05-31-2015 12:39 AM

كنت وصفت ما وقع بيني والحزب الشيوعي بصدد تقييم "غضبة الهبباي" لصلاح أحمد إبراهيم في 1965. فقد صادروا نقدي له في جريدة "الميدان" لأنه ما أتفق معهم في رأيهم السلبي الشديد في صلاح. فذهبت لأستاذنا عبد الخالق أشكو له ظلم الرفاق. فاجتمع بالقيادة في السكرتارية المركزية وأعادوا نشر مقالاتي بالجريدة. وقدموا لذلك بكلمة ننشرها أدناه حول منهج الحزب الشيوعي حيال الأدب وحريته.

كلما قرأت هذه المذكرة الغنية تذكرت الأنثربولوجي مالنوفسكي. ذكر مرة قرية نشر عنها دراسة ما. فقال: لم تكن موجودة حتى صنعتها. وهكذا لم تكن هذه المذكرة برحابتها موجودة كنهج نترسمه لولاي. وتجد كلمة عبد الخالق في "الميدان" أدناه وبها هنة طباعية عن فساد في الأصل نعتذر عنها:



(الميدان الجمعة 5 نوفمبر 1965)

هذه الصفحة من الميدان خُصصت للأدب بفروعه المختلفة. والبعض يظن أنها مثل الصفحات الأخرى تعبر عن رأي الحزب الشيوعي بطريقة غير مباشرة. ومثل هذا الاعتقاد يجانب الحق إذ أن ميدان الأدب لا يُسَخر في السياسة بطريقة مباشرة. بل هو يؤثر عليها ويتفاعل معها بطرق غير مباشرة. والخَلق الأدبي الذي يدخل ميدان السياسة المباشرة يتخلى عن طبيعته كأداة للتعبير عن الإنسان ويستحيل إلى طبيعة أخرى. إننا نرحب بكل خلق أدبي يمت إلى الحقيقة بصلة، ويغني تجارب الإنسان وهو يعاتق حقائق العالم ويضيء جوانبه بقيم الجمال، التي ترفعه أبداً إلى ولوج أبواب المعرفة، ويؤدي في النهاية إلى حرية الإنسان الذي يعلو على الحاجة ولا تعلو عليه، ويتحرر من الخوف الناتج عن قصور إدراكه لنفسه ولما حوله من مظاهر الحياة الاجتماعية والطبيعية.

وطالما كان هذا ديدننا فإننا في هذه الصفحة نرحب بجدية الأديب في خلقه وابتداعه لأنه لا مكان للخلق والإبداع دون تلك الحرية التي تقرب الإنسان من الحقيقة، وتفتح أعينه في دهشة لقيم الجمال. ولهذا فإن المقارنة بين رأي الحزب الشيوعي في السياسة ورأيه في الأدب مقارنة خاطئة لا مكان لها وضارة بنمو الأدب التقدمي في بلادنا.

لقد فهم بعض المواطنين أن المقالات التي تنشر في هذه الصفحة، قدحاً أومدحاً، في ديوان الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم "غضبة الهبباي" تعبر عن رأي الحزب الشيوعي. وهذا خطأ ومجافاة للحقيقة. لقد آثرنا دائماً، وفي حدود ملامسة الحقيقة، أن نترك فرصة واسعة لحرية كتابنا في ميدانيّ المضمون والشكل. كما فضلنا دائماً أن تدور مناقشاتنا حرة وعفيفة في هذه الصفحة حتى تستطيع أن تبرز، في وسط الزحام المليء بالأقزام، الملتحفين ثوب الأدب، الشخصيات الأمينة على هذه القضية الإنسانية الكبرى، والملتزمة أمانة الكلمة التي تنوء تحت أعبائها الجبال. وليس كحرية الأدب وسيلة للوصول إلى هذه النتيجة العظيمة.

إن الحياة الأدبية تواجه في بلادنا تيارات عاتية من التقليد والنقل الأعمى للتعبيرات المريضة التي تصيب الإنسان المريض في عالم اليوم، وهو جاهل بكنه القوانين الاجتماعية التي تثير الفزع، وتسحق الفرد، وتعمي بصيرته، حتى يسير كالأعشى في متاهات الضياع. والأديب السوداني الذي يرغب في خدمة الحقيقة ما زال في أول الطريق لأنه لم يكتشف مقومات الإنسان ومصادر معرفته عبر التاريخ. ولهذا فنحن نُسخر هذه الصفحة في محاولة متواضعة لتخدم الغرضين. تصد أولاً الآثار الواردة من الخارج، والتي تعبر عن صرخات اليأس في مجتمع أصيب بالمرض، وأصبح (؟) اليوم أو الغد حتى لا يفسد علينا حياتنا الروحية: تصدها بالنقد والدراسة ولا تقفل الأبواب دونها بالأمر. وتساهم ثانياً في اكتشاف الإنسان السوداني حتى تنفجر منابع معرفته فتشمل الإنتاج الأدبي بدفئها فيستحيل صادقاً ونافعاً. ولكل الغرضين فإن صفحتنا تؤثر الحرية التي لا تقيدها غير الحقيقة.

إن ديوان الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم ليس عملاً سياسياً في جملته بل هو عملاً فنياً. وحتى لو كان عملاً سياسياً فهو لم يتخذ أبغض وسيلة له. فإن الافتراق الذي وقع بين الحزب الشيوعي والأستاذ صلاح عام 1958 لم يكن لاختلاف سياسي بل لأسباب اخرى تتعلق بنظمه وشروط عضويته. لقد فارق الأستاذ صلاح الحزب ليس بوصفه أديباً ولا بسبب إنتاحه الأدبي. ولكن فارقه بصفته مواطناً أداته في خدمة الجماعة النشاط السياسي المباشر، وشتان بين هذا وذاك. فلنقصر الحديث فلا داع لنبش الماضي.

ولهذا فإن هذه الصفحة تقيم ديوان هذا الشاعر بإعتباره عملاً فنياً في نهاية الأمر. تنظر أولاً في صلاحيته كعمل فني بجودة الأداة وفي شكله. وعندما يدخل من هذا الباب العريض، الذي لا يدخله إلا الخلق الأدبي الجيد، ننظر ثانياً في مقدار إثرائه لحركة التقدم ولنمو الحياة. هذا هو طريقنا وإذا فهم غيره فلا لوم علينا.
[email protected]





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3755

خدمات المحتوى


التعليقات
#1276383 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2015 06:17 PM
1. تصويب:
【لأنه ما أتفق معهم】 = لأني لم أتفق معهم

2. هل اقر صلاح احمد ابراهيم فعلا بانه رمي من نظم (أنانسي) هجاء عبدالخالق محجوب؟ ام ان هذا الاستنتاج يرتكز فقط علي القراءة النقدية للقصيدة المعنية؟


#1276311 [محمود]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2015 02:53 PM
حاولت العثور على ديوان (غضبة الهبباي) حتى اطلع على قصيدة (أنانسي) في هجاء عبدالخالق ولكني لم أوفق..
آمل ان يقوم احد الاخوة الكرام بنسخها وله خالص الشكر..
ولا أنسى الترحم على صلاح وعبدالخالق وكل من عليها فان..


#1276303 [قنوط ميسزوري]
5.00/5 (2 صوت)

05-31-2015 02:38 PM
الله يرحم "راشد" ، بس شنو التركيز على صلاح و كلنا يعرف يا بتاع ميسوري إنو إنتهى إلى حسن الخاتمة مطبلاتي للكيزان ؟؟ يا حليلك يا دكتور القراي و حمادة لما قومتوا نفس هذا القنوط و خليتوهو يردح زي النسوان


#1276080 [محمد بن عبد الوهاب]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2015 08:38 AM
ختّاي المزالق فعلاً


#1275955 [بابكر موسى ابراهيم]
5.00/5 (2 صوت)

05-31-2015 03:48 AM
سؤال للمرشح الرئاسى السابق لرئاسة الجمهورية: لما فردت عضلاتك ودخلت فى معركة مع عمر القراى قبل سنة وشوية وما كنت عارف انو القراى لحمو مرما زول هوان يعنى .. ليه مارديت عليه لما قال ليك فى السطرين الاْخيرين من مقالو التانى انت اتنكرت للعشرة ليه سكت يا مرشح ؟ بدل ما تتكلم عن الاْموات رد على الاْحياء. هديت حيلنا بالمرحوم والمرحوم


#1275947 [الجلاسي]
5.00/5 (1 صوت)

05-31-2015 01:48 AM
دائما ما أجد نفسي مشدودا إلى ما يحرره د٠ عبدالله ٠٠له التحيه
ما يعكر الصفو: مساحه إعلانيه يسار الموضوع تقيد حركة القراءة
صعودا و نزولا و تتحكم في متابعة إعلان ينتهي ليتكرر مرارا ٠
أفيدونا بحل يا أهل الراكوبه


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة