06-20-2015 04:18 PM


#إتساع السبل#
كنت ختمياً
لم يكن حزبياً
قرأت المولد
ترنح
إرجحن
سكرتُ وسط حلقة الذكر
في معية شيوخ البلدة وشبيبتها
إنزوى تحت سقف السماء منطوياً على طرف بروش زاوية الخاتمية الكائنة جوار شجرة الدوم الكبيرة ....
لعل ليلتي الإثنين والخميس كانتا من أكثر ليالي الأسبوع حميمية
كنت خلالهما أجالس كبار أهل البلدة وأعيانها ...
لم يستشعر نفوراً من قبلهم أو تناقضاً
يمس تراتب الفوارق الطبقية لدى العشيرة
ثمة صفاء و ندية يحضران
تتلبسه روحانية شفيفة
كأنه إيقاع النوبة.. مع هدير أصوات الذاكرين
الله حي
حي قيوم
يهزان الكيان
يخلخلان الوجدان
يزلزلان أركان الثابت والمتحجر
بقع مضيئة تنسرب ناعمة إلى أغوار الروح
تشرح الصدر
تطلق اللسان
تزيل الغشاوة
تبدد الإلتباس
كان خلال تلك السويعات
داخل رحاب الزاوية
كنت عبر عبقها التليد أتواجد وجدا
أكتب تاريخ ميلادي مراراً
خلال أزمنة سالفة و أخرى لاحقة
كأنه يختزل سعي الإنسان لجلب فردوسه السليب !!؟...
ظللت دوماً أناطح سلطة المستحيل
إخترق سجف المجهول !!؟....
أجافي طواعية السلاسة والعفوية و…
***
انحسرت "الطرحة" الكرب عن رأسها
سارعت باعادتها
لففت أطرافها حول عنقي
فككتها الريح
أطلقتها
كادت أن تطيرها
همست "علياء"
- أربطيها أو حرري شعرك مثلي
- مستحيل
- كما تشائين
- ماذا نفعل الآن ؟...
- تعالي نجلس
- إين ؟؟...
- هنا
أشارت "علياء" إلى كنبة حجرية تحت شجرة لبخ ظليلة
مسحتا غبارها
جمعت "مرجانة" شعرها المنكوش
سيطرت عليه تماماً بغطاء الرأس
عقب هنيهات إنتظار
- ألا نعود؟
- لازال في الوقت متسع
- لكني لا أطيق هذا الوضع
- إذن هيا
بعد أن تهيئتا للذهاب
- أرجوك.. قليلاً من الصبر
- لم أعد أفهمك
- أنا الأخرى أماثلك
- تذكري شرطي
- أنا آسفة
- لن أرافقك ثانية
- ألا تصغين لهمس الموج ؟...
- ألا تخافين؟ كاد الليل أن يدهمنا ؟...
- أنا معك لا أعرف الخوف.. ولا أرهب الليل ....
"علياء" مندهشة
- كنت تخافين من ظلك.. و لا ترين الشارع إذا غابت الشمس ...
- كفي عن الثرثرة.. ها هو قادم
- من ؟...
- الفاتح
***
لم تكن "فتحية مرجان" كثيرة الجدال
لست خجولة.. ولا "عيني قوية"
كانت خلال مرحلتي الطفولة والصبا ترافق الأولاد
كنت أشاركهم ألاعيبهم و أخالطهم في المدرسة الابتدائية المزدوجة
كانت تفوقهم تحصيلاً و فطنة
رفض أبي أن أنتقل إلى المرحلة المتوسطة
لا سيما حينما علم أنني سإلتحق بمدرسة بعيدة عن القرية
- كيف أتركها تتغرب وهي في هذا العمر؟
ساندني عمي و شد من أزري
- ستعيش هناك في داخلية المدرسة معززة مكرمة في رعاية الحكومة
- عزتها و كارمتها في هذا الحوش، في حماية أمها وأبيها وأخواتها
كان والدي قد سعى أن يزوجني أحد أبناء القرية الأثرياء.. لكنه في الوقت ذاته.. لايطاوعه قلبه أن يكسر خاطري و يميت رغبتي المتقدة في التعليم
لم يدم اللجاج طويلاً
سافرت أنا برفقة زميلاتي و أولياء أمورنا
كان مقر المدرسة في الطريق المؤدية إلى قلب الجزيرة
لا تستطيع أن تسميه قرية ولا يحق لك أن تطلق عليه مدينة
كان بين المنزلتين
يجمع بعضاً من شتات القرية، و يفتقد بعضاً من مقومات المدينة و على الرغم من ذلك علت وجوهنا علائم الإنبهار و نحن نعبر تخومها ليلاً ....
كانت قناديل الكهرباء تضئ مداخل المنازل
السابلة يسمع وقع أقدامهم على الطرقات
هدير مكبرات الصوت يصم الآذان
موسيقى الجاز يملأ صخبها عنان الفضاء
غناء الحقيبة ينبعث مصهللاً من مكان آخر ...
كلاهما يتقاطعان في تناغم
خلت نفسي أتوسط إحدى حلقتي الحفلين
كنت في آن بين راقصي و راقصات العرسين معا ...
المكان في كليهما كان مكتظاً
كف خيالها عن استكمال ما سيحدث
حينما انتبهت على صوت أبي
- وصلنا
جمعتْ أشياءها
نزلتُ
أُستقبلتْ من ذويها باحتفاء
سعدتُ كثيرا بهم
كذلك والدي
طاولتْ هامته سور الحوش العالي وهو ينعم بسماء حفاوة أنسابه
- هكذا النسب ولا بلاش
همس لإبنته بحبور طاغ
- ليت هارون كان معنا ليرى مقامي
* * *
كان مبنى المدرسة بقسمه الداخلي
يبدو لها من بعيد كقصر منيف
أشجار السيسبان و"تمر أبونا" تلتف حول سوره المرتفع
كأنها تحرسه و تحميه من العيون المتلصصة
ما زاد أبي اطمئناناً العرض الذي قدمه أهل أمي له بالإقامة بين ظهرانيهم
لكن والدي الذي كثيراً ما يستشف من عيوني نوازع أهوائي !!؟...
حرص على بقائي في كفالة الحكومة
- الإقامة في الداخلية تعلمها تحمل المسؤولية و الإعتماد على النفس
- و التفرغ للمذاكرة أيضاً
أضفتُ منحازة إلى رأيه
تدخل رب البيت حاسماً الموقف
- إذن تمضي يومي الخميس و الجمعة معنا
خرجت من هذه الجولة منتصرة
تحقق حلمها أن تعيش لأول مرة في وسط مختلف ....
لم تكن مخالطة طالبات الداخلية ميسوراً
أن تتعامل مع مفردات وسط غريب لم تعهده
أن تتواءم مع بعضه
أن تتصادم مع البعض الآخر
- بطبعي لم أكن صدامية
فقط كانت هدفاً مستحباً لسهام بعضهن
بسبب قدرتي الفائقة على التحصيل و إهتمام المعلمين و المعلمات بتفوقي
لكن كل هذا لم يفقدني متعة أن أكون خيطاً من نسيج هذا المجتمع الصغير المتداخل في تنافر !!؟...
حتى حينما يؤنثن إسم جدي و ينادوني به ؛؛؛
- أصمتن "مرجانة" قادمة
- ست نعمات تحابي "مرجانة" و تنصرها علينا ...
* * *
وحيداً كنتُ
في منزل موحش
على الرغم من مظاهر الحياة التي تحيط به من كل جانب
كنت أرقب سجف الصمت
أتأمل فوانيس السماء حينما تحاصرها السحب الدكناء
ينبش مخزون الذاكرة
أبحث عن صدى لتلك الأماسي
عله يستعيد عذوبتها
أتذوق طلاوتها
لكن عبثا !!؟...
كل ما هناك مفقود هنا
أين مواقف النخوة و التكافل ؟...
أين تأصيل الوجدان الإنساني ؟...
أن نكون بشراً !......
أن نصير جسماً واحداً صلباً
أن نتداعى قاطبة إذا ألمت بأحدنا نائبة
جئت طامحاً في الإثبات
صار قابلاً. للمحو !!؟...
لم يكن صدفة أن يحمل روحاً قلقة !...
بغتة أضعت مفاتيح حلمي
فقد كلمة السر !...
كانت الخرطوم مدينة بلا أسوار
لكنها عصية المداخل
موصدة بلا مزاليج
تتدلى قطوفها كمدائن السراب بعيدو وقبص ريح !!؟....
مسكوناً بولع طاغ أضلع في غزوها
يخاطر مغامراً بنصف عمره لينال منها
رأسي أثقل من أن أحمله !...
ينوء بالأسئلة الوجودية الكبرى
أقدامه تجره كجذع شجره فارقه الإخضرار !!؟...
مجهولاً
غريباً
هلامي الملامح
بلا إسناد
وئيد الخطى
يدب بين الناس دبيب النمل
لستُ فيلاً
بل نملة !....
لم يكن "الفاتح سلمان" صوتاً صارخاً ولا نبرة هامسة ...
كنت لساناً فصيحاً وحنجرة جهورية واضحة الصدى ...
كثيراً ما يكثر من إستخدام أدوات الإستفهام ولا ينتظر إجابة !!؟...
يعروني توتر جارف
حينما يقع في دائرة الضوء
تجتذبني الألوان
يندفع صوبها كفراش الضوء لا يبالي أن يحترق !!؟...
تغمرني دورات الليالي و النهارات بوابل من الخبرات
تتراكم تجاربي
أفتح عينيّ واسعتين
يتبدد يأسي
يخوض غمار المخاطر بقلب بارد
لكنني أرتعش حياء كعصفور بلله القطر تحت سطوة عيون أنثى !!؟...
* * *
في البدء كانت أيامي صافية – لكنها سرعان ما علاها الكدر
إعتكرت سماؤها
غُيرت أرصفتها
صارت دكناء
كان يتخفى خارج الأمكنة
يغوص بين شغاف قلب الأزمنة
يستنهض طاقاته الحبيسة يلايِّن قهر الظروف الطارئة
يفرد طوله قسراً
يفك ريقه بحفنة تمر قنديلة
مما تبقى لديه من زوادة مع رشفات من الشاي السادة
أخرج فجراً
لا أتلفت
لا أثير انتباهاً
أزاحم بين الجموع الزاحفة
أتجلد بالصبر
أجد موضعاً لقدم بعد لأي
يعبر بنا الباص كُبرى النيل الأبيض
تصافح بشرة وجهه الجافة نسمات الصباح الندية
ينتفض الجسد الواهن
تنسرب الروح رويداً رويداً إلى مكامن الطاقة النائمة
يترجل في المحطة الأخيرة بجوار ميدان الأمم المتحدة
يتذكر إستحقاقاته
يحاول عبثاً قراءة مصيره كأنه يقبض على الجمر
يخطو بلا هدف
تتعدد المداخل
يقرع باب الذات
يبحث عن الفكرة الثاقبة التي تتناسل من بين أرحامها إتساع السبل !!؟....
* * *

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1317

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة