المقالات
السياسة
ملامح من روايات الادب الشعبي في كردفان .. " وصفحات مطوية " من ارث الفروسية والكرم
ملامح من روايات الادب الشعبي في كردفان .. " وصفحات مطوية " من ارث الفروسية والكرم
06-13-2015 02:47 PM

هذا المقال سينشر بالتزامن ايضا في موقع الحوار المتمدن

" صفحات مطوية" .. كتاب قيد النشر للراحل المقيم و الخبير الاقتصادي الاستاذ الامين الصادق عبدالمنان .. هو سفر يحتوي علي سيرة كردفانية ذاخرة تحتشد جنباتها بمخزون ضخم عن موروث قصصي متواتر يدور محوره حول قبيلة خزام الكردفانية ودورها التاريخي .. كما تمتد الاقاصيص لتشمل الحوازمة وكل الاطياف القبلية في كردفان .. تأخذك تلك الأسطر الي رحاب إرثها الثقافي والاجتماعي والسياسي في ربوع كردفان وغيرها من بقاع السودان. كما ترسم ايضا صورة زاهية لمشاركة تلك القبيلة المهمة وغيرها من قبائل كردفان ودارفور في تكوين ملامح السودان الحديث منذ العهد الباكر للثورة المهدية .
دوما يشير النقاد لصعوبة سرد وتدوين الارث القبلي والعشائري من دون ان يُتهمه صاحبه بالجهوية والقبلية .. ولكن استنارة المؤلف ومخزونه المعرفي المتقدم ومفرداته المتمكنة .. استطاعت ببراعة توظيف هذا الارث القبلي لصالح الارث الجمعي للأمة السودانية .. فينتاب القارئ احساس دافئ بالانتماء الصادق الي ذات الامكنة والشخوص التي يتحدث عنها الرواي .. وان باعدت بينه وبينها لغة الجغرافيا المناطقية .. فمثلا في مقدمة الكتاب يحدد المؤلف بدقة الدائرة التي تشملها الوقائع المروية في سفره وهي دائرة تتسع لتشمل الوطن الأكبر حين يقول " لست معنيا بتصنيف هذه الصفحات الي فنون الكتابة المتعددة فهذا شأن الاختصاصين الذين قد يجدون في الصفحات ما يستدعي التناول ولكنني معني بتسجيل الوقائع بصدق وبالكيفية التي اعتملت بها الوقائع في نفسي ، والمعاني والرؤية التي انبثقت منها وتلك الثمار التي أردت ان تقطفها الأجيال اللاحقة في دوائر الاسرة والعائلة والقبيلة والوطن " . إذن دائرة المتلقين لرسالة المؤلف .. هي من الاتساع بما يجعلها تشمل كل اطياف الوطن العريض.

يخصص المؤلف جزءا مقدرا من المقدمة والإهداء للتنويه للدور الاجتماعي للمرأة البقارية حينما يحدثنا عن جداته ونذكر منهن آمو بت كرتيقيلا سليلة عيال تاور العزاز وهي بنت اخ الناظر سومي (ول ) تاور شيخ الرواووقة وهي من اكبر بُطُون و أفخاذ قبيلة الحوازمة الكردفانية العربية الشهيرة .. كما يحدثنا عن نارها التي لا تخمد أبدا حين يقول " وكنت دائما اتسائل عن سر النار التي توقدها خلف منزلها عند مغيب الشمس وتظل تزيدها حطبا إناء الليل حتي سألتها فافهمتني ان النار ترشد الضيف وهي إشارة الترحاب به ، فالنساء مثلها لا يطفئون النار أبدا ، بل ان الناظر سومي ( ول ) تاور عمها لم يتناول طعاما قط طيلة حياته بدون حضرة ضيف " .. كما يحدثنا الاستاذ الامين عن قيم الوفاء والولاء للاسرة عند المرأة في كردفان حينما يسرد كيف طلب من جدته ان تغادر لتصحبه للإقامة في الخرطوم وكيف كان ردها مفحما حين قالت : " ان بنات الرجال لا يغادرن الديار التي جئ بهن اليها حتي بعد ممات أزواجهن " .. انظر كيف يكون ربط قيم الوفاء لاواصر الاسرة ب"رجالة" وفراسة اهل المرأة البقارية .. والتي تتجلي في عبارة " بنت الرجال " والتي ان انبئتك عن شئ إنما تنبئك عن ثقافة الوفاء في أبهي صورها !

ويشمل الإهداء ايضا والده الصادق عبدالمنان .. والذي تمتد أصول والدته للخندق في شمال السودان وعمه حسن عبدالمنان الملقب بسيد "امبايا" ولعله لقب يحمل في طياته العديد المعاني والمآثر .. فامبايا هي الة ذات صوت ضخم مدوي أشبه بصوت صفارة الانذار كانت تضرب بجانب النقارة لتجميع المقاتلين وشحذ هممهم في حروب التحرير الأولي التي خاصتها الثورة المهدية ضد المستعمرين الأتراك والبريطانيين. ودرج التقليد علي ان يتولي مسئولية ضرب امبايا اشجع واكرم القوم وأرفعهم كلمة .. ولم يفلح الاستعمار البريطاني الذي تلي المهدية في نسخ الموروث الثقافي المرتبط بالثورة .. فما زال الناس يتداولون لقب سيد امبايا .. ومازالوا يمنحونه لأكثرهم بسالة وبسطة كف .. ويعضد المؤلف ذلك الامر الذي يفهم من سياق كلامه حين يتحدث عن جد عمه حسن عبدالمنان لامه وهو الشيخ بخيت من فرسان الحمر الذين استشهدوا في ام دبيكرات في فروة كانت تحيط بخليفة المهدي من فرسان الانصار . ولم يغفل المؤلف من ان يشمل بالاهداء ايضا أسرته وأبنائه .

من ثم يدلف المؤلف للتوثيق لتاريخ مجئ خزام الي كردفان فيقول : " حسب الرواية التي تناقلوھا فقد قدموا قبل الثورة المھدية في ھجرات بعض بيوتھم من شمال وجنوب دارفور، وكانت قبيلة خزام من القبائل الكبرى بدارفور قبل نشوب ما عرف في غرب السودان بدوسة الناقة و التي قلصت عددھم إلى أدنى حد، وتعتبر دوسة الناقة أشھر حرب جرت وسط قبائل بقارة الغرب لأن كل قبائل بقارة، وھي في معظمھا قبائل جھنية، تحالفت ضد قبيلة خزام وھي قرشية، واليوم تتواجد من تلك القبيلة عموديات كثيرة تمتد من ديار حمر حيث يسمون بالخوازمة ومن أھم خشوم بيوتھم حمر الميامين، إلى ديار الرزيقات وشمال وجنوب وغرب دارفور، وتمتد ھذه القبيلة حتى جمھورية تشاد " .. ثم يستطرد الاستاذ الامين في ذات الصدد " ان القاسم المشترك بين قبيلة خزام وفروعھا المنتشرة بغرب السودان، وما يميزھا عن معظم قبائل الغرب ھي كثرة الحفظة للقرآن الكريم بھذه القبيلة حتى أضيف لإسمھا لفظ "الفقرا" أي خزام الفقرا. وحسب الروايات المتداولة بينھم أنھم خلال رحلة دخولھم للسودان منطلقين من المغرب العربي عبر الصحراء الكبرى تعرضوا لنكبات كبرى خاصة عبر مرورھم بتشاد ولم يحفظھم من الإنقراض -حسب رواياتھم- إلا حفظھم للقرآن، ولما دخلوا السودان قربھم سلاطين مساليت وصاھروھم وكذلك سلاطين فور بسبب كثرة الحفظة وسطھم، ونشير أيضاً ھنا إلى أنھم من آخر القبائل العربية التي دخلت السودان ومن المؤكد أن القبائل العربية الأخرى بغرب السودان قد سبقتھم في دخول السودان ويوجد دليل من أشعار حرب الناقة على ذلك بل يعتبر أحد دوافع شن الحرب عليھم وتحالف القبائل الجھنية ضدھم " . ويفهم من سياق حديث المؤلف ان مصاهرات قبيلة خزام مع غيرها من الاثنيات الموجودة كالمساليت و الفور تعبر عن وعي مبكّر باهمية التمازج العرقي ودوره في الانتقال من مجتمع العشيرة الي تجمعات تشكل بملامحها نواة لوطن مصغر .

ثم ينتقل المؤلف ليتحدث بسلاسة حول دور بيتين كبيرين في قبيلة خزام .. مسهبا في الحديث عن ريادتهما في الإعلاء من ثقافة التصاهر و التداخل مع الاخرين .. كما لا يغفل من الإشارة لصلات التاريخية بشخصيات اخري مؤثرة في كردفان كالسيد اسماعيل الولي .. وصلة هذا الامر بتواجد خزام في ديار البديرية لتعليم وتحفيظ القرآن .. حين يقول نصا : " الشغل الأساسي لبيوت خزام كما ذكرنا كان إحياء نار القرآن، فبيتي الأمين ود عبد المنان والعالم إبراھيم ود عبدالله أوقدوا نار القرآن في خلوتين بديار البديرية تخرج فيھما حفظة كثر لكننا لم نتمكن من حصر أعدادھم، كما أقام الفكي الأمين علاقة محبة في الله قوية مع السيد إسماعيل الولي بحكم المصاھرة التي تمت بينھما حيث تزوج الفكي الأمين زينب بت عبدالله الدنقلاوية التي تربطھا قرابة بالسيد إسماعيل الولي، وقد ولدت له كل من عبد المنان وأحمد الرفاعي وكان السيد إسماعيل الولي شديد الإھتمام بأبناء الأمين من زينب ويناديھم بأولاد الفكي وطلب منھم بناء زريبة لھم بالأبيض في جواره في الحي الذي عرف مؤخراً بفريق القبة وھي قبة السيد إسماعيل الحالية، وقد زرب الفكي عبد المنان زريبته بجوار الخور المعروف بخور القبة من جھة الغرب وأدخل بداخلھا جميع أرحامه من الدناقلة أبناء محمد الطاھر (حامد وإسماعيل) وأحد أخواله ويسمى مكي ود البكري وزوجة شقيقه أحمد وتسمى خديجة (أم الأمين) وھي من دناقلة مليط .. وبيوت كثيرة يصعب حصرھا " .. ثم يتحدث المؤلف عن دور هذين البيتين الخزاميين بقيادة الامين ود عبد المنان والعالم ابراهيم ود عبدالله في الثورة المهدية ومبايعتهما للامام المهدي علي جهاد المستعمرين علي الرغم من انتمائهما للطريقة التيجانية .
لقد استطاع الكاتب تقديم قالب شخصياته الكردفانية في إطار شيق أخاذ يجذب المتلقي بروعة بنائه القصصي .. وأسلوبه السردي المتفرد .. ويتجلى ذلك حين يحدثنا عن الفارس عربي ود محمد زين .. أشهر فرسان خزام وأعظمهم أقداما وبلاءا إبان الدولة المهدية .. وقد عرف عن عربي إجادة فنون القتال والمهارة البالغة في اصطياد الأفيال والزراف.. ويسرد المؤلف بعض من تلك المشاهد التي تخللت رحلته للهجرة لمدينة ام درمان للانضمام للجيش المهدوي المتجه لغزو الحبشة فيقول ( كان يركب أحد أحصنته وھو شديد الجمال ويقود آخر، فقال له أحد المسافرين من بقارة وھو لا يعرفه: "الفقير جوادك السمح دا كن لاقينا الظراف انطيني ليه بغدي الجماعة دول" .. المعني ( أيها الشيخ .. إذا لاقينا الزراف أعطني جوادك الجميل ذاك، لأضمن غداء ھؤلاء النفر ) فأجابه: "سمح" أي نعم، وصمت. وبعد قليل ظھر قطيع من الزراف، فانطلق الفرسان وراءه فإذا بعربي ينطلق بحصانه بأقصى سرعة في الإتجاه المعاكس وتعجب كثير من المسافرين، لكنه كان يعرف أن الزراف أول ما يتجه إلى الأرض الفضاء ليراقب مطارديه ويشتتھم مستخدماً ذيله في صرف الحراب وطول رقبته لمراقبة مطارديه، وعندما يتأكد من إصرار المطاردين ينقلب متوجھاً جھة الغابة حيث تعينه فروع الأشجار على اقتلاع الفرسان من ظھور الخيل وينجو في كثير من الحالات، وكان عربي يخطط لمجابھته عندما يرجع نحو الغابة وقد كان، فإذا بالزراف يجد عربي وقد دخل وسطه وأعمل حربته يمنة ويسرة، ولما تجاوزه الزراف كان قد رمى 4 جمال من ذلك السرب " الجمال وصف يستخدم في لهجة البقارة لتحديد عدد الزراف " ، وعندھا انشغل المسافرون بالسلخ والتزود، وما كان من عربي إلا أن بحث عن صاحبه ووامتشق سوطه وعلاه ضرباً وطرده شر طردة، حتى استحلفه الرجل بأن يرتى ( يشفق أو يرثى عليه ) فتركه وعيره بقوله: " الرجال البسعوھن بركبوھن، إتا قايل شلوخي ديل شلوخ عوين ! ".. ولعل في تلك الطرفة التي ساقها الكاتب بعض من أدب العناد وخليط من ثقافة الآنفة والفروسية التي اشتهر بها أعراب البقارة في السودان . كما تذخر تلك الواقعة بالعديد من الكلمات العربية الفصيحة والواسعة التداول في الثقافة المحلية بكردفان ودارفور وقد خضع بعضها لسودنة لغوية فاضفي ذلك عليها مزيدا من الروعة الموسيقي المتفردة علي اذن المتلقي .

وفي ذات السياق يروي علينا المؤلف ملامح من بسالة عربي ود محمد الزين في حروب الحبشة ومبارزته الشهيرة لأحد فرسان الاحباش التي أسهمت في قلب موازيين المعركة لصالح الانصار .. حين يقول " وعُين عربي رأس مائة في أم درمان،و شارك في حروب الحبشة وانتدب لإحدى أھم معاركھا التي يقودھا أحد فرسان قبائل مكادة بالحبشة والذي تسبب في قتل عدد لا يستھان به من الأنصار، وحدثنا الرواة أن فارس مكادة كان يغطي زنديه بدرع من فضة ويحارب بحربة، وعندما يعود مساءاً يدعو الناس للتدقيق في زنده ھل أصابته أي خدوش. ونصحت خزام قائد الأنصار بإستدعاء عربي لمبارزته وكان عربي يبارز بالسيف على عكس فرسان بقارة الذين يستخدمون الحربة، وھو رجل مربوع القامة ضخم الجثة قيل أنه يتداول ركوب حصانين في معظم الأحوال لضخامته، وعندما استدعي لمبارزة فارس مكادة توجه نحوه رافعاً سيفه فبادره الفارس الحبشي بطعنة قوية رفعه بھا من سرج حصانه بيد واحدة وكان يعض أصبعه بيده الأخرى، ( ولعل ذلك امعانا من الثقة في النفس من قبل الفارس الحبشي وتقليلا من الفارس عربي ود محمد الزين- كاتب المقال ) ومن سرعة المفاجأة رأى الأنصار ،رأس الفارس ويده وأصبعه في فمه قد اجتثا بسيف عربي وهمهم الفارس الحبشي بكلمات لم يعرف لھا معنى قبل أن يقع وقد حشرت درعه في بطنه، فسحبت على عجل وأدخلت خمس كؤوس لتمنع أمعائه من السقوط، وكانت تلك من المعارك التي انتصرت فيھا جيوش الأنصار، وحتى انھيار دولة المھدية وعودة عربي إلى السنجكاية بقي الدرع معه الي ان توفي " .. لقد بقيت شجاعة عربي في وجدان الادب الشعبي الكردفاني .. وتداولها الموروث القصصي المحلي .. فالتصقت في أضابير ذاكرة الناس وارتبطت بعامل شعبي شديد التأثير الا وهو ثقافة الحكامات .. وفي هذا المنحي يستدرجنا المؤلف بسلاسة فائقة لمشهد حفيد الفارس الخزامي عربي ود محمد زين .. وهو حسن ود احمد انقينا.. وهو يتصدر مجلس ( قيدومة الحكامات ) .. وهو مشهد برع المؤلف في وصفه وصفا دقيقا حين قال : " وكان أحد أحفاده وھو حسن ود أحمد أنقينا شديد الإعتزاز بجده وكان يتحدى خزام قاطبة في كل مناسبة تضرب فيھا القيدومة وھي جلسة عند قبائل البقارة توضع فيھا الكؤوس مقلوبة على ماء في طست وتضرب عليھا النساء وتغني الحكامة في الفرسان ومشاھير الكرم وتذكر بأمجاد القبيلة كلھا. كان حسن ( يتنبر ) أي يعلن على الملأ أحسن ما يفتخر به أو ما قام به من أعمال لا يعرفھا الناس أو ھي من القيم والتي يذيعھا ليعرفھا عنه قومه كان يبدأ دائماً ونحن صغار قد حفظنا منه ذلك عن ظھر قلب ( انا أزرق، أنا الليل، أنا الأربحا انقيني ، آخر شھر، أنا جدي أبو أمي بالع في بطنه سبعه كأس، الماعندو قديم يا اخوانا ما عندو جديد، الكلمى ساكت يا الحكامة ما في عوجة التجي من السما بنلزموھا" .. المعني .. " انا قاتم اللون كالليل، أنا الأربعاء؟؟ انقيني آخر شھر، أنا جدي أبو أمي بلع في بطنه سبعة كؤوس، ومن ليس له تاريخ فلا حاضر لديه، فلتقل الحكام شعرھا وكلامها ولا بأس ) .. ولعلها كلمات قصار موجزات تعبر في مجملها عن بلاغة اللسان العربي المبين لاهلنا البقارة .. والإرث اليقيني في التعامل مع حقائق الأشياء .. وان كنت في شك من ذلك فتأمل تلك العبارة المبينة .. " ( الكلمي ) ساكت يا الحكامة مافي عوجة .. التجي من السما بنلزموها " !

ثم ينتقل بنا المؤلف الي ذكر الحركات الثورية المقاومة للاستعمار البريطاني حين يتحدث عن الشيخ السنوسي ود جادالمولي . " احد اكبر مشائخ العلاليق من بُطُون خزام ومن ابرز معلمي وحفظة القرآن الكريم بكردفان ودارفور آنذاك " وتحالفه مع الفكي علي الميراوي بجبال النوبة في ثورته الشهيرة ضد الانجليز في العام 1913 .. وقد كان ذلك تحالفا فريدا لأنه تجاوز حاجز القبلية والتشرذم الذي عمل البريطانيون علي ترسيخه وسط قبائل كردفان تطبيقا لسياسة ( divide and rule ) الاستعمارية المعروفة.. فثورة الفكي علي الميراوي شارك فيها الفور ممثلين في السلطان علي دينار بدعمه ومساندته و قبائل الحوازمة و بطونها من خزام ممثلة في الفكي السنوسي ود جاد المولي وبالطبع كان القائد الشجاع الفكي علي الميراوي من جبال النوبة رأس الرمح في حركة المقاومة .. بلاشك ارست هذه الحركة الثورية دعائما لعمل وطني واسع شكل باكورة الوعي بالذات الوطنية في كردفان.. ولعل من المؤسف تماماً ان هذا الحراك الوطني لم يلقي حظه من البحث والاستقصاء الأكاديمي الكافي لتبيان حقائقه للاجيال القادمة من اهل السودان .. فعلي الرغم من الارث الشعبي الضخم الذي رسخه ذات الحراك في المخيلة الكردفانية، الا ان تلك الوقائع غابت تماماً عن موقعها اللائق بها في الذاكرة الوطنية المدونة . ويبدو ان أسباب الثورة كانت تتلخص في تعمد الانجليز تهميش اهل الجبال وفرض الضرائب الباهظة علي "مكوكهم" مما اثقل كاهل الأهالي ولعلها ذات الأسباب التي أدت لثورة السلطان عجبنا وفرسان النوبة البواسل لاحقا في 1917.
وينقل المؤلف وقائع تعاهد وتحالف الفكي الميراوي والشيخ السنوسي ود جاد المولي علي مقاومة الانجليز حين يقول : " وبدأت القصة بأن علي الميراوي عندما حزم أمره لمواجھة الإنجليز أرسل في طلب الفكي السنوسي الذي كانت تربطه به صداقة متينة سمى على إثرھا الفكي السنوسي أحد أبنائه علي، فلما ذھب إلى جبال ميري غرب كادقلي لمقابلة الفكي علي الميراوي خاطبه الأخير كالتالي: "سيدنا (ول ) سيدنا دايرك ترقد لي بالخيرة أنا داير أضدوق الترك دول – حرفياً تعلي أذوق لكنھا تشبيه، وتعني الإلتحام والإشتباك عند أھل غرب السودان- زي ما ضاكم المھدي!" ومعناها ( سيدنا وابن سيدنا أريد من أن تستخير لي في أمر الإشتباك مع الإنجليز وقتالهم مثل ما فعل المھدي ) فرد عليه فكي السنوسي: "بلحينا زولي" .. بمعني ( نعم بكل سرور) فقام الليل في الخلاء كعادته عندما يحزبه أمر وينتحي للإستخارة وإكمال عدده وراتبه من حزب السيف الذي اشتھر بالتعبد به بين خزام. وفي الصباح الباكر جاء لمجلس الفكي علي متبسماً وقال له: "أبشر زولي الخيرة بيضا وأنا ذاتي فيھا" وتصافحا وتعاھدا لبدء المواجھة، وبنى الفكي السنوسي له عريشة في جغب (وهو يعني مكانا بأعماق الجبال في لهجة البقارة) ليسأل الله النصر على الإنجليز، وبدأ التمرد الذي استمر قرابة العامين والذي جرد له الإنجليز عدة تجريدات دحرھا علي الميراوي ورجاله وحوصرت جبال ميري وضربت بالطيران حسب الراوي، مما اضطر الفكي علي للإستسلام إشفاقاً على أھله ميري، وقد أفلت الفكي السنوسي في إحدى المرات من الإعتقال عندما وشى به أحد العيون حيث وجده في عريشته وأسر ".
ويبدو ان الأسر والاعتقال لم يفت من عضد وعزيمة الفكي السنوسي ود جاد المولي فلم تنتهي مواجهاته مع الانجليز عند تلك الواقعة.. فبعد إطلاق سراحه أعاد بناء مسيده بقرب منطقة السنجكاية الشهيرة .. ونترك قلم المؤلف ليرسم لنا بريشته تلك المواجهة المحتدمة الجديدة : " وبدأت المواجھة عندما وقع مسيد الفكي السنوسي في مسار الطريق وأمر المھندس الإنجليزي المسؤول عماله بقطع شجرة الجميزة التي تقع في المسيد والتي كان حيران الخلوة يمحون ألواحھم فيھا وھي صغيرة وتعھدوھا بماء الألواح حتى كبرت فصارت معلماً ھاماً بالمسيد، عندھا تدخل فكي السنوسي وخاطب المھندس من خلال المترجم بأن عليه تعديل مسار الخط وأنه لن يسمح بقطع الجميزة أو بشق الطريق للمسيد، لكن المھندس الشاب أخذته العزة وقال لفكي السنوسي أن الطريق سيمر في مساره والشجرة ستقطع، عندھا ثارت ثائرة الفكي السنوسي وقال للمترجم: "أنا ولدك جاد المولى، أنا الدود اللغيبش قسما بي ربي اليوم الفاس قالت كع في جميزايتي سكيني أم جركول تقول كع فيك، الداھي الھوان دا إتا بلا ما عارفني، أسأل الإنجليز الكبار إتا وليد ساكت" والمعني ( انا إبن جاد المولى، أنا الأسد الأسمر، أقسم بربي إن ضربت الفأس شجرتي لأضربنك بسكيني، أيھا الذليل، أنت لا تعرفني وأسأل عني الإنجليز ممن يكبرونك سناً إنت مجرد ولد) وتحزم بثوبه وأمسك بسكينه، وتدخل أھل السنجكاية وتجمعوا ونصح عقلاؤھم المھندس الإنجليزي بأن يستدعي شيخ خزام وھو الفكي عبد المنان ود الأمين وما يشير به عليه ھو الحل وإلا فإن الفكي السنوسي سينفذ ما قاله لنا لأنه لم يعرف عنه أن تراجع قط بعد أن " تنبر" ، فأقر المھندس بصواب الرأي وقال لھم اطلبوا الشيخ عبدالمنان ود الامين " ... ويبدو من رواية المؤلف ان حكمة الشيخ عبدالمنان قد جنبت الأهالي شرا مستطيرا حين اقترح قطع " جميزات" أخريات ..فوافق المهندس البريطاني الشاب و إن رفع تقريرا بعد ذلك يشير الي خطورة الفكي السنوسي وعدائه المستحكم للسلطات البريطانية الحاكمة.

هذا غيض من فيض من الوقائع المهمة التي دونها هذا السفر المهم ولعل ما فيه ارحب من تستعرضه بعض الأسطر وبقي لي ان أشير الي براعة الكاتب الراحل في تخزين تلك الروايات السماعية والموروث الروائي في حصون الذاكرة .. ومقدرته علي استدعائها وترتيبها بذلك النسق الفريد ولا شك ان جلها ترامي الي مسامعه وهو طفل يافع فرسخت تلك المشاهد كشريط سينمائي لا يستعصي استدعائه علي صاحب قلم مقتدر مثله . ويجدر بنا هنا ان نشير ايضا الي ان المؤلف الراحل الاستاذ الامين الصادق عبدالمنان هو من اعلام ومثقفي الحوازمة المشاهير .. ومن خريجي مدرسة خور طقت الثانوية العريقة وكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم 1972 كما حاز علي درجة الماجستير من المعهد الاقتصادي الفني بشمال لندن .. عرف الفقيد بإسهاماته الوطنية ومشاركته في تأسيس شركة سكر كنانة وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الوطنية .. ثم هاجر كغيره من الطيور الوطنية المهاجرة فتلقفته المؤسسات الاقتصادية السعودية في المدينة المنورة فعمل فيها خبيرا اقتصاديا وأحسن كغيره من بني وطنه في تقديم الصورة اللائقة بشخصية السودانيين بالمهجر من صدق وامانة وطيب معشر .. واشتهر بمشاركاته المتميزة في ارساء دعائم العمل الاجتماعي للجاية السودانية بالسعودية .. كما عمل في غمار السياسة سعيا وتطلعا لوطن يحتوي الجميع بلا تفرقة او تمييز.. فكان كادرا قياديا في حزب الامة القومي .. شهد له زملائه بحسن المسعي والمبتغى والوطنية الخالصة رحمه الله .

ana_omdurman@hotmail.com





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2520

خدمات المحتوى


التعليقات
#1285100 [ibrahim ahmed]
5.00/5 (1 صوت)

06-14-2015 04:49 PM
سرد رائع وجميل شوقتنا لقراءة الكتاب -- رحم الله مؤلفه وجزاه خيرا -- ارجو ان يحذو حذوه بقية المثقفين لابراز هذا التراث الطيب فالسودان مليء ولا سيما كردفان بالتاريخ السماعي المطمور في صدور الكثيرين --- هذه الاضاءات القيمة تزيد الامة قوة وتماسكا ( شعوبا وقبائل لتعارفوا) وترفع من الروح المعنوية


#1284852 [أحمد الأمين الصادق]
5.00/5 (1 صوت)

06-14-2015 12:21 PM
تلخيص بارع من كاتب المقال عكس فيه روح الكتاب بإيجاز. أتمنى أن يكون ضمن مقدمة الكتاب.


#1284422 [ود السنجكاية]
5.00/5 (1 صوت)

06-13-2015 06:15 PM
شكرا دكتور محمد المصطفي موسي
طرقت صفحة هامة من ادبنا الشعبي في كردفان وغرب السودان
رحم الله الدكتور الاقتصادي الامين الصادق عبدالمنان افتقدته كردقان وافتقده كل السودان اتمني ان يري الكتاب النور في القريب العاجل


#1284354 [الصافي النور]
5.00/5 (1 صوت)

06-13-2015 04:01 PM
ابداع وسرد جميل نتمنى الاضافة والى الامام


د. محمد المصطفي موسي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة