المقالات
السياسة
البناء الأسري والنظم السياسية الأسرة النووية والفكر الليبرالي
البناء الأسري والنظم السياسية الأسرة النووية والفكر الليبرالي
06-11-2015 01:10 AM


البناء الأسري والنظم السياسية الأسرة النووية والفكر الليبرالي...إيمانويل تود


دور البناء الأسري في النظم السياسية كتاب العمر لإيمانويل تود. كان ينبغي أن يمتد بعده البؤري على مدى أربع عقود من البحث لكي ينجز مثل هذا النوع من الكتب. إيمانويل تود يرى أن أساس الأسرة هو الأسرة النووية من أم وأب وأطفال. ونجد أثرها في أقصى الخارطة، حيث نجد أن الفلبين في أقصي الخارطة الأسيوية، وشكل الأسرة في إنجلترا، في أقصى القارة الأوروبية. ففي هوامش الخارطة، نجد شكل الأسرة متطابق بين الفلبين، وإنجلترا، والبشمن في القارة الأفريقية مما يدل أن الأسرة النووية هي الأساس.
نوع الأسرة يعكس طبيعة النظم السياسية من ليبرالية ونظم أيدولوجية ونظم شمولية. وعكس نمط الأسرة النووية التي تعكس طبيعة الفكر الليبرالي، نجد في اليابان، وألمانيا، الأسرة الجذعية. ولذلك كانت أرضا خصبة قد نمت فيها نظم شمولية كما نظام النازية، والنظام الأمبراطوري في اليابان.
ففي الأسرة النووية دائما يكون النظام الليبرالي. فإذا أخذنا خارطة الدراسة التي تحوي قارة أسيا، وأوروبا، نجد أن أقصاها في الفلبين، يتطابق نظام بناء الأسرة مع أقصاها في إنجلترا. وفي منتصف الخارطة نجد مايدور في الصين، وروسيا مما أدي لقيام النظم الشيوعية بسبب وجود الأسرة الجذعية التي سببها الغزو المغولي لتاريخ روسيا. فهناك الأسرة النووية المطلقة، والأسرة النووية التي يكون أساس المساوة ممكن بين أفرادها،ففيها يكون النظام الليبرالي ممكن.
فهناك تباين كبير في تكوين الأسرة في العالم. فالأسرة النووية لم تكون نتيجة تدهور للنظام الأبوي، بل نجد أن النظام الأبوي قد نتج من الغزوات، والحروب. وقد تكونت الأسرة الجذعية في روسيا بسبب حروب المغول. ومهدت الطريق لقيام نظام شمولي تجسد في الشيوعية في روسيا.
فدور الفرد في الأسرة، وطريقة الميراث، لها أثر في طبيعة نظم الحكم. فمثلا في روسيا والصين كانتا مهيئتين تاريخيا لقيام نظام شيوعي، وخاصة في روسيا التي يختلف تاريخ تكوين وبناء الأسرة عنها في الصين قليلا. ففي الصين يختلف تاريخ الثورة الثقافية قليلا عنها. ومن هنا يأتي الإختلاف بين نظام الصين الشيوعي عن شيوعية روسيا.
و نجد في إنجلترا و وسط فرنسا الأسرة النووية. ففيها الفرد داخل الأسرة يمتاز بالحرية، والمساواة، في الميراث. لذلك كانت نواة للعصر الصناعي، ومهدا للفكر الليبرالي. أما جنوب فرنسا فيختلف في البناء الأسري عن شمال فرنسا. ففي وسط فرنسا، ومرسليا، والمناطق المطلة علي البحر الأبيض المتوسط.
في فرنسا توجد الأسرة النووية، وفيها المساوة والعدالة بين أفراد الأسرة. لذلك كانت نواة شعار الثورة الفرنسية الذي ينادي بالمساوة، والحرية، والأخاء. ففي فرنسا توجد الأنواع الأربعة لكيفية تكوين الأسرة. ولكن منذ قيام الثورة الفرنسية وشعارها، فقد أصبحت الأسرة في فرنسا تأخذ شكل الأسرة النووية التي تسود بين أفرادها المساوة والعدالة.
أما في ألمانيا فقد كانت الأسرة ونظام الميراث يختلف عن إنجلترا، وفرنسا. لذلك كانت أرضا خصبة لنظم شمولية في ألمانيا. فأوروبا تقع في أقصى الخارطة التي بحث فيها إيمانويل تود. وهي تشمل أسيا، وأوروبا. وتحمل تباينا كبيرا لتاريخ تكوين الأسرة وأوروبا في أقصاها. ورغم إنها، أي أوروبا، لم تخترع الكتابة، ولا المدن، ولكن إحتفاظ أوروبا بنظام أسرة يكون فيها الفرد متساو ميراثه مع إخوته، يدل على العدالة، وينطوي على الحرية، فكانت أوربا مهد الفكر الليبرالي الذي يعتني بالحرية، والعدالة، ومهد العصر الصناعي.
تاريخ البناء الأسري عند إيمانويل تود، كما يرى الدراسون لأفكار تود، يرتفع ويتفوق في فاعليته على فكرة إنتهاء الصراع الطبقي لكارل ماركس. ويتفوق على فكرة إرادة القوة لفردريك نيتشة، وأفكار فلسفة اسبينوزا، وكذلك على علم النفس كما بلوره سيغموند فرويد. وهنا ربما يلتقي إيمانويل تود مع عالم الإجتماع ريموند آرون، الذي يرى في نظم الحكم فعالية تفوق فكرة إنتهاء الصراع الطبقي في الفكر الماركسي.فيما يتعلق بالعدالة الإجتماعية والحرية، الأجدى أن نتحدث عن التقارب الطبقي بدلا من فكرة إنتهاء الصراع الطبقي. ففي فكرة التقارب الطبقي تنام فكرة التصالح الطبقي، والتضامن الطبقي بعيدا عن أوهام الماركسية، وفكرة إنتهاء الصراع الطبقي فيما يتعلق بالعدالة الإجتماعية والحرية.
وكما يقال، فإن الأسرة تخلق المجتمع على صورتها رغم تطور الفردانية. لذلك تصبح أنواع، ونظم تكوين الأسرة له دور بارز في تكوين الأيدولوجيات الدينية، والسياسية. فبحوث إمانويل تود عن دور الاسرة، وخلق الايدولوجيات السياسية، والدينية قد قوبلت بإزدراء في أول الأمر. ولكن بعده بقليل، فقد أصبحت أفكاره بمثابة القنبلة الموقوتة كما وصفه أحد الداعمين لأفكاره و فلسفته.
كذلك نجد أن إيمانويل تود يعود الى فكرة الحماية في الفكر الإقتصادي. وهنا تتقارب أفكاره مع أفكار جون ماينرد كينز في مسألة التدخل الحكومي في النظرية العامة، ومسألة التوازن الإقتصادي.ولا ننسى أن كينز يتموضع مابين اللبرالية المتوحشة، وأوهام فكرة إنتهاء الصراع الطبقي عند الشيوعيين. ففي أفكار تود نجد ظلال أفكار لكل من أوجست كونت، ودوركهايم، وفردريك لوبلي كعلماء إجتماع.
إن أصل نظم تكوين الأسرة، يعتبر قمة الانثروبولوجيا التطبيقية. وهنا تطل بحوث محمد أركون، ومحاولاته، في تقديم الإسلاميات التطبيقية كانثروبولوجيا تطبيقية. إن إيمانويل تود يدعو الى التباين، والإختلاف في ظل قيم الجمهورية. لذلك كان أول من عارض مشروع ساركوزي، وفكرة الهوية الوطنية لفرنسا. فمتى تكون فكرة قيم الجمهورية شغلا شاغل عند النخب السودانية بدلا من فكرة الهوية.
فالثورة الفرنسية قد أخرجت فرنسا من نظام تكوين الأسرة بأشكاله الأربعة، وجعلت شكل الأسرة النووية هو السائد في فرنسا بعد إعلان شعار الثورة الفرنسية من حرية، وأخاء، ومساواة. وهذا الشعار قد نتج عن نوع تكوين الأسرة في وسط فرنسا، والمناطق المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط في فرنسا.
إن الشعوب الأوروبية رجعت في حرية المرأة الى أيام أثينا، حيث كانت المرأة تتمتع بحرية، مقارنة بالشعوب الأخرى. لذلك نجد اليوم حرية المرأة في أوروبا متأصلة و مبنية على حريتها زمان حضارة أثينا. لذلك يرى إيمانويل تود أن أوروبا لا يمكن توحيدها بالعملة الأوروبية. فالعملة الأوربية تذكرنا بعوده الثالوث المقدس، والكنيسة وسقوطها في حكم أوروبا. لذلك كان إيمانويل تود يتنبأ بفشل العملةالأوروبية. لأن أوروبا متشظية أنثروبولوجيا، ولا يمكن توحيدها عبر العملة الأوروبية.لذلك لا يمكن لأوربا أن تنجح إقتصاديا إلا إذا طبقت نظام الحماية. وهذا لا يتطابق مع الحرية الإقتصادية. فنظام الحماية ضد فكرة الإقتصاد الحر. ونظام الحماية هو السبب في قيام الحروب بين الدول الأوروبية، وقد أدى الى حلول الكساد العظيم في عام1929.
اليوم نظام الحماية ضرورة لا يمكن تجاوزها لفائدة الأقتصاد الأوروبي- كما يقول إيمانويل تود. كيف لا تنقلب النقاط أمام باحث كإيمانويل تود، وهو مؤرخ، وأقتصادي، وأنثروبولوق، وديمغراف؟ فقد تحدث عن الوهم الأقتصادي كما لم يتحدث أحدا غيره.
يختلف إيمانويل تود مع كلود ليفي إشتروس في مسألة الأسرة. ويرى تود أن تحليل كلود ليفي إشتروس في مسألة المرأة، وأنها تلعب دور التبادل في الزواج بين المجموعات، أقرب للشعر. وكذلك يلوم كلود ليفي إشتروس إيمانويل تود على الطريقة التي يحلل بها طبيعة التركيب الأسري، ونظم الحكم. إلا أن تود يعترف- كباحث لا يبخس الآخرين أفكارهم - إنه قد بدا بحوثة بنيويا. فكلود ليفي أشتروس في 1967، وصل لفكرة التبادل وهو يلغي فكرة النظام الأمومي. وهناك من الأنثربولوجيين من أن يقول النظام الأمومي لم يوجد أصلا.
إيمانويل تود، كباحث متمرس، عمل بطريقة الخارطة. وعبرها كان يحلل وهو يختلف عن الأنثربولوجي الميداني. وهو يحلل الخرط، والجداول، ويتوصل الى نتائج مذهلة. وأنجز كتاب قد أحتاج الى أربعة عقود لكي تتبنى أفكاره. وهذا هو دور الباحث، الذي يختلف عن أمثال عبد الوهاب الأفندي، كباحث حقائقه مخزونة في وهم تربية، حزبية، كيزانية.
عن الديمقراطية وحرية المرأة، فمثلا نجد في مصر وتونس وإيران قد أصبحت خصوبة المرأة في مستويات منخفضة. وقد وصلت لمرحلة أم لكل طفلين. وإرتفعت نسبة من يجيدون القرأة والكتابة، وقلت نسبة التزواج بين أبناء العمومة. وبالتالي يتناسب ذلك مع فكر الليبرالية. وما يحصل من طرح لخطاب الفكر الإسلامي المنغلق، من قبل الجماعات الإسلامية، ماهو إلا تشويشا ناتجاعن صدمة الحداثة.
ومصير العالم العربي، مربوط بما يجري في العالم. فالمستقبل، وتطور الشعوب ليس في صالح طرح الإسلاميين حسب تحليل إيمانويل تود.وحتى دول الخليج ليست إستثناء، فلابد من التغيير. فاليوم، فإن محور السعودية، ومصر، ودول الخليج ضد طرح الاخوان المسلميين، والجماعات الإسلامية, ماهو إلا بداية تنبئ بأن فكر الإسلاميين تشويش فقط، وزبد، لا يبقى أمام رياح التغيير. فكيف يبقى فكر الإسلاميين وهو أمام الرياح هباء؟
فهذه هي حيل العقل، ومكر التاريخ- كما يقول هيغل. وإنه لمن حيل العقل، ومكر التاريخ، أن تناهض السعودية ذات المنهج الوهابي، الذي يعكس بداوة ليست لها علاقة بما يجري في العالم.وكما لاحظ هاشم صالح، هل تتخيل أن محمد بن عبد الوهاب تزامن مع إيمانويل كانت؟! فالفرق هائل بين الفكر الوهابي البدوي، وفكرة نقد العقل المحض لإيمانويل كانت. فبروز السعودية، ومحورها ضد فكر الأخوان المسلمين، لاتشرحه إلا فكرة، ومقولة هيغل المتجسدة في حيل العقل، ومكر التاريخ.وهيغل من نوع الفلاسفة الذين تنبأ بمجيئهم إيمانويل كانت!
عندنا في السودان، المرأة، والحرية، ومقارنة وضعها مع حرية المرأة الأوروبية اليوم، وحريتها المنسوبة لحرية المرأة في أثينا أيام الأغريق، فقد كانت المرأة كنداكة في السودان، وملكة تقود الجيوش! هل سيأتي يوم ستنعم فيه المرأة السودانية بالحرية كما كانت الكنداكة؟ و قد قيل، لا حرية للرجل بدون إمرأة حرة.
فقيم الجمهورية وحدها هي القادرة على جعل الافراد متمتعين بالحرية والعدالة.فالثورة الفرنسية قد جعلت الأسرة في فرنسا تأخذ طابع الأسرة النووية، التي يتمتع جميع أفرادها بالحرية والعدالة.



[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2022

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طاهر عمر
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة