12-03-2015 12:40 AM



"4"
فى المبحث السابق :
إن إرتفاع نسبة التعليم فى السودان وإزدياد وعى المواطنين من خلال موجات الإغتراب الرأسية التى إجتاحت السودان منذ مطالع السبعينات حتى أصبحت ظاهرة إجتماعية إقتصادية بارزة كذلك الهجرة الأفقية من الأرياف السودانية نحو العاصمة والمدن الكبيرة , ساعد ذلك فى بروز تساؤلات كثيرة جميعها تدور و بشكل طوباوى حول مسألة الهوية الجمعية فى السودان كسؤال ملح فرضته ليالى الغربة والإحتكاك بمواطنين سودانيين لكن من قبائل ومناطق أخرى فى الداخل والخارج مما خلق نوع من الإلفة والدفء لم يكن يألفهما المواطن السودانى من قبل .
العقد الإجتماعى المعنى اللغوى والإصطلاحى :
مفهوم العقد والحالة الفطرية :
لعله من نافلة القول أن نشير إلى مفهومى العقد والحالة الفطرية
اللذان لعبا دورا كبيرا فى تطور الفكر السياسى الغربى الخاص
بالدراسات الأنثروبلوجية
" " الإنسانية " وكلاهما إحتل حيزا جوهريا فى صلب النظرية السياسية الغربية منذ القرون الوسطى وإلى عصرنا الحديث هذا عصر العولمة أو عصر - الغنائم العابرة للقارات - . ورغم أن بعض الآراء قد ذهبت إلى أن هذه المفاهيم لم تعد ذات أهمية فى الفكر السياسى الغربى فى ثوبه الجديد
المعاصر , وهو كذلك لأن الغرب تجاوزنا بمئات السنين ولذا تضحى مسألة العقد الإجتماعى وعلاقة المواطن بالدولة لديه ليست ذات أهمية فى عصر الغنائم العابرة وعلينا أن نسلم نحن بالفلسفة الغربية على علاتها . لكن ثمة سؤال يفرض نفسه علينا وهو الخاص بتاريخ تلك المفاهيم جذورها والظروف التى أدت إلى تبنيها وانتشارها كنظريات ذائعة الصيت دون حتى تأملها وهى تتضرع فى فلسفات الدولة العربية والأفريقية والتى كثيرا ما تتسم بالمعقولية فى الإجابة أو كسر الكثير من حواجز الإستفهامات وتجيب على تساؤلات أساسية تتصل بطبيعة التجمعات الإنسانية وظهور المجتمعات المدنية وهى فلسفات جاءت من رحم البربريانز والآر إل بى وهى جينات وراثية معروفة بتكاثر الشر فى كرزوموماتها . أما العقد الإجتماعى والحالة الفطرية , وهى الحالة الذهنية الأولى للإنسان فى أوروبا الغربية وكانت هى الأفضل بالتأكيد وما هى فى الفكر الغربى إلا تغييب لوعى الشعوب لقد قامت – قبل التاريخ وحتى قبل الكشوف الجغرافية والإستعمار الإستيطانى لأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط , حروب طاحنة بين الدول الغربية فيما بينها ومن ثم جاءت التكتلات السياسية والإقتصادية والتحالفات العسكرية التى قادت حروبا طاحنة فى أوروبا الغربية والشرقية ايضا , وكانت أن أسقطت أو بالأحرى أجهضت تلك الحالة الفطرية الأولى للذهنية الإنسانية للأجناس السامية وحلت محلها الأعراق الهجينة بسبب الحروب الطاحنة ويكفى أن حرب الوردتين إستمرت لأكثر من مائة عام وهى بين أسرتين الأولى إنجليزية والثانية فرنسية , بعدها تم تمرير كل تلك المفاهيم بغضها وغضيضها , ولذا نرفض بما يسمى الحالة الفطرية التى قادت إلى مفهوم العقد الإجتماعى فى الفلسفة الغربية والغريب فى الأمر أن بعض الياحثين والكتاب فى السودان قرنوا الحالة الفطرية التى جاءت فى الفلسفة الغربية بجاهلية ما قبل الإسلام مع الفارق الكبير للبعدين الواقعى والزمانى لكليهما فالحالة الفطرية فى الفلسفة الغربية تختلف تماما عن جاهلية ما قبل الإسلام جوهرا ومسلكا . وإذا قارنا ذلك بما يجرى عندنا الآن من أمر الفلسفات التى تتناول مسألة العقد الإجتماعى وتأسيس علاقة واضحة ما بين المواطن والدولة , نجد الفرق شاسع فالإنسان السودانى هو بكامل وعيه ولايمكن أن يسمح لأمر ما أن يمر من خلاله هو كمواطن فرد أو من خلال ممثليه داخل المؤسسات إلا بما يتناسب معه وما يدخل فى وعيه يعنى الحالة الفطرية لديه مكتملة النمو ومتزنة , يعنى الآن لا يمكن إسقاط عقل المواطن السودانى وإلا وقعت الواقعة ولذا الكثيرون عانوا ولازلنا نعانى من إسقاط صيغ ملائمة تتناسب مع هذا الوعى الفطرى والهام فى صياغة علاقة قوية وذات فعالية عالية التقانة بين الدولة والمواطن .
مفهوم العقد الإجتماعى :
ليس من السهولة إعطاء معنى جامع مانع لمفهوم نظري كالعقد الاجتماعي
لكن يبدو من الممكن و نظرا للضرورة المعرفية أن نعطي معنى أساسى للظاهرة أي ما يخص جانب المعنى اللغوي و المدلول الكلامي و تعريفها و تلخيصها على النحو التالى : ( الرغبة المجتمعية في الاتفاق على شيء معين أو أشياء معينة ينتج عنها و بالضرورة الرضى كنتيجة للاتفاق الصائر إليه طوعا بين العناصر المتعاقدة أو بين الأطراف الراغبة في التعاقد .ليس من السهولة إعطاء معنى جامع مانع لمفهوم نظري كالعقد الاجتماعي ،
و لعل العقد الاجتماعي كمصطلح فلسفي متجذر في الفكر الإنساني قديم في تموجدات الفعل البشري المتنوع ، و إن لم يكن متبلورا بموضعية متخصصة أو مخصوصة ، فنلحظه قائم بآثاره في الفكر الفلسفي القديم أي حوالي 400 سنة قبل الميلاد ، و يُعتقد أن سقراط و في فلسفة الحق و الخير و الجمال قد نحى إلى عقد اجتماعي كي يتحقق الجمال و الخير و الحق ، و كذلك أن النتوءات المبزوغة في جمهورية أفلاطون الفاضلة ربما حملت البذور الأولى للعقد الاجتماعي ، كما أن له دلالات في مربع أرسطو في التقابل و التضاد بين المفاهيم و الكليات كنتيجة متفاعلة للأضلاع المربعة الأربعة ) .المصدر : توماس هوبز , مبادىء القانون الطبيعي السياسى 1640 .
العقد الإجتماعى :
عند الإشارة إلى نظرية العقد الإجتماعى " العلاقة بين المواطن والدولة " فى مختلف أشكالها الفلسفية الغربية أم الشرقية , يجب أن نعلم أنها تؤمى بشكل مباشر إلى العلاقة المدنية بين الدولة ومواطنها فى المقام الأول .. و ما هى إلا محاولة ربما تنجح هنا وتترنح هناك , إلا أنها تحاول الإجابة على سؤال فلسفى واحد وهام وهو كيفية ظهور المجتمع المدنى ؟ أى كيف ظهر المجتمع المنظم سياسيا ؟ . لأن اوروبا الغربية والشرقية كما أشرت من خلال تاريخهما الدموى الطويل لم تعرفا للمدنية والتنظيم السياسى محلا . فالعقد الإجتماعى ببساطة هو فلسفة تعبر عن تراضى طرفين للقيام بعمل ما من خلال شروط تتخللها حقوق وواجبات . ممكن أن ينسجم ذلك فى مجالات التجارة والبيع والشراء , إلا أنه تم سحب ذلك المفهوم إلى العلاقة التى تربط المواطن بالدولة على الرغم من أننا نعلم أن العلاقة المسماة حاليا بالإنسانية جاءت بعد حروب طاحنة ما بين الطبقات المسحوقة فى أوروبا الغربية مما قاد العالم إلى أكبر ثورة فى العالم وهى الثورة الفرنسية بعد عهود طويلة من الرق والعبودية والسخرة والإقطاع , إذن لم يكن هناك تراضى ما بين الشعب الفرنسى البائس وحكومات الدوقات والكونتيسات الفرنسية النهمة والشرية . ولم نقراء عن التنازلات السياسية وعودة الحياة إلى وجوه الشغيلة الفرنسية المعروقة , إلا بعد شنق مارى أنطوانيت وإنهيار سجن الباستيل . حتى التنظيمات الدولية مثل عصبة الأمم قامت على أساس التحالفات العسكرية وكذلك الأمم المتحدة التى قامت على مبدأ الأمن الجماعى الدولى بديلا لأمن التحالفات العسكرية فى المنظمة الدولية الأولى لم تأخذ رضاء المجتمع الدولى عند تكوينها لهاتين المنظمتين الدوليتين .,ايضا أن كثيرا من الدول التى بنت فلسفتها على العقد الإجتماعى , لاتلتزم مطلقا للمواطن بشكل كلى إذ تحصر مهمة الدولة فى حفظ الأمن والسلام , وفى هذا فصل فصلا تاما لمجال الدولة عن مجال المجتمع المدنى . حيث يترك الأفراد يباشرون نشاطاتهم الإقتصادية على وجه الخصوص بحرية تامة دون تدخل من قبل الدولة ( وكمثال الولايات المتحدة الأمريكية ) . وهذه ( الثنائية نجدها عند هيجل , وفيه يميز بين الخصوصية أى مجال المجتمع المدنى الذى تسوده الأنانية , وبين مجال الدولة الذى تسوده الغيرية , وكما هو معروف فإن الدولة وفق التصور الهيجلى هى تحقيق فكرة الحرية " “ The actualization of
Freedom"
إلا أن ماركس وفى ذات السياق إنتقد هيجل وإعتبر تصور هيجل ما هو سوى تبرير نظرى للدولة البروسية .. وعلى ذلك قام ماركس بتعريف لماهية الدولة . حيث قال ماركس أن الدولة ما هى إلا جهاز قمعى طبقى . ) المصدر : د/ عقيد م. محجوب برير محمد نور , العقد والبيعة الحداثة والعلمانية فى الإرثين ص 63 . . وإذا كان ماركس أو هيجل , فيما ذهبا إليه فهما ينطلقان من فكر مبنى على القمع والدموية , ولذا فإن مفردة كالحرية والأمن والسلام تعتبر براقة حينها وأخاذة إلا أن هذا التصور لكليهما فقد الكثير من مصداقيته بعد عصرنة وقولبة الكثير من القيم السياسية والإجتماعية , وبعد أن إقتلعت العواصف السياسية فى أوروبا الشرقية جزور الماركسية والفابية والبلشفية , حيث حل محل التفكير فى الحرية والأمن والسلام , ذهنية السوق المفتوح والإنفتاح نحو العالم , وفيما أعتقد أن تلك الشعوب تنفست الصعداء , رغم ما تعانيه الآن بعد تلاقى الغرب مع الشرق فى السوق العالمية المفتوحة .
الجزور الإسلامية لمفهوم العقد الإجتماعى :
الشاهد فى التاريخ أن سبأ بن عبد شمس بن يعرب أول من أسس سلطة سياسية بين عرب جنوب الجزيرة ممن عرفوا بالقحطانيين , ولكنه لم يؤسسها عن تراض من المواطنين عرب تلك الأنحاء حينها أو تعاقد معهم وإنما صارت له السلطة والريادة عن طريق الغزو والإغارة والقتل . وسمى بسبأ لإكثاره من سبى النساء والذرارى , فكان أول ملوك العرب وأصبح الملك وراثة على عقبه . وأيضا كان قصى بن كلاب أول من أصاب ملكا بين عرب الشمال " العدنانيين " وأسسه أيضا عن طريق العنف والسبى وتجميع الصائب وتوزيع الغنائم على جنده وأتباعه , ثم جعل الملك فى أبنائه من قريش يتوارثونه حتى أدركهم الإسلام . السابق ص 65 .
الملك والمدرسة المحمدية :
حقيقة لامراء فيها أن الإسلام أعاد مفهوم التعاقد مرة أخرى بين عرب الجزيرة متجاوزا به التجارة والتزاوج ليجعله أساس المشروعية السياسية , ولا جدال أن نبى الإسلام " ص " كان أول من رفض نظام الموروث حيث رفض أن يتوج ملكا على قريش , حيث مثل رفضه ذاك نقطة تحول كبرى فى كثير من القيم والمفاهيم وأحدث تبدلا رفيعا برفضه تقاليد التوارث السياسى . حيث عبر رفضه عن عدة أمور لها دلالات كبيرة : منها محاولته التأكيد عمليا على أن ما يصبو إليه لهو أكبر من طموح شخصى عارض , إذ كان يريد أن يختط طريقا جديدا , لالتسير فيه العرب وحدها بل الإنسانية جمعاء . " بما يحمل التأكيد على أنه لايستند على أصله الهاشمى الرفيع بين قبائل العرب , بل رسالة جديدة , أى منظومة قيم جديدة ورؤى جديدة لتنظيم الحياة الدنيا , سبيلا لحياة أخرى هى دار القرار والخلود " . المصدر السابق : ص 28
وتأسيسا على ما جاء عاليه فقد كان النبى " ص " أول من أدخل مفهوم التعاقد بين القيادة والقاعدة كإجراء تؤسس عليه السلطة السياسية وتنتقل عبره السلطة من إمام إلى إمام . والشواهد على ذلك كثيرة منها :
- بيعة العقبة الأولى والثانية
- بيعة الشجرة
حيث كان صوت جبريل يصلصل متنزلا بالقرآن :
( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) صدق الله العظيم , سورة الفتح الآية 10 .
فى القادم : هل الإنتخابات العامة يمكن أن تؤسس لعقد إجتماعى ?

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1674

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.فائز إبراهيم سوميت
د.فائز إبراهيم سوميت

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة