"الواقع الأبدي"
05-15-2015 12:28 PM




".. يجب علينا أن تفهم أن العالم الذي نعيش فيه ليس عالم الأسباب، بل هو عالم من نتائج الأحداث.. "
من فلسفة الكابلا
***
في مقالي حول "الواقعية" هناك من لم يتفهم مقصدي.. افهم ما هو الواقع كما نعيشه ونحسه.. ولكن لطفا.. ان الواقع بمعناه المفهوم لنا هو واقع الحواس والادراك المباشر.. لاننا صناديق بها هذه النوافذ الخمس في حين ان العالم خارج الصندوق متشكل من المرئي واللامرئي. والإشكال ان الصندوق يتعامل مع المدركات الحسية فقط عبر نوافذه. لهذا فالواقع الحقيقي لا يكون الا بتكامل الجانبين المرئي واللامرئي.. الاشكال ان الحواس دائما قاصرة عن ادراك ما وراء الواقع.. اي الجانب المكمل للواقع لهذا نصاب بالحزن والإحباط ونفقد معنى الحياة ! والإنسان يتحرر أو يكون انسانا عندما يعرف كيف يفهم واقعه من خلال المرئي واللامرئي من خلال تدريب الصندوق على رؤية المناطق التي لا تراها النوافذ الخمس.. ان تطل على الجهات الغائبة.. قيل ان الحواس الخمس تعيق بل تمنع ادراك حقيقة ما يعرف بـ "الواقع الأبدي".. وهو ذلك الفضاء الحقيقي الذي نعيش فيه.. انه معقد ومتشابك ولا يتضح إلا بالمعرفة وتكامل عميق بين الذات وما وراء المحسوسات.. تعميق الخيال والروح والإنسانوية التي تسكنننا..
يقولون ان الانسان يسكن عالما آخر غير حقيقته.. ان رحلة الحياة هي الاكتشاف الذي يمكنا من اختراق الحواجز لكي نصل إلى عالما الحقيقي.. واقعنا الآني محدود وضيق في حين أن "الواقع الأبدي" عميق وجميل وفيه السعادة، لا تعذبوا أنفسكم كثيرا وأخرجوا من صناديقكم.
***
ان التكيف الأولي لنا كمخلوقات يقوم على إدراك "الواقع الأبدي". أي العالم الحقيقي الذي يجب أن نسكنه ونتعايش معه. وهذا واضح عند الطفل في لهثه الخاص لإدراك الاشياء بل التماهي معها بطريقة قد لا نفهمها "نحن الكبار".. الاساس في نماء الانسان ووجوده في "الواقع" وتحرير نوافذه الخمس، هو ادراك طبيعي وفطري.. يولد معه. هو خاصية الطبيعة التي تمنحها له دون مقابل.. كما تمنحه كيف يتنفس أو يهضم الطعام أو يتبول.. أو تعلم قلبه كيف ينبض. الاساس ان الفطري والطبيعي فينا اننا كاملين وعارفين ومدربين على التعايش مع "الواقع الأبدي" لكننا ندخل عالم الواقع المحدد والضيق الذي ابتكره الكبار.. عالم الريبة والظنون والقسوة .. لتغلفنا الأنا وتقلق وجودنا..
ما هي الأنا؟ إنها باختصار ذلك الانكفاء على الداخل.. الاحساس بان الصندوق الذي نعيش فيه "بدننا" بما يحتويه من ادراك ومعلومات ومعارف وغيرها.. هو الحقيقة الكلية والكاملة.. لهذا نكابر ونمارس الادعاء والغرور ونفقد الطريق إلى الحكمة وفي النهاية نفقد علاقتنا السامية مع العالم الحقيقي.. "الواقع الأبدي" وبهذا بدلا من أن نكون بشرا انسانيين كما هي حقيقتنا الأولى ننحدر لنصبح مجرد صناديق متحركة ليس لها سوى وظائف بيولوجية بحتة..
ان ادراكنا الطبيعي والفطري هو الذي يجب علينا ان نرد له الاعتبار.. لكي نكون نحن.. بمعنى ان نعود إلى نظام التكيف الأولي لنا.
***
قال المتنبي:
"وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"
وتلك هي حقيقة الأنا.. الانسان يظن أنه في عالم حقيقته لان الجهل حجاب.. يحرمك من الاختراق والتحرر من الصندوق الذي تسكنه.. إن الأنا يجب أن تكون خيّرة وعارفة وليست شريرة، ذلك لكي تنطلق بحرية نحو هدفها وتتماهى مع العالمين المرئي واللامرئي.. عالمي (الغيب والشهادة) كما يردا في التراث الديني. ولا يكون كمال الانسان الا بتكامل هذين العالمين.. فالواقع عند "الانسان" هو صورة التمازج بين هاتين الصورتين.. بين ما تراه وما لا تراه. لكن إذا كان الجهل قال الانسان لنفسه انه يرى كل شيء. لانه يعيش أسير الصندوق.. بل فرح بحاله.. فـ "كل حزب بما لديهم فرحون".. إن الفرح ليس دليل عافية في كل الأحوال.. وقد يكون علامة خطر..
قيل إن اللذة هي التي تمنحنا السعادة.. لذة كل شيء.. الأكل والنوم والشرب والجنس والسرور والبهجة التي نعيشها لاي سبب كان.. لكن اللذة التي خلقنا لأجلها.. لا تكون كاملة إلا بأن نعيشها في "الواقع الأبدي" وليس في عالم "الواقع المغلق".. الذي ينتهي بالصندوق واليه.. وكلما درّب الانسان نفسه على التحرر والانعتاق ومفارقة الثوابت وتكسير الحواجز.. استطاع أن يكتشف أن اللذة الكبرى هي التي لم يصلها بعد.. وأن الشقاء الحقيقي هو الجهالة..
***
منذ القدم قيل ليس في الكون من حقيقة سواك أنت والخالق. وقيل أن هذا الكلام فيه شيء من الأنا والغرور إذا فهم في سياقه المباشر لأنه يعزز من الإنسان كمعادل للمطلق أو يجعله كأنه حقيقة الكون الوحيدة، لكن المعنى الآخر له أن الحقيقة هي متضمنة فيك أنت، "وتزعم أنك جرم صغير، وفيك أنطوى العالم الأكبر" كما نسب شعر للأمام علي..
فالعارف والواعي والجميل هو أنت، الذي كوّن حكمته وتحرره من الأنا ليجعل الآخرين جزءا منها أو يصبح الكون في عرفه قائما على التكامل وهي فلسفة دعت إليها الديانات والقيم النبيلة بزرع محبة الآخرين والانسجام في ذلك المعنى كأن يكون الجميع بدنا واحدا كما في المفهوم الإسلامي، إنها ثقافة المحبة والتعايش مع الناس والأشياء في انسجام رائع. إنها الفطرة التي جاء بها الإنسان قبل أن تخربه الهواجس التي سوف تسكنه بعد أن تثبت وتتكلس الحواس في فعلها الروتيني ولا يسعى الكائن لتطوير ما وراء صورته الباهتة. ما وراء أناه المتعالية عن جهل. ليكون هو ذلك المجموع الذي أنطوى في الأنا والعكس صحيح. وهذا المعنى تكرسه التجارب الإنسانية ليس على المستوى الروحاني فحسب بل حتى على المستوى التجريبي والمتعلق مباشرة بفكرة العيش والرفاهية والنعيم الأرضي، في أفكار كالاشتراكية والتعاون ووحدة الأهداف والمصائر في أي شكل من أشكال العمل المجتمعي والمدني الحديث.
***
إن تدريب الذات على من تكون؟ هو المعنى الغائب والمستتر لمن لم يتبصره، هو الفكرة الكامنة خلف "الواقع الأبدي" والساكنة فيه، فبمجرد أن تصل إلى هذه النقطة. أن تفهم من أنت وماذا بإمكانك أن تكون وأن تفيد بأن تصل إلى القيمة المجازية التي تتحرك فيها بأن تصبح حقيقة ماثلة، كل ذلك يعني إبداع صورة أخرى وجديدة للإنسان والمجتمع والدولة. يعني إعمال فكر التغيير بأن ننظر إلى الأشياء بمنظورات مختلفة وغير مدرجة في الذهن الواعي. لا حياة جديدة ولا انتصار على العنف والخوف والهواجس والأزمات إلا بتحرير الذوات والعمل لأجل تلك النفس الصادقة والمنتمية لحلمها الكوني، التي توجد متعتها من خلال الانتصار على تكريسات الأمس ورواسبه وجهالاته لتنهض إلى "الواقع الأبدي" والعالم الحقيقي الذي ينتظرها.. الحياة، الحيوان.
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1087

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1267447 [محمد علي]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2015 01:00 PM
كذب المتنبئ:
فأخو الجهالة فى النعيم يتقلب..(الواقع).


عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة