
.. يجسدّ الشاعر محمد الفيتوري، في انحيازه لموضوعه وهوسه به، ظاهرة متُفرّدة في الشعر العربي المعاصر، فمن (أغاني إفريقيا) إلى (عاشق من إفريقيا)، مروراً بـ ( أحزان إفريقيا) و(واذكريني يا إفريقيا)، تتعدد الأمكنة وتمتدّ الأزمنة، ولكن الهمّ الإفريقي يبقى واحداً يلازم الشاعر كظلّه، ولا تمنحه التجربة الشعريّة إلا مزيداً من الثبات والرسوخ.
فهي إذن ظاهرة جديرة بالدراسة والتقصيِّ في ظاهرها الشعري وباطنها الشعوري، لذلك، فإننا سنحاول ما استطعنا تحليل هذه الظاهرة بآليات المنهج الموضوعاتي الذي يجمع بين البنيوية والتحليل النفسي لنكشف مضمرات النص وغاياته.
البعد الدلالي للموضوع وتفرعاته
أ- دلالة كلمة (إفريقيا):
استأثر الموضوع الإفريقي اهتمام الشاعر، حتى كاد أن يطغى على شعره، ولعلَّ قراءة عابرة لديوانه الضخم، تمكّن القارئ من تحديد الموضوع الرئيس الذي يشكل مركز الثقل. فمن الملاحظ أن كلمة (إفريقيا) هي الأكثر وروداً في شعر الفيتوري، فهي تتكرر أكثر من خمسين مرّة، هذا إذا ما أضفنا الكلمات القريبة منها في الحقل الدلالي مثل كلمة الأسود والزنجي والسمراء، إلى جانب الضمائر العائدة عليها.
الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلاّ: (فأنا إفريقي/ وجزائر أبن بيلاّ إفريقية)، فإفريقيا في منظور الشاعر قد غدت وطنه وفردوسه المشتهى، إذ يقول: ( إفريقيا موطني والزنوج المساكين شعبي).
وها هو ذا يردد في أغنيته الخالدة: (من أجلك يا إفريقيا/ يا ذات الشمس الزنجيّة/ يا أرضَّ الأيام الحيَّة/ يا أغنيةَّ في شفتيِّ).
وهي الصوت الإلهي الذي كاد أن يتلَمَّسُه، فيقول: (صوتك هذا؟/ إنني أكادُ
أن ألمسُه / أكادُ أن أنشُق من غصونه/ رائحة الأرض وعرقُ الجباه/ صوتكِ يا إفريقيا/ صوتُ الإله).
وهي الأسطورة الكبرى التي آمن بها:(أنا لا أملكُ شيئاً غيرَ إيماني بشعبي/ وبتاريخ بلادي/ وبلادي أرضُ إفريقيا البعيدة/ هذه الأرض التي أحملُها ملءَ دمائي/ والتي أنشقُها ملءَ الهواءِ/ والتي أعبدها في كبرياءِ/ هذه الأسطورة الكبرى... بلادي).
وإفريقيا هذا التجلّي تغدو في شعر الفيتوري هي الحبيبة والأم والأرض والناس، وهي الوطن والمعتقد، وهي أيضاً الصوت واللون والرائحة والجمال، هي الأمل والألم، والمبتدأ والمنتهى، وهي بالتالي الموضوع الطاغي على شعر هذا الشاعر. يتضح جلياً، مما سبق، أن إفريقيا هي الموضوع الأثير في شعر الفيتوري، وقد صاغ من انتمائه إليها قضية إنسانيّة كبرى، إذ تولّد من هذا الموضوع المركزي مواضيع فرعية، كما الشجرة التي يتفرع من جذعها غصون وغصون، أما جذرها فثابت في الأرض ويشكل البؤرة النفسية ونواتها.
ب – ملامح الهُويّة وتداعياتها:
تأتي الموضوعات الفرعية التي تفرعت عن الموضوع/ الشجرة، في شكل ثنائيات ضدية كالأسود والأبيض، والحرية والعبودية، والوطن والغربة، والفقر والغنى، والفرح والحزن، هذه الثنائيات المتعارضة تنتج معاني متقابلة ومتباينة، ولعل ثنائية الأبيض والزنجي تتصدر هذه الأضداد لأنها تختزل تفاصيل التمييز العنصري في إفريقيا وأمريكا العنصرية، وقد ركّز الفيتوري على هذه الظاهرة، ودارت أشعاره حول قضية العبودية بسبب اللون والعرق، وأسهم في تعميق الإحساس بهذا التمييز عاملان:
أولهما: ميلاد الفيتوري ببشرة زنجية سوداء كان كافياً أن يكون عبداً للسيد الأبيض.
والعامل الثاني: الاستعمار الغاشم الذي كثّف هذا الشعور في نفسيته وحرّضه على التمرد والثورة على كل ما هو قامع ومهيمن وسائد. فإذا هو ينتفضُ طلباً للحرية والإنعتاق من نير العبودية، كقوله: (أنا زنجيِّ/ وأبي زنجيُّ الجِدَّ/ أنا أسودُ... لكني أملكُ الحرّية/ أرضي الابيضُ دنَّسَها/ فلأمضِ شهيداً/ وليمضوا مثلي شهداء أولادي/ لأن وجهيّ أسودُ/ ولأن وجهك أبيضُ/ سمَّيْتني عبداً/ ووطئت إنسانيَّتي/ فصنعت لي قيداً).
هذا التعاطف الكبير مع الزنوج. وهو منهم. يجسّد هاجسَهُ الأول، ويحوّل شعوره بالدونيّة إلى ثورة شعرية ضد كل ما هو أبيض. وحين طلبت منه لجنة البابطين نماذج من أشعاره لتخلد في المعجم الشعري الخاص، اختار أقدم قصائده مثل (أغاني إلى إفريقيا) و(إلى وجه أبيض) و(من أجل الحرّية).
وهي. كما نلحظ. تمثّل حُبّه لإفريقيا، أليس التكرار دليلاً على الهوس وعلى تجذّر الهاجس الإفريقي في نفسيته. كيف لا وقد صاغ من إفريقيا رمزاً واضحاً لخلاصه الباطني، ووسيلة يتخلّصُ من خلالها من أزمته الداخلية، ويخلع عليها صراعه النفسي المرير على حد قول محمود أمين العالم وهذا يوحي بارتباطه مع إفريقيا بعلاقة صوفيّة حلوليّة على طراز: أنا من أهوى ومن أهوى أنا (الذوبان في الموضوع). هذا التماهي صوتاً وعشقاً، هو انصهار الذات في المطلق، حيث يقول: (أحبه لأنه صوتي أنا/ صوتك يا إفريقيا/ صوت الإله).
ولعل قسمات وجهه وسواد بشرته يشكلان الإخفاق الذريع في الشعور بالنقص والحبّ معاً، ومن ملامح هذا الإخفاق مَيْلُهُ إلى الانطواء الذي يُعدُّ بداية الإصابة بعُصَاب الهجر الذي يصاحبه الانفعال والاضطراب، فضلاً عن شعوره بالدونيّة. فهو عاطفيِّ متشدّد، لكنه محروم. وكثيراً ما يحل هذا العُصَاب محلَّ قطيعة عاطفية، كما في حالة الفيتوري الذي عوض عن الحبّ غير المتكافىء. بحبَّ أكبر هو حبّ إفريقيا/ الهُويّة والانتماء الضائع، والمعادل للحبيبة الضائعة. وكثيراً ما يتحسّس الضعف في نواته النفسية، فيلجأ إلى التقنّع بالقويّ دفاعاً عن أناه عن طريق التشبّه بالآخر والتماهي به، وهي آليّة لا شعوريّة مُهمّة في تكوين الشخصيّة. فما هو ذا يَسْتحضرُ شخصية عنترة العبسي فوق صهوة الفرس/ يَصْرُخُ في الشمس فيعلو الاصفرار/ والجبال ترتجفُ رهبةً/ وتَجْمُدُ السُّحُبُ).
وعلى هامش هذا الاعتراف الشعري بالذوبان في شخصية عنترة، لأنه يشاكله في صفات كثيرة، مثل البحث عن هويته المفقودة وسواد لونه. لكن عنترة يفضله بفروسيته وشجاعته وإقدامه الذي استطاع بهما تحرير نفسه. كما كان الفيتوري يتشبّه بشخصيات مستوحاة من التراث كفارس بني هلال، وتماهى في شخصه المغنّي الأمريكي الزنجي (بول روبنسون). فإذا كان هذا المغني قد كافح ضد العنصرية، فإن الفيتوري لا يقلُّ عنه في معاداته للرجل الأبيض المعادي للإنسانيّة، وخصوصاً السود، إذ قال في قصيدة تحمل اسم المغنّي: (يا شاهدَ فجر الشعبِ الأسودِ/ يا أروعَ من غنّى للعالم/ أحزانَ العالم/ يا شاعرَ أمريكا الفقراء/ ومغنيها الزنجيَّ الضائع منا تحت تراب مبانيها).
وثمة أسماء للثوَّار والقادة أمثال نكروما ولومومبا وعبد الناصر وعرابي وابن بيلاَّ وغيرهم، فهي نماذج حيّة للبطولة الإفريقيّة التي أنقذت الوجود الإفريقي من الضياع.
لم يكن الفيتوري مُولعاً بالألوان والظلال، بل كان يهجس بالأسود والأبيض، لأنهما يمثلان بؤرة الشاعر وجواهر الصراع، إذ يتكرر الأسود أكثر من أربعين مرَّة، ما عدا كلمة الزنّجي التي تجسّد هذا اللون، والتي تكررت عشرين مرّة، إضافة إلى كلمات قريبة من اللون نفسه مثل الظلام والديجور والحالك والقائم والعبد والسراديب المعتمة، أما اللون الأبيض فيتوافر ذكره أكثر من عشرين مَرَّة إلى جانب كلمات توحي بالبياض كالثلج والصبح والسيد.
ومعنى ذلك أن معركة الأبيض والأسود ومعها مأساة الرَّق والعنصرية، قد حُسمِت لمصلحة الثاني/ الأسود، مع أن المعطيات الأولى تشي بذلك في رؤية الفيتوري، وموقفه، فالمعادلة بين اللونين رياضية: (وكان الأبيضُ نصفَ إله/ وكانَ الأبيضُ نصفَ بشر).
ويمكننا أن نستبين حال الشاعر من خلال لغته الشعرية، أنه حالم جداً إلى حدِّ تجاوز معه تراكيب (الشعب الأسود)، و(الأميرة السوداء) و(الحسناء الزنجيّة) و(البطل الأسود) و(المدينة السوداء) وحتى رؤية الطوفان الأسود الذي يجتاح العالم، ولا يتوقف حتى يرفرف خفاقاً في سماء الكون.
أما موضوع الثورة فهو وثيق الصلة بالموضوع الإفريقي الرئيسي، تجسّده الكلمات الدالّة كالنضال والدم والسجن والحرب والشهيد والفرسان والسيوف والمدافع مقابل الطغاة والاستعمار، والسوط، والجلاّد، والغزاة والباغي والبطش والقيد.
ومن الثورة تتفرع مواضيع ثانوية كالمقاومة والموت والضحايا والجنازة والمقبرة والجثة والكفن، إذ يتكئ الشاعر على الحقل الدلالي وهو يشيع شهداء الثورة في موكب فني رائع، ومنها موضوع الحقد الذي يبرزه هذا الحقل كالنقمة والنار والبركان والعاصفة والعداوة والاحتقار، وهي مفردات تهيمن، بوجه خاص، على ديوانه (أغاني إفريقيا).
وجديرة ذكره أن هذا الموضوع متبادل بين الذات الإفريقية والآخر الاستعماري وقد يرجع انحيازه الشديد للأسود إلى تأثره البالغ بذلك الإحساس العميق بالظلم الذي عاناه الإنسان الأسود على مرِّ العصور، والذي ترسب في نفس الفيتوري حتى ملأ نفسه ووجدانه، وجعله يثور من منطلق مقابلة الإساءة بمثلها والقتل بالقتل. فليس هنا مجال للصفح والغفران والأخوة بعد هذا العذاب كله، وبعد ذلك الاحتقار كله، الذي ما زالت أسواطه تجلد جسد الإنسان الأسود وتؤجج نار الحقد والضغينة والاقتصاص. ولكي نُنْصفَ الفيتوري قليلاً يمدُّ يداً بيضاء وأخرى تحمل وردة، يتمناها أن لا تنقلب شوكاً عوسجياً، ولكنه يحذّر من ذلك، فيقول: (واضممْ يديكَ بصدريَ كالسكين/ كيفَ تناسيتُ ضحاياه/ وأنا أعشابٌ لولاهُ/ أنا لولاهُ طينٌ ودخانُ/ إني أخفضُ هذا الرأسَ العالي عاراً/ يا إخواني/ إني احملُ كلَّ خطيئة عصري/ يا إخواني!/ كنت أراهم يمشونَ مارون إلى الموت/ يحتضرون لدى كل مسابح/ يجرون جموعاً خلف الريح/ وأنا أغمضُ عيني/ أكسرُ سيفي... أطرق/ لو كان يطهِّرني الغفران لبكيت).
وإذا كان الفيتوري رساماً بالكلمات، فإنه يختلف عن الشعراء جميعاً باكتفائه بلونين دون سائر الألوان، هما الأسود والأبيض كأنهما ورقة هذا الشاعر وقلمه.
وعلى الرغم من مأساته، فإنه يبقى شاعراً إنسانيّاً، يشيّد مع رفاقه في المحنة والمصير صرحَ المحبة والسلام، ويزرع الحقول وروداً وزنابق، جاعلاً من القارة السمراء موضوعاً يرى من خلاله أزمته الحادة وتداعياتها، وناسجاً من كلماته لغة تفيض بالإحساس الشفيف والوجدان الصافي.
[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1647

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1254526 [كوكاب]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2015 10:54 AM
كيف لشاعر يثور لنفسه ولشعبه يوصف بالدونية؟ كيف لشاعر يحب وطنه وقارته حد الوله ومتمسك بهويته تصفه بما لا يليق. هل اذا تنازل الشاعر عن هويته الافريقية وكتب كل اشعاره في العرب والعروبة هل كنت ستصفه بهذه الاوصاف؟ الفيتوري اكبر مما كتبت وانت غير مؤهل للكتابة عنه وانا متأكد لو في شخص قال لك يا افريقي لغضبت وثرت لأنك مسخ مشوه


#1254302 [جمال حنين]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2015 07:03 AM
شاعر افريقيا رحل في صمت، له الرحمة والمغفرة وعاشت افريقيا حرة


#1254270 [Mohamed Jawrah]
5.00/5 (1 صوت)

04-26-2015 04:29 AM
شكراً أخى يعقوب على هذا الشذب فى حق ياقوت الشعر، لقد أحسنت عزاءنا - سود السودان - فيه . كل إحترامى و تقديرى لك


الدكتور نائِل اليعقوبابي
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة