12-03-2015 12:02 AM


يا شموسا فى دروب الليل أشعلت النهارا
نحن شلناك وساما و كتبناك شعارا
نحن صرنا بك يا مايو كبارا
و اتخذناك حبيبا و صديقا و ديارا
هكذا غرد الشاعر الإنسان محجوب محمد شريف” فى العام 1996 متغزلا فى ثورة مايو التى بدأ زعيمها حياته السياسية يساريا اشتراكيا و انتهى درويشا يبحث عن الراحة فى باحات المتصوفة فى بلادى السودان بعد تجربة تطبيق شائهة لشرع الله الحنيف . تلقف وردى ذاك النص الجميل و نفث فيه من روحه الخلاقة لحنا عبقريا تدفق عبر شلالات صوته العظيم ليتحول الى نشيد خالد فى طيات الزمن رغم رحيل فنانه وردى و شاعره محجوب و ملهمه جعفر نميرى !!
استمعت الى الكثير من الأناشيد الوطنية من شتى بلدان العالم و لاحظت أن معظم هذه الأناشيد يعتمد على الآلات النحاسية و يتخذ الشكل الهتافى كما المارشات العسكرية . لكن الأغنية الوطنية عند " وردى " أتخذت مسارا مختلفا . لقد صاغ الفرعون ألحانه الوطنية بنفس العذوبة و الرومانسية التى صاغ بها أغنياته العاطفية الجياشة الحنين . تستمتع إليه صادحا :
فلتكن عالية خفاقة راية أكتوبر فينا
و لتعش ذكراه فى أعماقنا حبا ووجدا و حنينا
فتلفك عذوبة اللحن و يتسرب الصوت العظيم بين حنايا روحك فاذا أنت أسير حالة أشبه بالوجد الصوفى .
نشأت فى فترة مايو ، عشت أحلامها و دفعت ثمن انكساراتها . و أنا تلميذ فى المرحلة الابتدائية شهدت النميرى يمتطى حصانه فتيا كفارس قادم من القرون الوسطى ، ثم عاصرت وحشيته و هو يغتال خصومه و يقتاد المفكر الانسان محمود محمد طه الى الحكم . لكن ما ظل يحضر ذاك الشجن النبيل الى ذاكرتى عن ذاك العهد هى أغنيات وردى التى أطلقها فى الفترة المايوية سيما " فى حكاياتنا مايو " .
فى خليج سان فرانسسكو تقع جزيرة الكاتزار الشهيرة بإسم الصخرة . هناك شيدت الادارة الامريكية سجنا تحول فيما بعد الى اسطورة كم أشعلت أخيلة الناس حتى صنعت عنه أفلام فى هوليوود . ظل السجن يستقبل عتاة المجرمين و لم ينجح سجين واحد فى الهرب منه . ثم حولته أمريكا لاحقا الى مزار سياحى يستمع زواره الى خطب رموز الحرية و النضال فى العالم . تطأ خطاط المكان فتستمع الى حديث ثائر لمالكوم اكس أو خطبة مجلجلة لمارتن لوثر كنج أو همسا عميقا هادئا للمهاتما غاندى أو نداءا إعصارا لجيفارا و قد تتخلل ذلك اغنية للعظيم بوب مارلى. لكنك لن تبارح المكان قبل أن يصافح أذنيك صوت عربى فتى هو صوت الشاعر السودانى العظيم محجوب شريف مع ترجمات لقصائده الثائرة .هكذا حجز محجوب لنفسه مكانا بين هؤلاء الكبار بفعل قصائده الكبار و مواقفه الصادحة.
الكتاب و الشعراء و الفنانون هو وقود كل تغيير . أعطنى ثورة واحدة لم يكن ثمة فنان او شاعر او كاتب ينطق باسمها . و الشعراء و الفنانون هم أبناء أوطانهم البررة . الانجليز قالوا إنه يمكنهم التنازل عن مستعمراتهم لكن لن يفرطوا فى كتابات شكسبير و الفرنسيون يفخرون بفكتور هوجو أكثر من فخرهم بقوس النصر و برج ايفل أما الألمان فقالوا عن موتسارت إنه هدية السماء إليهم .
فى العام 78 اختارت لجنة جائرة الشاعر الشيلى نيرودا الفنان العظيم محمد وردى مانحة اياه جائزة عالمية كبرى . و المعروف ان اللجنة تختار مبدعا واحدا على نطاق الكون كل عام ، مبدع ملتزم بقضايا بلاده و عالمه . الآخرون سيرفعون لك القبعة حين يشهدون عظمتك تجاه قومك و تراب بلادك .
وردى قدم ما يربو على 46 عملا غنائيا وطنيا طوال عمره و لو أتيح للرجل أن يعيش مستقرا لقدم أضعاف هذا الرقم لكنه ظل يدفع ثمن مواقفه نفيا و سفرا مرة فى السعودية و مرة فى اثيوبيا و مرة فى الولايات المتحدة الامريكية و مرة فى بريطانيا .
ما دفعنى لاجترار هذه الشذرات المتفرقات هو ملاحظتى أنه لم يعد أحد يغنى للسودان على الاطلاق . لم يقدم اى فنان شاب اى عمل وطنى سواء أكان عاما يتحدث عن تأريخ بلادى و بطولاتها و أمجادها كما فعل وردى فى " أنشودة الاستقلال " ، أو عملا خاصا يرتبط بمناسبة سياسية محددة ما كما فعل وردى نفسه فى رائعة " فى حكايات مايو " أو فى " أبريلياته " الذائعة الصيت .
كيف يقدم فنان واحد قرابة الخمسين عملا وطنيا ثم تعجز أجيال متعاقبة عن خربشة لحن واحد على جدران الوطن العظيم ؟ هل نضبت ينابيع الوطنية فى شرايين الفنانين ؟ أم أن سياف المدينة صار يخيف الكل فابتعد الطفابيع عن ساحات الوطنية و اكتفوا بالنعيق ليلا فى سوح الزيجات مرددين " حرامى القلوب " و " عصير القصب " و غيرهما من الغثاء الذى بدأ النسيان فى ابتلاعه فعلا !!!
تراثيات الكابلى شكلت جزءا اصيلا من ذاكرتى . أغنياته الشعبية عن الكرم و الشجاعة و حب التراب غرست فى دمى شتلة ود تربطنى بهذا التراب الأسمر ما بقي فى العروق دم يهدر !!
فى الثانوية استمعت اليه لأول مرة صادحا بضنين الوعد ثم صرت أتقلب بين نعماء نصوصه الفصحى و العامية مرددا معه :
متين يا على تكبر تشيل حملى
اياك على الخلاك ابو دخرى
للجار و العشير الكان ابوك بدى
للغنى و الفقير الكان ابوك حامى
بنات اليوم اللواتى يصر جلهن على الهرب من بلادى و لو بواسطة الهرب من اللون الاسمر الجميل الذى ظل يميز نساءها . هؤلاء البنات يبحثن عمن يمد جسور الود بينهن و بين هذه البلاد العظيمة . الاجيال التى تتزوج على ايقاع الزفة المصرية هى ضحية لإخفاقات الساسة و فشل مشاريعها و هى ضحية لصمت الفنانين و الشعراء و المبدعين عن التغنى لتاريخ و تراث و جمال و عظمة هذا البلد العملاق !!
هذا الشباب التائه الذى لا يعرف شيئا عن محمد أحمد المهدى و لا عبدالرحمن النجومى ، هذا الجيل الذى لم يستمع الى خليل فرح و لم يتذوق روائع أبى صلاح و لم يطرب لعلى الملك قارئا شيئا من مؤلفات عبدالله الطيب ، هذا الجيل الذى لم يتمايل طربا مع رومانسيات عثمان حسين و بازرعة . هذا الجيل الذى لا يرى أبعد ما أصابع قدميه و لا يعرف سوى هرطقات نانسى عجرم و تامر حسنى هو جيل يحتاج الى فنان جاد يخرج من صلب هذه الأرض يستطيع أن يزيل الغبار عن الوجدان الغريب و يرجع الخطى التائهة الى مقرن النيلين .
الغناء للوطن هو أشرف أنواع الغناء !!
و التغزل به و فيه أجمل من التغزل فى كل نساء الأرض !!
فيا مبدعى بلادى .....غنوا لبلادكم يرحمكم الله !!
.......
مهدى يوسف ابراهيم
جدة



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1668

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1381617 [مهدى يوسف ابراهيم عيسى]
0.00/5 (0 صوت)

12-07-2015 07:59 PM
عفوا ..الصحيح العام 1969 ..و ليس 1996 ..اعتذر عن الخطأ غير المقصود


#1381615 [مهدى يوسف ابراهيم عيسى]
0.00/5 (0 صوت)

12-07-2015 07:57 PM
أشكرك كثيرا على كلماتك الحلوات أخى ليدو . تحياتى و حفظ الله بلادنا من كل شر


#1380354 [ليدو]
0.00/5 (0 صوت)

12-05-2015 10:50 AM
الغناء للوطن هو أشرف أنواع الغناء !!
و التغزل به و فيه أجمل من التغزل فى كل نساء الأرض !!
مقال رصين ومليان وأكثر من رائع ..
لك مليون تحية أستاذ مهدي


مهدى يوسف ابراهيم
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة