المسيح النوبي
05-11-2015 02:22 PM


أول نوبي وأول مسيحي سوداني آمن بالمسيحية، كان خصيا، يتبع للملكة الكنداكة بحسب ما يروي الأب الدكتور القمص فيلوثاوس فرج، في تقديمه لكتاب "إعادة اكتشاف تاريخ النوبة القديم" لمؤلفه الدكتور جيوفاني فانتيني، والصادر ترجمة عن كلية كمبوني للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم 2013، ويمضي فيلوثاوس ليوضح لنا أن هذا النوبي المذكور في الإصحاح الثامن من سفر أعمال الرسل، ذهب إلى أورشليم وهناك التقى بالمبشر فيلبس الذي تحدث معه عن الإيمان المسيحي، وكان السوداني يقرأ في الكتاب المقدس سفر أشعياء تأكيدا "بأن المواطن السوداني مريض بحب القراءة منذ أيام سحيقة"... هنا نتوقف عن محاولة الأب فرج أن يعيدنا إلى عام 37 ميلادية، لينسج لنا أن فكرة أو علاقة الإنسان السوداني بالقراءة جاءت منذ تلك الفترة، رغم أن الأمر برمته محل نظر، فحتى فكرة القراءة التي نتحدث عنها قد تكون غير صحيحة وجزء من الأساطير الذاتية التي تحاول أن تعطى معنى للأنا.
الأمر الثاني، هذا الوزير المذكور عاد إلى بلاده ولم يفعل شيئا يذكر.. وبرر فيلوثاوس ذلك بقوله: "لكن يبدو أن الوزير لم يبذل مجهودا في نشر المسيحية بعد عودته إلى بلاده.. وربما ابتلعته مشاغل كرسي الوزارة، وزارة المالية، وربما بدأ المسيحية في وسط أسرته في مروي".
وهنا كأنما يريد أن يشير الأب فرج إلى قضية ما زالت قائمة إلى اليوم لو أننا استخدمنا منهجه في التقريب بين الماضي السحيق واليوم.. فالذي أنفق عليهم تعليما أو اكتسابا لخبرات جديدة من الأفندية الذين أخذوا إلى بلاد الغرب وإلى أكسفورد وغيرها ومنذ فترة الاستعمار، عادوا ولم يساهموا في تشكيل الحياة السودانية بل انشغلوا إما بالشأن الشخصي البحت ومحيط الأسرة، أو أنهم على أفضل حال اغلقوا أنفسهم في الدولاب الأكاديمي وتحولوا إلى كائنات اجترارية لم تقدم ولم تنفع الناس بشيء، وربما الوزارة.. تحديدا وزارة المالية كما قال الأب، في إشارة إلى الانشغال بالمال..
وهذا موضوع جدلي عميق لا يحتويه مقال، تم تلخيصه بعناوين كبيرة مثل فشل النخبة السودانية والفشل المتكرر والإدمان على الغرائز الذاتية وغيرها من الإشارات التي تكشف ببساطة أن هذه الآفة قائمة بغض النظر عن علاقتها بالوقائع القديمة جدا والتي ليست بالضرورة حقائق، مع النظر إلى أن الأب كان يبحث عن تبرير يعالج به الإشكال الذي وقع فيه ذلك الوزير الخصي.
وما يتوقف عنده المرء في المعالجات الواقعية للتاريخ وقضايا كثيرة في هذا الإطار أنها أحيانا تخلط بين الواقع الراهن والماضي القديم، وتمزج الأسطورة بالتخيل بالوقائع للدرجة التي يختلط فيها الأمر على الكاتب نفسه وعلى المتلقي، خاصة أن مثل هذه النصوص يفترض أنها مقالية بمعنى أنها ذات رسالة ووضع مضموني محدد، وليست خيالا إنشائيا. ولعل مراجعة التراث المسيحي في حد ذاته مهمة جدا خاصة أن المسيحية ظلت لأكثر من ألف سنة هي ديانة السودانيين وهذا أمر ينبغي أن يوضع في الاعتبار فالكنائس عمرت البلاد شمالا وفي دارفور وغيرها من مناطق السودان وسطا، وهذا أمر يستحق لأنه يتعلق بكيمياء أو مزاج بعضه قائم لكننا لم نعمل على استلهامه بالمعنى الكافي لكن المراجعات تتطلب ليس حذرا إنما عقلانية وتعامل منطقي وموضوعي والأخذ بعناصر القوة التي تلهم في صياغة المستقبل.
وإذا كان الدكتور جيوفاني فانتيني قد قام بجهد عظيم كان مجردا فيه، سواء في هذا الكتاب أو قبله كتاب "المسيحية في المالك النوبية القديمة والسودان الحديث" والذي صدر لأول مرة في عام 1978 بجهد خاص من مؤلفه فقد كان في ذلك إشارة جلية التفت إليها الأب فرج ونوه بها وياليت نتعلم منها، وهي أن "الراهب الوقور فانتيني" هو من أوائل من طبعوا كتبهم في السودان وكان بشهادة فرج: "كان قادرا من خلال مؤسساته الدينية – في إيطاليا وغيرها - أن يطبعه في موقع آخر أكثر تطورا، لقد طبعه في مطبعة التمدن – بوسط الخرطوم-". في تلك السنة المذكورة، يقول الأب فيلوثاوس: "كنت أحيانا ألقاه وهو مشغول بمراجعة مسودات الكتاب في صبر وطول أناة".
وهذه إشارة إلى أن الرجل أراد للعلم أن يخرج من موقعه الصحيح وأن يستفيد منه أهله في المقام الأول، لكن للأسف فإن هذا الكتاب الأول، وهو عمل جليل وكبير يستحق التوقير، لم يأخذ الانتباه الكافي في حيز الدراسات السودانية بأن يدخل مثلا في صلب المناهج المدرسية، وربما كان من الأسباب أن المد الإسلاموي عمل في المقابل على تهميش المسيحية خاصة في ظل الصراع على فصل الجنوب وهوس الشرعية الدينية، ولكن ما ينبغي النظر إليه الآن وبشدة أن هذه الدراسات استراتيجية وملهمة بتقديري ربما أعمق من فترات ما بعد الفونج، وأبسط شيء أن تنقل القارئ في الرسومات واللوحات الفنية التي زينت بها الكنائس النوبية القديمة يكشف ذلك عن مخيال عظيم، ولا يهم الأمر أن يخرج قائل ليعلن أن هذه الرسومات لم يقم عليها سودانيون. فالعبرة أن المناخ العام كان امتدادا للنهضة الأوروبية والمجازات العظيمة التي تراكمت عبر التاريخ الإنساني جراء هذه النهضة، فالرسم والنحت وهذه الفنون الملهمة مورست في تلك الحقب المبكرة، والآن بعد كل هذه القرون يتضعضع الوضع الفني لنعود إلى الوراء، لأن القطيعة حصلت ما بين الفترات المبكرة والراهن بسبب جملة القرون التي مررنا بها من تراجع التمدن والتحضر والانزواء في القاع لتمر حقبة من ثلاثة إلى أربعة عقود قاسية على الأمة السودانية، لم تتحرر من أثقالها بعد إلى اليوم.
ثمة حاجة اليوم إذن اكثر من أي وقت مضي إلى العمل الجاد لأجل إعادة اكتشاف التاريخ بشكل جديد، وليس بالطريقة التي تقوم بأخذ الأشياء على علاتها أو تلك التي تظن أن الحلول الساحرة قائمة هناك في ذلك الماضي. ليس في الماضي أي حلول، بقدر ما يقدم صورا وأشكالا ورؤى يمكن أن تساعد على الرؤية والاكتشاف. وقد أطلق الدكتور جيوفاني فانتيني تعبير على عنوان كتابه الأخير: "إعادة اكتشاف تاريخ النوبة القديم".. وكان هذا الاسم نفسه قد خضع للمراجعة من قبل المؤلف ففي الطبعة الأولى الإيطالية سنة 1981 لم يشر إلى مسألة الاكتشاف.. فقد كان العنوان مباشرة: "المسيحية في السودان"، ومن ثم جاءت الطبعة الثانية في 2009 فجاء العنوان الحديث، لينبته المؤلف بحصافة إلى أهمية بل قيمة "إعادة الاكتشاف".. إنها رسالة لا تعنيه هو، بل تعني شعوب السودان. وتعني الأمل المنتظر في أن نرى مواضعات تاريخنا بشكل أكثر إنسانوية يحرره من الأضغاث والأوهام ليكون تاريخا عظيما بحق، من خلال نثره بطريقة جديدة وفاعلة في حراك اللحظة لا التدوير الذي لا يخدم بأي حال في أي فكرة ذات جدوى.
إشارة: ورد أن الأرجح أنه لم يكن "خصيا" حقيقية بل كان ذلك مركزا ، إذ إن الكلمة قد تدل على مَنْ يشغل أحد المراكز الرفيعة في بلاط الملكة، وإذ لو كان "خصيًا" لما جاز له أن يسجد في الهيكل في أورشليم ..
[email protected]

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2136

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1264664 [عادل سراج]
0.00/5 (0 صوت)

05-12-2015 04:04 PM
ياجماعة دارفور ضمت للسودان بالخريطة المعروفة عام 1915

بالتالي كانت تنتمي للسودان الفرنسي الذي يجمع كل من تشاد وافريقيا الوسطى

امابالنسبة للممالك النوبية فقد امتدت لجبال انقسنا

ومالذي يمنع وجود المسيحية سابقا بدارفور وقد كانت تتببع في وقت ما اداريا لملوك النوبة

هذا مايقوله التاريخ

بالنسبة للمعترضين
فسأقولك لك معلومة
بان الكتب السماوية مهمة لاثبات التاريخ

وان كنت عربيا فسترجع للكتب السماوية التي تحكي زواج سيدنا سليمان من سبأ النوبية
وماحدث بعدها من تهدم لسد مأرب
فانتشر بعدها العرب في جزيرة العرب بحثا عن
الكلأ والماء

والعرب انفسهم عاشو الوثنية واليهودية والمسيحية قبل الاسلام

بل ان الصحابي صهيب الرومي
تحول من المجوسية لليهودية ثم للمسيحية
فالاسلام وانتقل من بلد لآخر من ايران لبلاد الروم للمدينة ويسمى الباحث عن الحقيقة

فاحفظ نفسك ولاترمي الناس بالهرطقة
وانت لم تبحث او تقرأ

والعرب انفسهم يعلمون انهم اخر من يكتب التاريخ
فهم اخر من كتب وتحضر

شكرا للكاتب ونرجو المزيد
فلا عزاء لمن كتب في التاريخ جاهلا
فنحن تأتي لموقع الراكوبة لنستفيد
لا لنسيئ للمجتهدين.


#1264224 [الدنقلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

05-12-2015 12:53 AM
يا عزيزي الكاتب ... هنا لا تصح الكتابة، ها هنا هرجلة مطبقة ورتابة ... هنا الليق السياسي السوداني "غبارو رابط" ولو لا خوفنا أن تختفي كتابات مثل كتابتك وقلة آخرين من الراكوبة لقلنا لك أرحل بكتابتك إلى حيث ينقدها الناس لا يشتمونها ... المهم ... يهمنا أن تواصل الكتابة


#1264188 [محمد الفاتح]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 09:48 PM
روح بلاش هرطقات وخرابيط معاك


#1264107 [غناوي شليل]
5.00/5 (1 صوت)

05-11-2015 05:29 PM
استهلني و استهبلني عنوان المقال، و أظن إنو الكاتب قصد الإثارة، لأنو عارف الناس كلها منتظرة المسيح. و المسيح يعني يقين ما، بدرجة معقولة من الثبات، في زمن الفوضى.

ثم الخصي و ما أدراك... استثارني مرة تانية لأدلف إلي متن التشويق.
في رأيي أن الكاتب (بلقى نفسو) أحيانا مضطرا لتحنيس الواقع و التجنس به، و ذلك باستخدام تلك العناوين الجذابة، و التصاوير المثيرة لمجرد لفت نظر القراء.

و في متن المقال، ما فهمته، أن التاريخ يحتاج إلي إعادة النظر فيه.
و الحقيقة إنو الكثير مما حولنا و من حولنا، ينبغي إعادة تقييمه، أو بمعنى أصح، تقويمه، و ذلك لسببين:

ألأول أن الآن زمن فوضى، و فتن.
و الثاني أن الزمن نفسه تسارع و تصاغر لدرجة توحد المكان لأول مرة في التاريخ الإنساني، و ينبغي بالتالي التوائم و التلاؤم معه، حسب نظرية التطور، و البقاء للأصلح.

و (عودا علي بدء)، السقوط في فخ التشويق- من جانب الكاتب- إسفاف، كما أن الإصرار على الكتابة بلغة ما، بعيدة عن الواقع(الراكوبة)، يعني مغالطة كل من الواقع و التاريخ، و بالتالي الخرف، و السقوط عن الداروينية.


#1264049 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 03:26 PM
(( فالكنائس عمرت البلاد شمالا وفي دارفور وغيرها من مناطق السودان وسطا،))

هل يعني كاتب المقال أن المسيحية دخلت دارفور قبل الاسلام و استمرت اربعة قرون هناك قبل دخول الاسلام الى دارفور؟ ما الدليل على ذلك؟

عموما يحاول كاتب المقال أن يتحدث عن امور من بنات خياله .
وجدت المسيحية في مناطق محدودة على الشريط النيلي و مما يدل على محدوديتها أن الحبشة التي هي ابعد من السودان كان فيها و مازال وجود مسيحي واضح.
عموما كانت بلاد الشام مهد المسيحية و اليوم المسيحيون فيها مجرد أقلية


ردود على ود الحاجة
[سوداني بس] 05-12-2015 01:17 PM
لقد أثبت آنفا في آخر ردك - ما استنكرته في أوله بين القوسين !!! فلو كانت الشام مهد المسيحية واليوم المسيحيون فيها مجرد أقلية ( كما قلت ) ! فلم لا يسري هذا علي مناطق أخري ؟ ومنها بالطبع السودان أو الحبشة ؟؟؟!!! أو غيرها ؟ .


عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة