المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. عمر بادي
كيف نتفادى تطفئة الكهرباء الشاملة ؟
كيف نتفادى تطفئة الكهرباء الشاملة ؟
05-16-2015 01:01 AM

إن تطفئة الكهرباء الشاملة Complete black out لا تحدث إلا نادرا جدا في الأقطار المتقدمة , و تكون عادة نتيجة لكوارث طبيعية , و عند حدوثها تصبح معلما تاريخيا يؤرخ به , مثلها في ذلك كمثل معالمنا التاريخية الشعبية ك ( سنة حفروا البحر ) و ( سنة ستة ) و ( سنة النجمة أم ضنب ) و ( سنة الفيضان ) .. و على ذلك فقد أصبحت تطفئة الكهرباء الشاملة في مدينة نيويورك في عام 1977 حدثا تاريخيا , فقد ضربت الصواعق نتيجة للأحوال الجوية السيئة بعض خطوط نقل الكهرباء و بعض المحطات الفرعية لتوزيع الكهرباء و عاشت نيويورك يومين كاملين في ظلام دامس , و تزامن ذلك الحدث مع تفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية و أدى إلى الكثير من عمليات السطو و نهب المحلات التجارية .
على هذه الشاكلة دعوني أسبر غور سنيننا الشعبية عالية الذكر و التي أضحت معالما تاريخية ...( سنة حفروا البحر ) المقصود عام 1869 و هي السنة التي تم فيها حفر قناة السويس في زمن الخديوي عباس , و السودان كان حينذاك تحت الحكم التركي و يقول الناس هذا التعبير للأشياء التي يرونها قديمة .. ( سنة ستة ) و المقصود مجاعة سنة 1306 هجرية في عهد المهدية في السودان عندما دعا الخليفة عبد الله التعايشي كل المزارعين إلى الإنخراط في الجيوش للجهاد فتركوا مزارعهم و تزامن ذلك مع القحط المناخي .. ( سنة النجمة أم ضنب ) و المقصود عام 1910 عند ظهور المذنب هالي واضحا في سماء السودان و كما هو معروف فإن المذنب هالي يقترب من الأرض كل 76 عاما , و الجسم المضيء الذي ظهر في سماء شمال أمدرمان في الإسبوع الماضي قطعا لم يكن ( النجمة أم ضنب ) كما أورد السيد معتمد محلية كرري ! .. ( سنة الفيضان ) و هي سنة 1946 التي فاض فيها النيل و أغرق الكثير من الجزر و الأراضي قبل أن يحتاط الناس له .
قبل أن أسترسل في موضوع مقالتي هذه , أود أن أتطرق لظاهرة الشائعات التي يتم تداولها في صور محرفة بالفوتوشوب في وسائط التواصل الإجتماعي خاصة الواتساب , و هي ظاهرة غير محمودة قطعا و تؤدي إلى عدم الثقة في الأخبار المتداولة خلال الواتساب , لأن حبل الكذب فيها قصير و ستبدي الأيام الحقيقة , و لا أدري ما هي مقاصد من يقومون بها . الأمثلة موجودة و متعددة و لكنني هنا أقصد صور محول الكهرباء الكبير ذي الجهد العالي التي وصلتني في الأسبوع الماضي و ألسنة النيران تلتهمه كدليل على سبب تطفئة الكهرباء الشاملة , و لكن تبينت لي الحقيقة من أول نظرة , فمثل هذه النيران التي تلتهم العوازل البلاستيكية و الزيوت في المحول من المؤكد سوف تنتج سحابات من الدخان و لن تكون الرؤية واضحة كما في الصور , كذلك فإن نظام مكافحة الحريق بأنابيبه الحمراء اللون و مرشاته المتعددة لم يظهر أثر لعمله و طمره للمحول بالمياه و حتى إذا إفترضنا عدم تفعيل جهاز الإطفاء الذاتي له فإن أجهزة الإنذار الحرارية سوف تلفت أقرب شخص كي يفعّل يدويا محبس الماء للمرشات .
تطفئة الكهرباء الشاملة تعني إنقطاع الكهرباء الكلي في شبكة الكهرباء القومية نتيجة لتوقف كل ماكينات توليد الكهرباء في محطات توليد الكهرباء المغذية لشبكة الكهرباء . أحيانا توجد إنقطاعات جزئية للكهرباء تحدث في مناطق محددة , و هذه تكون عادة نتيجة لأعطال تصيب المحولات المغذية Feeders لتلك المناطق , ربما نتيجة للأحمال الزائدة أو لتماس كهربائي أو لنقص في التبريد , فيؤدي إلى تفعيل أجهزة الحماية فتؤدي إلى فصل الكهرباء عن المحول حفاظا عليه من التلف . في شبكة التوزيع الداخلية في المدن الكبرى توجد في بعض المحولات المغذية للأحياء أجهزة للحماية تعمل عند إنخفاض ذبذبة التيار الكهربائي عن معدلها الطبيعي و هو 50 هيرتز , و يحدث هذا الإنخفاض عادة عندما تزداد طاقة الكهرباء المستهلكة عن طاقة الكهرباء المولدة و ذلك عندما تنفصل ماكينة أو أكثر و تخرج عن الخدمة نتيجة لعطل حدث بها , و ذلك حتى لا يؤدي قلة التوليد الكهربائي إلى فصل بقية الماكينات العاملة نتيجة لتفعيل أجهزة حمايتها في إنخفاض الذبذبة أو إنخفاض الجهد أو إرتفاع التيار عن معدلاتها المسموحة , لأن ذلك سوف يؤدي إلى إرتفاع الحرارة في الأجهزة الكهربائية و إلى تلفها خاصة في بيوت المستهلكين .
في الأسبوع الماضي في ليلة 4/5/2015 حدثت في الخرطوم تطفئة للكهرباء شاملة , و في مقابلة مع المهندس جعفر علي البشير مدير الشركة السودانية لنقل الكهرباء ذكر أنه قد حدث عطل في محول الخط الناقل للكهرباء من سد مروي و أدى ذلك إلى قطع ألف ميغاوات من الكهرباء عن الشبكة القومية التي كان حملها في ذلك الوقت 1800 ميغاوات ( الميغاوات يعادل 1000 كيلوات ) , و عملت أجهزة حماية ماكينات التوليد على فصل الماكينات بعد إنخفاض الذبذبة و الجهد , و أن المحطات الحرارية بها بعض الماكينات تحت الصيانة السنوية , و أن الخط الناقل المرتبط مع شبكة الكهرباء الأثيوبية كان توريده صفرا لأنه كان مفتوحا ! 1800 ميغاوات هي طاقة الكهرباء المولدة في الشبكة القومية , فإذا أضفنا إليها طاقة المدن خارج الشبكة القومية و طاقة الماكينات التي تحت الصيانة و قلنا إن طاقة الكهرباء المولدة في السودان 2000 ميغاوات و هذا ما تقوله مراكز أبحاث الطاقة الكهربائية العالمية , فإنه لأمر مخزٍ لنا أن نعلم أن جارتنا الشمالية مصر لها طاقة كهربائية مولدة تعادل 25 ألف ميغاوات , و أن جارتنا الشرقية عبر البحر الأحمر المملكة العربية السعودية لها طاقة كهربائية مولدة تعادل 44 ألف ميغاوات , و أن الطاقة الكهربائية هي عصب الحياة و مؤشر التقدم و الرقي لكل المجتمعات !
حسب علمي فإن بسد مروي 10 توربينات مائية طاقة كل توربينة 125 ميغاوات , و من السد يخرج خطان لنقل الكهرباء , خط ينقل الكهرباء لعطبرة و بورتسودان بطاقة 250 ميغاوات , و خط ينقل الكهرباء للشبكة القومية بطاقة 1000 ميغاوات و يلتقي بالشبكة عند جبال المرخيات بواسطة محولين , و الخط الناقل بجهد 500 كيلوفولت بينما الخط الدائري في العاصمة بجهد 200 كيلوفولت و ينزل بعد ذلك الجهد بالمحولات الخافضة حتى يصل في الأحياء إلى 220 فولت . نقل الكهرباء يكون دائما على الجهد العالي حتى ينخفض التيار على الأسلاك الناقلة للطاقة الكهربائية و بذلك تنخفض الحرارة الضائعة التي تسبب نقصا في الطاقة المنقولة . الطاقة القصوى لخزان الروصيرص بعد التعلية تعادل 280 ميغاوات , و في المحطات الحرارية كمحطة الشهيد محمود شريف تعادل الطاقة القصوى 425 ميغاوات و لكن توجد وحدة من وحدتي التوسعة الأخيرة متوقفة بطاقة 100 ميغاوات , و محطتي قري تعادل طاقتهما القصوى 470 ميغاوات و لكنها لا تعمل بطاقتها نتيجة للنقص في الوقود الثقيل , و محطة كوستي ( أم دباكر ) تعادل طاقتها القصوى 500 ميغاوات و لكنها لا تعمل بطاقتها لنقص الوقود الثقيل , و محطة الفولة صممت بطاقة 405 ميغاوات و لكن توقف العمل بها كما سمعت في أجهزة الإعلام .
كيف نتفادى تطفئة الكهرباء الشاملة ؟ أرى الحلول في الآتي :
1 – توفير وحدات ( ماكينات مولدة ) لتوليد الكهرباء في الشبكة تعمل بأحمالها الدنيا كإحطياطيات دوارة Spinning reserve تكون كافية لتغطية حمل أكبر وحدة عند فصلها , و بذلك لا تقل الطاقة الكهربائية المولدة عن الطاقة الكهربائية المستهلكة و لا تقل الذبذبة , و لكن هذا الحل يتطلب وفرة في القدرة المولدة .
2 – توفير عدد كافٍ من المحولات المغذية التي عليها أجهزة فصل عند انخفاض الذبذبة في المحطات الفرعية Under frequency feeders و ضبطها على أساس أن تنفصل قبل أن تنفصل الماكينات العاملة في شبكة الكهرباء و أن تغطي في مجملها قدرة محول الخط الناقل عند إنفصاله .
3 – عمل التعديلات اللازمة في مولدات سد مروي حتى لا يؤدي العطل إلى فصل توربينتين في آن واحد كما حدث و أدى إلى تطفئة الكهرباء الشاملة .
4 – توفير الوقود الثقيل ( الفرنيس ) لمحطات توليد الكهرباء الحرارية حتى لا يؤدي النقص فيه إلى نقص في طاقة التوليد .
5 – عمل الصيانات الدورية و السنوية و إعادات التأهيل لماكينات توليد الكهرباء حتى تعمل الماكينات بطاقات توليدية قريبة من القصوى .
6 – توفير قطع الغيار الأصلية من أقطار المنشأ و التي يؤدي عدمها إلى توقف ماكينات توليد الكهرباء عن العمل , و لن يتم ذلك إلا بعد رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب , و لن يتم ذلك إلا بعد تغيير الحكم الشمولي بحكم ديموقراطي شامل .

د. عمر محمد صالح بادي
دكتوراة في الهندسة الميكانيكية ( قوى )
مهندس مستشار في سعودكونسلت السعودية
و كاتب صحفي حائز على القيد الصحفي
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2124

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
   د. عمر بادي

مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة